بقلم أ.د. فؤاد البنا(*)

تهدف العولمة كما نراها تتحقق في الواقع منذ عقود إلى إزالة سائر الموانع التي تحول دون تغريب العالم وفق النسخة الأمريكية، رغم أنوف الجميع، سواء كانت قوانين أو أفكارا أو أعرافاً أو قرارات، ويدرك منظرو العولمة التي تهدف إلى أمركة العالم أن الإسلام وحده هو وحده من يملك ثقافة الاستعصاء على العولمة بمعناها التغريبي، وأن المسلمين أكثر من يملكون جيوبا تقاوم تيارات التتبيع والأمركة السلبية، نتيجة ما يمتلك الإسلام من خصائص ومقومات القوة الذاتية.
أولا: خصائص الإسلام:
تنبع القوة الذاتية لهذا الدين من جملة من الخصائص التي يتفوق بها على سائر الملل والنحل، وأهمها:
١- مصدره الرباني الذي يجعله متسما بالكمال والتوازن والعدل، والذي يحفظه من التحريف والتعديل ومحاولات التذويب.
٢- اتسام تعاليمه بالشمولية العابرة لكافة شؤون الحياة، بما يكفل له تنظيم ميادين الحياة جميعها وضمان تحقيق السعادة لمعتنقيه بمعناها المادي والروحي.
٣- فطريته التي تجعله ملبيا لحاجات الإنسان كافة، سواء كانت حاجات القبضة الترابية أو متطلبات النفخة الروحية، وبما يضمن له الجمع بين وجهي المثالية والواقعية والمواءمة بين المادة والروح ثم بين الدنيا والآخرة.
٤- جعله لحقوق الإنسان محور أبرز المقاصد العبادية والتشريعية: دينا وعقلا ونفسا وعرضا ومالا، فلا لاهوتية في الإسلام وإنما دين تنزل من الغني عن عبادة العالمين إلى الفقراء لهداية خالقهم، بغرض إسعاد البشر في معاشهم ومعادهم، وبغرض تحريرهم من كافة العبوديات ومنحهم العدل بمعناه الشمولي العريض.
٥- جمعه المتسق بين الثوابت التي تحقق وحدة المسلمين وبين المتغيرات التي تجسد حريتهم، وبما يجمع في تنظيم حياتهم بين العقل والنقل ويمزج بين الثبات والتطور أو الأصالة والمعاصرة.
ثانيا: دور رمضان في مقاومة قطار العولمة:
ومن هنا ندلف إلى معرفة دور الصيام في المحافظة على هوية الأمة الإسلامية من التذويب والمسخ والذي يسعى له الغرب تحت مسميات شتى وأبرزها العولمة والإبراهيمية.
وباقتضاب بالغ فإن هذا الأمر يتضح من خلال النقاط الآتية:
١- مقاومة رمضان لتذويب الحدود الثقافية بين الحضارات؛ من خلال إظهار تميز الأمة الإسلامية عن غيرها، وهذا الشهر واحد من أهم معالم منظومة التميز والاستقلال الإسلامي التي تظهر بمنتهى البهاء على مستوى العالم!
٢- مقاومة ثقافة الاستهلاك والنهم الشهواني الذي هو معلم من معالم العولمة الاقتصادية التي تغذيها الشركات العابرة للقارات والمصابة بسعار الربح وجنون المراكمة للأموال، ويقاوم رمضان هذا الأمر عبر ساعات الصيام الطويلة، وعزوف الناس عن تناول كثير من السلع الاستهلاكية المعتادة، وللأسف فإن عدم التزام كثير من المسلمين بمقاصد الصيام كما ينبغي يقلل من فوائد هذا الشهر، سواء في هذه النقطة أو في غيرها!
٣- إيجاد الإنسان الذي تنبع حريته من داخله، وذلك باستعصائه على العبوديات كافة وعدم انسياقه مع ثقافة القطيع، مهما كانت وسائل الإغراء وأساليب الإغواء، والصيام عن سائر المأكولات والمشروبات وأمور أخرى دورة عملية مهمة في هذا الإطار، بل وتستمر طيلة شهر في كل عام، وهي مدة كافية لمن يريد الانعتاق من أسر الشهوات والعوائد القاهرة !
٤- إعادة الاعتبار للنفخة الروحية التي استحق بها الآدميون تكريم الله لهم بجعلهم الكائن الغائي في هذا الوجود، لدرجة أن الملائكة نفسها تخدمهم في مجالات وميادين عديدة، وما يقتضي ذلك من إعلاء كل ما هو إنساني على ما هو بشري (الأشواق الروحية على الشهوات الطينية).
ولأن العولمة تذكي روح الشهوات وتعلي من شأن المادة فإن الصيام والصلاة والصدقة والذكر وقراءة القرآن كلها تسهم في مقاومة الجموح العولمي الذي يجتاح في طريقه الكثير من القيم والأعراف والعوائد!
٥- الثورة على الرتابة التي تجعل الناس أشياء أو آلات في ماكينة الاقتصاد العالمي الذي يتحكم به قوارين الغرب، فرمضان يقلب نمط الحياة رأسا على عقب من أول ليلة، ويساعد المسلم إن أراد على كسر القوالب الجامدة والتمرد على الأنماط التي تأسره وتجعله أشبه بجزء من آلة تفتقد للإرادة ولا تستطيع منح السعادة المأمولة للبشر.
٦- قدرته الهائلة على ترميم فاعلية الكائن المسلم ومعالجته من الفتوق والآفات التي تجعله جزءا من الغثاء الذي يغري الآخرين بالتحكم به، والهيمنة على سلطات بلاده، والاستئثار بخيرات أرضه.
ولو تعامل المسلمون مع الشهر كما ينبغي، لكان الفارق كبيرا جدا بين ما هو كائن في هذا المضمار وبين ما ينبغي أن يكون، مما يستدعي ممن يهمه أمر الأمة بذل جهود جبارة لإبراز مقاصد رمضان، والعناية بتدبر القرآن عموما وخاصة في هذا الشهر الكريم!
(*) أكاديمي ومفكر إسلامي يمني، والمقال ملخص ورقة ألقيتها في ندوة أقامتها جمعية معاذ بالقاعة الكبرى لجامعة الجند في مدينة تعز.


