أخي الدكتور محمد عمارة كما عرفته – بقلم المستشار: طارق البشري

بقلم المستشار: طارق البشري(*)

الدكتور محمد عمارة: أخُ وصديقُ، جمعتنا الأُخوَّة والصداقة لمدىً زمنيٍّ يصل أو يشارف نحو نصف القرن، منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.. وحتى إن باعدت بيننا ظروف المعيشة وأحوال الزحام القاهري والتقدم في السن عن اللقاءات في السنوات الأخيرة، فإن القرابة الوجدانية والمحبة والتقدير والاحترام، مع الشعور بالانتماء الفكري المشترك وبالصحبة القلبية، إن ذلك كله يُبْقِيني معه على لقاءٍ مستمر وصُحبةٍ باقية؛ إن شاء الله تعالى.

****

نحن جيل واحد، تفتح إدراكه السياسي لشؤون بلاده وجماعته السياسية مع نهايات الحرب العالمية الثانية ومع نهايات الأربعينيات من القرن الماضي. وكانت مسألة الاستقلال السياسي لوطنه من أهم شواغله العامة، وكان تصوُّر الوطن المستقل الناهض هو المدينة الفاضلة التي يرنو إليها هذا الجبل لتكون على المستوى الطموح من الاستقلال والنهوض الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والتقدم الفكري والحضاري والثقافي. وكلُّ منا من هذا الوقت المبكر، ينشط في مجال اهتمامه، ويربط بين (طموحه الفكري والمهني) وبين (اندراجه في بناء هذا الوطن المأمول)، فلم يَشغَل أحداً منا (الاهتمامُ والبحثُ عن مستقبل فردي له)، وإنما كلُّ منا ربط – في خياله وآماله وطموحاته – بين (تخصصه الفكري والمهني المأمول مستقبلاً)، وبين (دوره في الأداء الرسالي لازدهار الوطن وجماعته).

ورغم كل الصعوبات كنا نسير على الطريق بما فيه من عراقيل ومشاكل، ولكن بتحقق عام عملي بطيء، ولكنه محسوس بالدرجة التي تُبْقي الأملَ باقياً ودافعاً لتوَجُّهِ النفوس، وللكدح، لتحقيق المأمول العام.

وكنا بوصفنا مصريين عربًا مسلمين، أي ننتمي لهذه الحقول المعرفية والحضارية، ونَصْدُرُ عنها، فيما تربينا عليه، بمدده الثقافي المتنوع، كنا – في ذات الوقت – ننهل من علوم الغرب الوافد إلينا من خلال الأجيال الثلاثة السابقة أو الأربعة. واختلفت وتنوعت جرعات الأخذ والهضم من هذا المعين الوافد. وكل ذلك تَعُجُّ به الحياة الثقافية المصرية والعربية، وكتابات الكُتَّاب، وتراجم المترجمين، ونُقُول الناقلين، عن الغرب وحضارته وأفكاره ومذاهبه وفنونه وآدابه. ونحن تَخْتَلِفُ معنا معاييرُ الأخذِ والتشرب وتجارب الإنتاج الذاتي، ويَنعكسُ كلُّ ذلك في كتاباتِ الكُتَّاب وأعمالِ الدعاة السياسيين والاجتماعيين وإنتاجِ الأدباء والفنانين ونشاطِ الجماعات الثقافية. كما يظهر كل ذلك وينعكس في النشاط السياسي وصراعات الأحزاب والتوجهات السياسية. وظَهَرَ منا القوميون والليبراليون والماركسيون والإسلاميون، ومَن يدعو إلى المرجعية الثقافية الوافدة من الغرب، ومَن يؤكد ويتمسك بالمرجعية الإسلامية، وكل ذلك بتأويلاتٍ متعددةٍ لدى كلَّ من هؤلاء.

لا أريد أن أستطردَ كثيراً في بيان تفاصيل هذا الأمرِ، ولكنْ حَسْبي أن أشيرَ إلى أنَّ السؤال عما نأخذ وما نَدَع من موروثنا الحضاري والثقافي الإسلامي لبلدٍ عربي مسلم، وكذلك السؤال عما نأخذ وما نَدَع من الوافد الغربي الحديث الذي أتى إلينا مع بدايات القرن التاسع عشر بنُظمٍ وعلوم وفنونٍ وآدابٍ وقيمٍ وأساليبِ عيشٍ ومناهج تفكير:

هذا السؤال كان من أهم ما شغلنا أجيالاً وأجيالاً، وعلى وجه الخصوص مع مُفتتح القرن العشرين حتى الآن، بحيث إنه لم تكن مشكلتنا فقط في تحقيق الاستقلال السياسي عن المحتل الأجنبي لأراضينا أو المُسْتَعْمِر المُسَيْطر على مصائرنا السياسية والاقتصادية من خارج أراضينا، ولم تكن مشكلتنا فقط أيضاً الاستقلالَ الاقتصادي عن السيطرة الأجنبية، وإنما جَدَّت علينا مشكلة أنه في بناء مجتمعنا الجديد بعد الاستقلال السياسي والهيمنة الذاتية الاقتصادية والاجتماعية: كيف سندير شؤوننا، وبأي مناهج فكرٍ ونُظُم وأساليبِ إدارةٍ ونهوضٍ، وكيف نُصَمِّمُ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل هذا المجتمع المأمول؟

ومن هنا كان الخلاف والتجارب والصراع السياسي والفكري حول مقادير ما نأخذ من الغرب وما نَدَع، وأوضاع ما نَسْتَبْقي من موروثنا الثقافي والحضاري وما نترك.

****

نحن نشأنا جميعاً في بيئة إيمانية وثقافية إسلامية، هي البيئة المصرية العربية حسب الطابع الغالب الأعم بها، ولكنَّ كلاّ منا نهل من الفكر الغربي، بقدر ما أتاحته له ظروفه المعيشية والثقافية، وبقدر ما تعرض له في أجواء تربيته التعليمية، وبقدر ما فرضته عليه ثقافته المهنية، وبقدر ما صيغت به – من ذلك – نَظرَتُهُ إلى ما يظن أنه يُوجِبُهُ التقدمُ والنهوضُ ببلده وبمجتمعه في طريقِ بناء وتحقيق حُلْمِهِ عن المدينة الفاضلة.

وكانت درجةُ التجريع للفكر الغربي وعناصر حضارته الغربية لا تَصْدُرُ في الغالب الأعم من الناس عن إيمان عَقَدِي بما يُصَدِّقُهُ القلبُ، ولكنْ عن دعوى اقتناع عقلي بما يَلْزَمُ لتحقق النهوض من عناصر ثقافية وافدة، صَحَّ هذا الاقتناعُ أو أَخْطأ.

إنَّ في الثقافة الغربية ما يستوجِبُ النَّهْلَ منه، وبخاصةٍ في العلوم الطبيعية وما يصاحبها ويتفرع عنها من مناهج وممارسات، وكذلك في علوم الإدارة والبناء المؤسسي ونُظم الاقتصاد وأساليب البحوث الاجتماعية، وكذلك ثمة فنون كثيرة في الأدب والقصة والمسرح والموسيقى الكلاسيكية.

ولكنْ، فرقٌ بين أن تتناول كلَّ ذلك و(تُغْنِي به ذاتَكَ الثقافية والإيمانية)، وبين أن (تَهْجُرَ ذاتَكَ هذه منفصلاً عنها وعن أُسُس حضارتك ومرجعيتك الثقافية العامة).

وإنَّ قدماء المفكرين في الحضارة الإسلامية درسوا حضارات اليونان والرومان والهنود والفرس القدامى دون أن يذوبوا فيها، فأغْنَوا ذواتِهم دون أن يَفقدوها. وكذلك صَنع الأوربيون مع الحضارة الإسلامية في بدء نهضتهم.

والحاصل أنه اضطربت المعايير في هذا الشأن بين (الأخذ للاستفادة مع بقاء الغيرية الحضارية العقدية)، وبين (الأخذ للتبني والانتماء والهجرة الثقافية).

ومن حيث السياق السياسي: تحقق لدينا في مصر ما تحقق من نهوض ومن استقلال سياسي واقتصادي بمعايير كانت أقرب للوضوح والشيوع العام بين المصريين ونخبهم الثقافية العامة، وذلك على مدى الثلثين الأولين للقرن العشرين (بثورتي 1919م و1952م).

وكان السؤال الخاص بالجانب الثقافي سالف الذكر مُثاراً لدى الجماعة الوطنية في وضع انتقامي حاد: بين تيار علماني يأخذ بحضارة الغرب كلاًّ لا يتجزأ، وبين تيار إسلامي موروث يَرفض هذا الأمرَ ويتمسك بالوضع التقليدي الموروث وحده، وبين هؤلاء وهؤلاء درجاتٌ من المواقف غير المحسومة وغير الواضحة.

ثم جاءت هزيمة 1967م بصدمة سياسية هزَّت كيان النظام السياسي جميعه، ثم مع الوقت بدأ ينطرح – فيما ينطرح – (السؤال الفكري) الذي يتجاوز ما يتعلق بالنظام السياسي ومدى استبداديته أو كفاءته التنظيمية والإدارية ومدى صحة سياساته. كانت (الهزة الفكرية)، التي نَتَجت عن الهزيمة من الضخامة والزلزلة بحيث طَرَحَت لدينا كل الأمور، وجَعَلت كلَّ أمرٍ مَدعاةً لإعادةِ البحث والتساؤل عن قدر الصحة والصواب، ومقدار الخطأ والخلل، فَيما نَعْرِفُ وما نَقتنع به من أمورنا العامة.

وبَدَأ الأمرُ بطَرْح السؤال الفكري عن الخلل في التشكل الحضاري والثقافي السائد؛ فالدولة لم تستطع أن تحمي الاستقلالَ الوطني وحدها، ولا بد من نهضة شعبية وتشكيلات شعبية مُوازِية لها: تُصَحِّحُ مسارَها وتَمنع استبدادَها وتُقَوِّمُ اعوجاجَها.

وبمُوجِبِ هذه التساؤلات التي طرحها هَولُ الحادث: انطرح السؤال عن (العلاقة) بين التيارات الفكرية والسياسية القائمة (ليبراليةً وقوميةً وإسلاميةً)، لا لـ (توحيدها)، وإنما لـ (إدراك المشترك العام بينها)؛ إن كان ثمة مشترك عام.

وقد لُوحِظ أن كلاًّ من هذه التيارات، في لحظةٍ تاريخية ما، أُمْسَك بالحكم وحده في بلد عربي ما، وأنَّ كلاًّ منها قد ارتبك ثم سقط.

كما لوحظ أنَّ (الدولةَ الاستبدادية) تَكْسِبُ استبدادَها مِن هذا (التقاتل) الذي يجري بين هذه الاتجاهات، ومن ثَمَّ فإنه قد وَجَبَ البحثُ عن (المشترك العام)؛ لِيُمْكِنَ مواجهةُ الاستبدادِ الفردي واستبدادِ الدولة بتيارٍ شعبي متجاوِبٍ ومترابِط مع بعضه البعض في سياق عام.

كما لوحظ أنَّ (الاستقلالَ الوطني المطلوب)، منذ ظَهَرت دعواه بعد السيطرة الأجنبية الاستعمارية، لا يمكن أن يكون (استقلالاً سياسياً) فقط، وإنما يتعين أن يُكَمِّلَه (استقلالٌ اقتصادي) أيضاً، وكانت هذه هي الخبرة التي أدركتها ثورة 1952م في مصر، ولكنَّ الهزيمةَ أظهرت أنْ لا بد أن يُكَمِّلَ هذه الجوانب تيارٌ شعبي أساسي واحد، بمنظمات أهلية تقف إزاء الدولة؛ لتصحيح مسارها. ولن يتم ذلك إلا إذا أضفنا وجهاً ثالثاً وأساسياً للاستقلال، وهو (الاستقلال الحضاري) الذي يُدرِكُ به الشعبُ ذاتَه الحضارية وفقاً للثقافة العامة السائدة لديه.

****

اجتمعنا – كمثقفين ومهتمين بالفكر السياسي والاجتماعي على اختلاف تخصصاتنا العلمية والمهنية – جماعة، فيها عادل حسين رحمه الله، ومحمد عمارة، وأنا، ورفقة طيبة من أمثالنا لا يزيدون على العشرة إلا قليلاً جداً، وفيهم أساتذة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكلية العلوم، وكلية الهندسة، وغيرها، وانضم إلينا في فترةٍ لاحقةٍ عبد الوهاب المسيري رحمه الله، كما انضم إلينا فترة محددة جلال أمين ثم تَرَكَنا. كنا نجتمع كل ثلاثة أسابيع بمنزل أحدنا لنناقشَ موضوعاً فكرياً مُعَدًّا سلفاً، أو كتاباً محدداً.

وكان الهدف واضحاً، وصريحاً، وهو أن يضع كلُّ منا فِكرَه أمامَ نفسه وأمام إخوانه؛ ليتناقشوا معاً بشأنه، ونتداول معاً فيما هو قائمٌ، وما نأخذ، وما نترك، وما نعتمده متمسكين به، وما نتركه لعدم الحاجة إليه، وما نقاومه، وذلك بدراسة نقدية وتمحيص إيجابي.

وكان ثلاثتنا (عادل حسين ومحمد عمارة وأنا) هم مَن استطاعوا أنْ يَخْرُجُوا مِن هذا الحوار الدائر لسنين عديدة، بهذا (الترابط الفكري الكثيف) الذي يَعْتَبرُ أن الاستقلالَ الوطني ليس سياسياً فقط، وليس اقتصادياً فقط، ولكنه أيضاً ينبغي أن يُستكملَ بـ (استقلال حضاري ثقافي) فيما يتعلق بـ (المرجعية السائدة)، وأن الإسلامَ ليس عقيدة دينية فقط، ولكنه أيضاً هو الثقافة السائدة في المجتمع، بحيث لا يُرجَى قيامُ نظامٍ ديمقراطي حقيقي باشتراك شعبي عام ومؤسسات شعبية أهلية فعَّالة وباقية، إلا بأن يكون الإسلامُ هو الثقافةَ العامةَ والمرجعيةَ الأساسية لدى هذه الحركات والمكونات والمؤسسات الشعبية. ومن ثَمَّ، فلا حركة وطنية مضمونة البناء بفاعلية إلا بديمقراطية شعبية، ولا شيء من ذلك باقٍ وفعَّال إلا بالثقافة العامة السائدة، بحسبانها مكوناً ركيناً من مكونات وأركان التشكل الجمعي المطالِب والممارس للاستقلال وللوطنية.

كنا قبل عام 1967م أناساً مكتملين، أو نظن أنفُسَنا كذلك، ولكل منا وجوهُ نشاطٍ عام وكتابات عامة وآراء متبلورة، ولكنْ بعد هذه (المحنة الوطنية)، ومع بداية السبعينيات وما انطرح من أسئلةٍ بعد الهزيمة صارَ كلٌّ منا يطلب مِن نفسه قبلَ أنْ يطلب مِن الآخرين، أن يعيدَ طرحَ أركانِ فكره وأسس مواقفه ومبادئه السياسية والوطنية مع مَن اختارَ مِن أصفياء يشاكلونه في ذات المسائل. وبالنقاش الأمين الصادق: يطرح كلٌّ منا شواغله وخواطره ومراجعاته، والنقاشُ يَغْتَنِي بما ينطرح في هذا الشأن، وخَرَجَ كلٌّ منا بنظرٍ مُعَدَّلٍ في مجالات اجتهاداته وتخصصاته؛ عادل حسين في مجال العمل السياسي، ومحمد عمارة في مجال الفكر الإسلامي، وأنا في بناء تيار أساسي للأمة، وعبد الوهاب المسيري في مجال النظر للعلمانية والفكر الغربي.

لم يَكُن الأمرُ عُدولاً مِن موقفٍ كاملٍ إلى موقفٍ كاملٍ آخَرَ مُغايِرٍ، وإنما كان يتعلق باختلاف درجات المزج والاقتران، والعنصرُ العقدي الإيماني موجودٌ وفعال، ولكنَّ المسألةَ كانت تتعلق بقَدْرِ أثرِهِ في الموقف السياسي والاجتماعي وقَدْرِ فاعليته ودرجة حاكميته بالنسبة لغيره من أفكار وأسس ومطالب.

إن عادل حسين رحمه الله: كان قد تربى في حزب مصر الفتاة الذي خرج من عباءة الثقافة الإسلامية في موقفه الوطني السياسي. ثم بعد انتهاء الحرب انتمى عادل إلى التيار الاشتراكي، ثم عدل عن الصيغة العلمانية.

ومحمد عمارة: الأزهري القُح، الذي تربى داخل مؤسسة الأزهر، ثم جَذبه التيار الاشتراكي، ثم استعاد موقفه: بعمقٍ إسلامي أكثرَ، وبجدَّةٍ تراها في كتاباته المعروضة هنا في الكتاب الذي أُقدِّم له.

وأنا: بتربيتي ونشأتي الدينية، وباتصالي -الذي لم ينفصل أبداً- بالفقه الإسلامي وعلم أصول الفقه، وبالثقافة الإسلامية في الأدب والفكر الصوفي، في عز اقترابي من العلمانية الاشتراكية، وبغير ارتباطٍ بتنظيم أو جماعةٍ محَدَّدَةٍ.

فلما جاءنا الفكرُ الغربي بعلومه وثقافته وأسسه وتنظيماته السياسية والاجتماعية: وَقَفْنا نتشربه ونمتص نتاجه، ثم عُدنا مُحَمَّلِين بما أخذناه منه، عدنا إلى (موطننا الثقافي) كما لو أن كلٌّ منا كان في (بعثة علمية وثقافية) سافر فيها سنين ثم عاد إلى وطنه بخبراته، ومازجاً بين هذه الخبرات وبين أصل نشوئه وما تربى عليه، وصار هذا الوضعُ هو ما تحدد به هدفْ كلٍّ منا فيما تخصص فيه، حتى يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً.

****

هذه هي درجة (القرابة الفكرية) التي تربطني بمحمد عمارة، الأخ الحبيب، والصديق الصدوق، وهذا هو (المجال الفكري المشترك) الذي يجمعنا، وأنا أكتب الآن عن عملٍ يَعرِضُ لبعضِ من أفكار محمد عمارة، وأتكلم عنه بانحيازٍ فكري كامل وارتباطٍ وثيق، ليس أساسه الموقف الفكري الثقافي فقط، ولكنْ أيضاً أساسه ذكريات حميمة وارتباط عاطفي عميق، يُكَمِّلُ ذلك شعور بأواصر من المودة والمحبة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يبقينا عليها حتى آخِر العمر.

إن الدكتور محمد عمارة هو الآن (أحد أركان التجديد الصحيح) في (حركة الفكر الإسلامي المَعِيش)، هذه الحركة التي أرى عليها – من مصر، وعلى سبيل المثال – محمد عبده، ورشيد رضا، وحسن البنا، ومحمد مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وأحمد إبراهيم، وعلي الخفيف، وعبد الحليم محمود.

“عمارة” في كلْ ما كَتَبَ طوالَ حياته الفكرية النافعة إن شاء الله، لم يتقيد برأي حاكمٍ ولا سلطانٍ، ولا راعى في أخص ما كَتَبَ إلا ما يراه وَجْهَ الحق الذي يُقَدّمُ ليَنفعَ به الناس؛ لأنه كاتبٌ نَذَرَ حياته كلها للفكر الإسلامي، وهذه شهادةُ الثقاتِ من أهل جيله الذين عاصروه وتابعوه وتحققوا مما يَشْهَدُون به..

إن فكر “عمارة” يؤكد في كل حين انتفاءَ التعارض المزعوم الذي يَدَّعيه العلمانيون بين (العقل)، و(النقل)؛ باعتبار أنَّ القرآنَ – وهو المعجزة التي قدمها الإسلام – هو (معجزةٌ عقليةٌ) وليست (ماديةً)، ومن ثَمَّ، فـهي باقيةٌ ومستمرةٌ، في أثرها وشواهدها، عبر الأجيال، ولكل المسلمين، مهما اختلفت بيئاتهم الاجتماعية، وهي متجددةٌ مع ما يَحدُثُ في بيئات المسلمين من تجدد وتغير واختلاف.

الدكتور “عمارة” مع حرية الرأي كاملةً للمخالفين؛ لأنه لا يخشاها، ولأنه قادرٌ على أن يَرُدّ على الرأي الآخَر؛ كشفاً لسلبياته وبياناً لوجه الحق في الموقف الإسلامي الذي يَفْرِضُهُ.

إنه حُرٌّ يدعو للحرية؛ لأنه قوي، ويؤيد الحريةَ الكاملةَ؛ لأنه يؤمن بقدرة الفكر الإسلامي على أن يسودَ بما يستجيبُ له مِن حاجات مُعْتَنِقِيه، وَفْقاً لِمَا بَلَغه مِن معرفةٍ بهذا الشأن.

وبهذا الدفاع عن الحرية: يُؤكِّدُ سلميةَ الدعوة الإسلامية الصحيحة، وأنها تَعُمُّ وتزدهر بإعمال العقل والتجاوب مع واقع الحياة المعيش، وتَكْسِبُ – عن غيرها- قدرتها الإيمانية على تحريك القلوب بنور اليقين، فيكتمل لها تصديقُ القلوبِ مع صحةِ إعمالِ العقول، بحفظ الدين وسياسة أمور الحياة الدنيا.

كما يؤكد على أن التعاملَ مع ثقافة الغُزاة يكون بالدعوة، فلا خشية على الإسلامِ من فكر العلمانيين الحداثيين؛ لأنه يُدْرِكُ كيف يُبَيِّنُ لهم وجوة الخطأ في فكرهم وحلولهم لواقعهم المعيش. يَذْكُرُ ذلك؛ لأنه دارسٌ لفكرهم ولمحركاتهم الذهنية، ويدرك كيف يمكن التعامل الثقافي معها.

 الدكتور “عمارة” هو مِن خير مَن جمعَ – في زماننا المعيش – بين (المحافظةِ على أصول الدين)، و(التفريع عليها في قضايا المجتمع ومسائله المثارة)، مع الربط بين (المرجعية الإسلامية) وبين (الفكر السياسي الاجتماعي المطروح)؛ ففِكرُ الدكتور “عمارة ” هو ثمرةُ اللقاء بين المحافظين والمجددين في الفكر الإسلامي، إذ عَرَفْنا في أول القرن العشرين نوعاً من الفصام بين هذين الاتجاهين، ثم ما لَبِثَ مع النصف الثاني من القرن العشرين ذاته أنْ تلاشى على أيدي الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي ومَن ماثلهم، ونلحظُ ثمرةَ هذا اللقاء الحميد في المُنتَجات الفكرية التي تَجد الدكتور عمارة من أبرز ممثليها ومحققيها.

 الدكتور “عمارة” ليس مجرد كاتبٍ أو مفكرٍ، إنه فرد، ولكنه قامَ بعملٍ فيه من الضخامة ما لا يضاهيه إلا عملُ المؤسساتِ والمراكز البحثية (التي تعمل بالعديد من الباحثين والعلماء، وتعمل على مدى يتجاوز جهد البشر الأفراد، ويمتد عبر أجيال)؛ تحقيقاً للتراث الحديث، وجمعاً للمادة البحثية، وإضافةً إليها، وربطاً بين جهود التحقيق والتجميع والإضافة والابتكار الأصيل المُسْتَنِدِ إلى أصوله المرجعية، إنه عملُ مؤسساتٍ وهيئاتٍ، وليس مجردَ عملِ أفرادٍ، قَدَّره الله سبحانه وتعالى.

لقد بارك الله له في عمله؛ لأنه أخلصَ فيه وفي التفرغ له، ولِمَا اتَّصَفَ به مِن مسلَكٍ أخلاقي مَكَّنه من العزوف عن مغريات الحياة، والتفرغِ – كلِّ التفرغ – للعمل الجادِّ وَحْدَه، ولأدائه على نحو رسالي لا يَبْغِي إلا الحق ورضاءَ الله سبحانه. هي نشأةٌ أزهريةٌ، وتربيةُ دينية.

بارك الله في هذا الجهد النافع للأمة وللدين وللوطن وللجماعة السياسية.. والحمد لله.


(*) من مقدمة المستشار طارق البشري لكتاب: المشروع الفكري للدكتور محمد عمارة – تأليف: يحيى رضا جاد، من إصدارات دار “مفكرون الدولية للنشر والتوزيع”، ط1، 2018م، اخترنا لها هذا العنوان المناسب. رحم الله الأخوين الكريمين والمفكرين الكبيرين (عمارة والبشري) برحمته الواسعة، وجمع بينهما في جنات النعيم، وألحقنا بهما غير مفتونين.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.