أزمة الفكر لا تعني انسداد الأفق

بقلم: أ.د. فتحي حسن ملكاوي(*)

لا يزال بعض المسلمين وبعض العاملين للإسلام من: العلماء، والفقهاء، وأتباع الفرق، وأبناء التنظيمات، والأحزاب… يتساءلون: هل الفكر الإسلامي في أزمة؟!

ومن المسائل التي يتجادلون في أمرها:

1.تحديد معنى الفكر الإسلامي، وعلاقته بالإسلام في نصوصه ومقاصده، والمسلمين: أمة وشعوباً ومجتمعات، وبالتراث الإسلامي، وبالعلوم الإسلامية، …

2.انتساب الفكر الإسلامي إلى العصر وجواز الحديث عن فكر إسلامي معاصر

3.التمييز بين الفكر الإسلامي والعمل الإسلامي

4.التيارات الفكرية الإسلامية المعاصرة

4.التيارات الفكرية غير الإسلامية في العالم المعاصر

5.موقع الفكر الإسلامي من الواقع المعاصر للمسلمين وواقع العالَم المعاصر

6.حصيلة تجارب الإصلاح الفكري في العالم المعاصر

وإذا كانت هذه المسائل السبع موضوعات للجدل، فإن من المتوقع أن تكون ذروة الجدل في تصور الحلول الإسلامية للتعامل مع هذه المسائل في الواقع المعاصر.

وربّما تكون أزمة الأزمات عندما يصل المتسائلون إلى أنَّ ثمة أزمة في كلِّ قضيَّة من هذه القضايا، ثم يكون ذلك سبباً في:

-الشعور بانسداد الأفق،

-والإحباط، واليأس

-والانسحاب من السعي،

-وانتظار المعجزات!

ومع كلّ ذلك نجد بعضهم من ينكر أنَّ الفكر الإسلامي المعاصر في أزمة!!!

ولعلّ التفكُّر في هذه المسائل في هذا الوقت بالذات تستدعيه حالة العالَم المعاصر، حيث أصبح للاستهتار بالقيم الإنسانية، وكرامة الإنسان، قياداتٌ ومؤسساتُ وجماهير؛ ولا نرى في حالة المجتمعات الإسلامية ما يعرض الصورة المشرقة للإسلام، ولا تمارس هذه المجتمعات من الأساليب المناسبة لحمايته والدفاع عنه؛ ويتضخم فيه الحديث عن جماعات تصف نفسها بالإسلام وهي ترتكب أشد الجرائم في حقِّ المسلمين؛ وتتسابق فيه دول ومؤسسات في إلحاق الشبهات بأية مؤسسات إسلامية تمارس العمل الخيري أو الفكري أو التعليمي أو السياسي، في السقوف المتاحة لها، في مجتمعات العالَم المختلفة، سواء أكانت أكثرية أبناء هذه المجتمعات من المسلمين، أم كان المسلمون فيها أقليات، تحاول أن تمارس حقوقها، ضمن ما تسمح به القوانين.

في مثل هذا الوقت تشتدُّ الحاجة إلى حديث يتَّصف بالصدق والهدوء والإيجابية والجرأة، والتأكيد على أنَّ كثرة الأزمات وتعقدها يمكن أن يرفع همَّة المفكرين في معالجة حالات الإحباط، وبثِّ روح الأمل، ورؤية الباب المفتوح في نهاية النفق.

ومن المؤكَّد أنَّ المسائل المشار إليها ليست مستقلة عن بعضها بعضاً، مما يقتضي النظر في كلٍّ منها مع كامل الوعي بوجود المسائل الأخرى، لأنَّنا في نهاية المطاف نسعى إلى تحقيق هدف واحد هو الخروج من الأزمة بعناصرها كافَّة. فكأنَّنا إزاء رجل يمشي في طريقه نحو بستانه ليقطف ثماره التي حان موعد قطافها، وواجه عصابة من قطاع الطرق سألوه فأخبرهم بهدفه، فأنشبوا في ثيابه وجسمه مجموعة من الكلاليب المتصلة بأوتاد عميقة في الأرض، لا يستطيع الخلاص إلا بمعالجة كلٍّ منها على انفراد محتفظاً بطاقته اللازمة لمعالجة الكلاليب الأخرى.

ونحن في هذا المقام سوف ننظر في كلِّ مسألة من هذه المسائل بإيجاز شديد، فثمَّة بحوثٌ وكتابات تفصيلية في كلٍّ منها.

المسألة الأولى: تحديد معنى الفكر الإسلامي المعاصر، وبيان علاقته بالإسلام: نصوصاً ومقاصد، وبالتراث الإسلامي: تاريخاً وظروفاً، وبالعلوم الإسلامية: واقعاً وتجديداً، وبالمسلمين: أمةً ومجتمعاتٍ وتنظيمات.

وطالما كَتَبَ الكُتَّاب وبيَّن الباحثون وأكَّد المفكرون أنَّ الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام في نصوصه ومقاصده الكبرى ذات الصلة الوثيقة بهذه النصوص، وإنَّما هو نتيجة تفكير الإنسان الذي أنتج هذا الفكر، فهو اجتهاد عقل ذلك الإنسان، وفهمُه للنصوص المرجعية في الإسلام، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية، وما تهديه إليه هذه النصوص في الزمان والمكان الذي يكون فيه. وما يقود إليه فهمُه واجتهادُه هذا يكون فيه الصواب والخطأ، وتبقى للنصوص مرجعيَّتُها المبرَّأة مما يقع فيه المتعاملون معها من نقص وقصور. وسوف يكون اجتهاد المجتهدين في فهم النصوص متفاوتاً بقدر ما يعطي المجتهد من قدر لهذه النصوص؛ فقد شهدنا من بين من عُرفوا في دوائر الفكر الإسلامي من تعاملوا مع النصوص من داخلها فاتفقوا واختلفوا، ويعذر بعضهم بعضاً، ومن تعاملوا مع النصوص من خارجها، فقدموا فكراً أقرب إلى نفي الإيمان بالنصوص، ومِنْ هؤلاء مثلاً من أعطوا للنصوص قيمة تاريخية، لا علاقة لها إلا بعصرها، ومَنْ أوّلوا النصوص لقبول مناهج في التفكير لا صلة لها بلغة النصوص وسياقاتها ومقاصدها.

والذي يعنينا في هذا المقام هو الفكر الإسلامي الذي انتجه علماء ومفكرون وناشطون في التوجيه الإسلامي والدعوة إلى الإسلام، وتطبيقه في حياة المسلمين، ممَّا يعدّ مدارس فكرية متقاربة في الفهم الكلي للإسلام، مع اختلافات في قضايا جزئية لا يُستنكر فيها الاختلاف. وقد تكون بعض هذه الاجتهادات استجابة لظروف محددة في واقع المجتمع، أو انعكاساً لحالة المجتهد وظروفه واهتماماته الفكرية، أو تفضيلاته النفسية وتجربته الشخصية. وفي مثل هذه الحالات، ليس ثمَّة يمنع من وجود هذا التنوُّع في الفكر الإسلامي في المجتمع الواحد، حيث تتكامل في تلبية حاجات أبناء المجتمع، فلا تتناقض. فالتوجُّهات الفكرية الإسلامية في العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وحديث… أمر مهم للراغبين في تعلّمها ومناقشة قضاياها، والتوجُّهات الفكرية الإسلامية في الفرق الصوفية أمرٌ مهمّ للراغبين في التزكية الفردية، والتوجهات الفكرية الإسلامية التي تتناول قضايا الفكر الإنساني ودوائره وفلسفاته وتياراته، لها دورها في التوعية والتثقيف، وهكذا؛ كلُّ ذلك سيكون مفيداً شريطة توفُّر القناعة بأهميَّة قبول الاختلاف، وسيادة روح التعاون، وإعمال مبدأ التكامل.

ومع ذلك يبقى الإشكال في الحديث عن الفكر الإسلامي حين يتناول قضيَّة الأمَّة والمجتمع، ويتمثَّل في تنظيمات وحركات وأحزاب، تتَّخذ من المواقف ما يمتد أثره على الجميع. وعندها لا بد من التفصيل في هذا النوع من الفكر، وبيان ما له ضرورة، وما قد يشكله من معوقات. وفي هذا المجال لا بدّ من النظر فيما يمكن تمييزه من تيارات تلتقي في حمل الفكر الإسلامي، ولكنَّها تختلف في الرؤى والوسائل، وربما تتناقض، ويعطِّل بعضها جهود بعضها الآخر؛ الأمر الذي يحتِّم علينا النظر في مواصفات التيار الفكري الإسلامي المنشود الذي لا يكون قادراً على التعامل مع أزمات الفكر الإسلامي المعاصر فحسب، وإنما يكون قادراً على الإسهام في الخروج من هذه الأزمات.

إنَّ التيار الفكري الإسلامي الذي يتناول قضية الأمة والمجتمع، ويتبنّى رؤية محددة لإصلاح واقع الأمة، ويتخذ من المواقف ما قد يعطي صورة كلية عن الإسلام لفئات المسلمين، وغير المسلمين ، يلزم أن يكون شأناً عاماً مفتوحاً للنقد والتوجيه والترشيد، وليس تنظيماً مغلقاً على أتباعه، فانفتاح التيار يسمح بتوسيع دائرة الوعي بقضاياه، والاستفادة من الخبرات والتجارب، وتأكيد الانتماء الواسع للأمة، والتخلص من الحزبية الفكرية الضيقة، والتعامل مع حالة المجتمعات الإسلامية، وحالة الأمة، وحالة الواقع في العالم المعاصر بما يتيحه هذا الواقع من فرص وما يمثله من تحديات.

التيار الفكري الإسلامي المرشّح لإصلاح الواقع المعاصر للأمة، لا يقدَّم رؤيته على أنَّها الإسلام في نصوصه، وإنَّما يقدمها بوصفها اجتهاداً معاصراً في فهم هذه النصوص، وفهم الواقع المعاصر، وتنزيل فهمه لهذه النصوص على هذا الواقع. ويعذر هذا التيار من يخالفه في هذه الرؤية، ويجادله -عندما تلزم المجادلة- بالتي هي أحسن، سعياً لتحديد المساحة المشتركة، للتعاون فيها، وإبقاء مساحات الاختلاف ميداناً للتنافس الشريف في مجالات العمل المتخصص؛ سعياً للتكامل في نتائج الأعمال.

التيار الفكري الإسلامي المعاصر ينهل من العلوم الإسلامية جميعها، ويستفتي أهل الاختصاص فيما يلزم الاجتهاد فيه من القضايا، ويكيّف فهمه للقضية بعد فهم حقيقتها وما يحْتفُّ بها. صحيح أنّ ميدان العلوم الإسلامية في الفقه والأصول والتفسير والحديث والعقائد هي ميادين علم وتعليم، لكنَّ هذه العلوم لا تقتصر على التراث الذي خلفته الأمة عبر تاريخها، فكان استجابة لما واجهته من تنزيل الهدي الإلهي والتوجيه النبوي على الظروف والملابسات، التي صاحبت ذلك التاريخ، وإنَّما هي كذلك، اجتهادٌ وتجديد في هذه العلوم، للتعامل مع طبائع العصر ووقائعه، مع الاستئناس بالتراث وما يمثله من تجربة. فلا مجال لإهمال جهود علماء الأمة والتنكُّر لماضيها، ولا مجال لحبس العقل المسلم في حدود ذلك التراث. فالتجديد في الفكر الإسلامي هو الذي يعطي للتراث قيمته، ويكشف عما هو “فكر شرعي” في ثوابت الدين ومقاصده، وما هو “تاريخ فكري” حكَمَتْه العوامل التي أنتجته من ظروف الزمان والمكان وحالة الإنسان.

إنّ النظر المنهجي في الحقل المعرفي الإسلامي يقتضي التمييز بين العلم بوصفه اشتغالاً معرفياً على الجزئيات والوقائع ضمن مجالات الطبيعة والمجتمع والإنسان، والتفكر الذي يلح القرآن الكريم في طلبه، بوصفه نشاطاً عقلياً تأصيلياً وتركيبياً- يتوجّه إلى بحث الأصول الكلية الناظمة للمعرفة. فالعلم يتحرك داخل أطر منهجية إجرائية تهدف إلى الوصف والتفسير والتنبؤ والتطبيق، وتبقى نتائجه في كثير من مجالاته نسبيةً ومتغيرةً بتغير المعطيات. أمّا الفكر الناتج عن عملية التفكر فيشتغل على مستوى المبادئ والمقاصد والرؤية الكلية، ويقوم بوظيفة نقدية وتقويمية تضبط مناهج المعرفة، وتحدّد أفقها القيمي والمقاصدي، من خلال وصل العقل بالوحي، وربط الفهم العلمي بسياقه الأخلاقي والحضاري. وهذا لا يعنى أنَّ هذا الفكر يتّصف بالوحدة والثبات، فقد أكدنا من قبل أنَّه جهد بشري يلحقه الاختلاف والصواب والخطأ.

والمهم هنا ألّا يُنظر إلى الفكر الإسلامي بوصفه بديلاً عن العلوم الإسلامية، أو منافساً لها، بل باعتباره الإطار الأصولي الذي يمنح الممارسة العلمية مشروعيتها ومعناها، ويحول دون تحوّلها إلى معرفة تقنية معزولة عن مقاصد الشريعة وسنن العمران الإنساني، ومن هنا تأتي القيمة المركزية الكامنة في منهجية التفكير وصلتها بالرؤية الكلية اللازمة في بناء المعرفة الإسلامية، قبل الفكر نفسه.

وهكذا فإن الفكر الإسلامي التي يتبنّاه التيار الفكري الإسلامي المعاصر، هو نشاط عقلي تأملي تركيبي يستمد مرجعيته من قيم الوحي ومقاصده، في بناء رؤية كلية للإنسان والكون والحياة، ويتولى مسؤولية توجيه العلم والمعرفة ضمن أفق أخلاقي حضاري. وبهذا يصبح الفكر الإسلامي إطاراً كليّا يقوم بالتنظيم والتوجيه، ميدانه الكليات لا الجزئيات، ويهتم بالمنهج قبل النتائج، ويجمع بين الوحي مصدراً والعقل وسيلة، وبين القيم حارساً والواقع موضوعاً، ووظيفته النقد والتقويم والترشيد؛ نقد المناهج والافتراضات الثاوية خلف النظريات العلمية المختلفة، وترشيد التطبيقات العملية لضمان انسجامها مع المقاصد الأخلاقية والمنافع الحقيقية.

الفكر الإسلامي المعاصر هو المعوَّل عليه في تقديم رؤية حضارية، متميزة عما يمكن لأي فكر آخر أن يقدمه، من حيث كرامة الإنسان وقيمة الحياة، ومن حيث التوظيف الرشيد لأشياء هذا العالَم وإمكانياته في تحقيق الاستخلاف والعمران. ومن أبرز ما يدعو إليه الفكر الإسلامي المعاصر هو بناء المجتمعات الإسلامية لتكون هذه المجتمعات الصورة المشرقة التي تجسد الرؤية الحضارية للإسلام، فيما يشهده الناس في الواقع من كرامة الإنسان، وقيمة الحياة، وأخلاقيات الحضارة، في أبعادها المادية وتجلياتها المعنوية، في الحرية والعدل وسائر القيم الإنسانية العليا. وحينها يمكن لكثير من الناس أن يدركوا أنَّ رسالة الإسلام هي حقاً رحمةٌ للعالمين.

وحين نستطرد في الحديث عن العلاقة بين الفكر والعلم، فإنما نشير إلى الحرج الذي يعبر عنه المسلمين، وبعض دعاة الإسلام، من مصطلح الفكر الإسلامي، حين يرون مصطلح الفكر دخيلاً على الفهم الإسلامي، ويرونه مصطلحاً منافساً لمصطلحات الدين والعلم والفقه، ويستشهدون بما لهذه المصطلحات من توظيف في التراث الإسلامي، وندرة استعمال مصطلح الفكر في هذا التراث. مثل هذا الحرج لا بد أن يرتفع لو تأملنا حضور الفكر موضوعاً ومنهجاً في القرآن الكريم، وتدبّرنا الدعوة القرآنية الملحة لممارسة عملية “التفكُّر” التي لا تعني في اللغة مجرد مرور الذهن والتفكير اللحظي، الذي قد يكون عملية عقلية مجردة، وقد يتّصف بالسطحية، وإنَّما تعني مجموعة دلالات تفيدها صيغة “التفَعُّل”، التي وردت في القرآن الكريم، فزيادة حرف التاء تعطي معاني: التكرار والتعمق، في أمر مهم ومطلوب، وإعمال العقل والقلب للوصول إلى أعماق الحقائق ذات الصلة بموضوعه، وعلينا أن نلاحظ موقعَ “الشدَّة” في كلمة التفكُّر، التي تفيد المبالغة، والتكثير، والتدرج، مما يشير إلى أنَّ التفكُّر ليس مجرد نظرة عابرة، بل هو عملية عقلية عميقة ومستمرة، وتأمُّلٌ دقيق في عجائب خلق الله ومصنوعاته. ويلاحظ أنّ الإشارة إلى الفكر في القرآن الكريم لم ترد إلا بصيغة بالفعل يتفكرون، تتفكرون، تتفكروا…، في جميع المواقع الثمانية عشرة في القرآن الكريم منها سبعة عشرة موقعاً جاء اللفظ فيها بصيغة الفعل المضارع، الذي يدل على الحال والمآل، على الحاضر والمستقبل، والزمن الحالي المستمر، مما يؤكد الدلالة على الاستمرار والتجدُّد.

ثم إنَّ السياقات التي ورد فيها فِعْل التفكُّر كانت تجمع بين التفكُّر في آيات كتاب الله المسطور بما فيها من عقائد وشرائع وأخبار وأخلاق، وعلى آيات كتاب الله المنظور في عوالم الطبيعة والنفس والمجتمع، بهدف اكتشاف الحقائق والطبائع والوقائع، وتوظيفها في مصالح الحياة ووسائلها، من أجل تحقيق مهمة الاستخلاف والعمران. فالأمة التي لا تتفكَّرُ في عالَم الطبيعة بأشيائه وظواهره وطاقاته، ولا تتفكَّرُ في عالَم المجتمع البشري بأحداثه وحضاراته ومنجزاته، ولا تتفكَّرُ في عالَم النفس الإنسانية بمشاعرها من رضا وغضب، وحب وكره، وآمال ومخاوف، وفرح وحزن… إذا لم تتفكَّرْ في هذه العوالم، فكيف يمكنها أن تنتج العلوم الطبيعية، والاجتماعية والإنسانية، وتطبيقاتها في وضع الأنظمة والقوانين العادلة والتقدم والبناء الحضاري؟! وحتى تتحقق نتيجة التفكُّر في الآيات المسطورة والمنظورة، بما تقدمه من علم وفقه وفكر، فلا بد أن يتمّ التفكُّر على المنهجية التي تقود إلى صواب العلم، وحقيقة الفقه، ونافع الفكر.

ولا شكَّ في أنَّ التربية الفكرية، لا تقلُّ أهميَّة عن التربية الروحيَّة والأخلاقيَّة، فضعف التربية الفكريَّة كان سبباً مباشراً في وقوع بعض الانحرافات الكبرى في ملكة الفهم والإدراك، في أمور الدين على وجه الخصوص، فغابت بسبب هذه الانحرافات أُخُوَّة المؤمنين، وحرية الرأي التي تضمن الوحدة الفكرية بينهم، وغاب التنافس في العلوم لامتلاك أسباب القوة والتقدم الحضاري.

ويزداد الحرج عند هؤلاء عندما يجدون لفظ “المعاصر” وصفاً للفكر الإسلامي، ويتصورون أنَّ المعاصرة تُفقِد الإسلام، ومن ثم الفكر الإسلامي -إن قبلنا بهذا التعبير- وصفَه الإسلامي، الذي لا يحتاج إلى أيّ وصف آخر. ولا شك في أنَّ بعض التراث الإسلامي يكشف عن فكر إسلامي ساد بعض مراحل التاريخ الإسلامي، وقبِل صوراً من الممارسات السياسية والاجتماعية التي كانت تتناقض مع مقاصد الإسلام، لا يمكن للإسلام اليوم أن يقبل بكثير منها. فالفكر الإسلامي المعاصر ليس إعادة إنتاج للفكر الإسلامي الذي عرفنا ممارساته في العهد الأموي أو العباسي أو غيره من العهود اللاحقة.

إنَّ التراث الإسلامي يشهد أنَّ عهد بني أمية، تمايز فيه فكر “إسلامي” يعطي الشرعية لخلفاء لا يملكون رشد الخلفاء الراشدين، ولذلك لم يوصف بالرشد من خلفاء بني أمية غير واحد منهم، جعله التراث الإسلامي خامس الخلفاء الراشدين. وفي الوقت نفسه، كان في عهد الأمويين فكر “إسلامي” آخر يرفض ممارسات هؤلاء الخلفاء. وربَّما كان التفاوت بين أنواع من الفكر في العهد العباسي أكثر مما كان في العهد السابق عليه. لذلك فإن الفكر الإسلامي المعاصر ليس صورة من تاريخ المسلمين وتراثهم، وإنما يستمد عناصره وخصائصه ووظائفه من نصوص الإسلام ومقاصده كما نجتهد اليوم في فهمها وتنزيلها على واقعنا المعاصر. ويبقى الفكر الإسلامي في العصر الأموي -مثلاً- موضوعاً تاريخياً للدراسة والتقويم واستلهام الدروس.

وثمة مشكلة حقيقية لا بد للتيار الفكري الإسلامي المعاصر أن يتصدى لها بالبيان اللازم، وهي أن حالة المسلمين في الواقع المعاصر ربما تعكس صورة الإسلام لدى مَن لم يعرف الإسلام على حقيقته من أبناء المسلمين، ومن غيرهم من الأمم والشعوب الأخرى. فواقع المسلمين المتخلف ليس هو الإسلام، ولم يكن الإسلام سبباً لهذا الواقع المتخلف، وحتى التاريخ المشرق لحالة الأمة المسلمة في بعض مراحل تاريخها، لم يكن بالضرورة هو الإسلام، فالإسلام قيم ومثل ومبادئ، يترقى إليها من يؤمن بها بالقدر الذي يتيسر له، فتشرق حياة الأمة بهذا الترقي، ويبقى الإسلام أكثر إشراقاً وأعلى قدراً.

وللبحث بقية.


(*) دكتوراه في التربية العلمية وفلسفة العلوم، تربوي وأستاذ جامعي أردني، مستشار في المعهد العالمي للفكر الإسلامي. البريد الإلكتروني: fathihmalkawi@gmail.com

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.