ميزان المصالح والمفاسد في الصراع الدولي: قراءة شرعية مقاصدية في الحرب الصهيوأمريكية وإيران

بقلم/ د. وصفي عاشور أبو زيد(*)

في عالمٍ تتشابك فيه المصالح الدولية، وتتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ والهيمنة، لم تعد الحروب مجرد مواجهات عسكرية محدودة، بل غدت أحداثًا كاشفةً عن خرائط النفوذ، وموازين القوة، ومآلات المستقبل السياسي للأمم، ومن بين هذه الصراعات المعاصرة برزت المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإيرانية من جهة أخرى، بوصفها واحدةً من أكثر بؤر التوتر تأثيرًا في المنطقة العربية والإسلامية.

فليست هذه المواجهة وليدة اللحظة، ولا هي مجرد خلافٍ سطحي في ملفاتٍ دبلوماسية أو برامج عسكرية، بل هي نتاج عقودٍ من التنافس الجيوسياسي، والصراع على النفوذ الإقليمي، والتحكم في ممرات الطاقة، وتشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وقد اتخذ هذا الصراع خلال السنوات الأخيرة طابعًا أكثر حدة، بعدما تحولت ساحاته إلى حروب بالوكالة في عدد من البلدان العربية، وتزايدت العمليات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين الأطراف المتنازعة.

غير أن قراءة هذه الحرب لا يمكن أن تُختزل في ثنائيةٍ بسيطةٍ بين طرفٍ خيرٍ وطرفٍ شرير؛ فواقع السياسة الدولية أكثر تعقيدًا من هذه الصور المبسطة، كما أن النظر الشرعي المقاصدي يقتضي الاحتكام إلى ميزانٍ دقيق وعميق، هو ميزان المصالح والمفاسد الذي يعدّ أحد أهم الأدوات المنهجية في فقه السياسة الشرعية.

فالشريعة الإسلامية لم تُبنَ على مجرد المواقف العاطفية أو الانتصارات الرمزية، بل قامت على تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، كما قرر ذلك أئمة المقاصد، وعلى رأسهم الإمام الشاطبي الذي قرر أن: “وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا “([1]).

ومن هنا تبرز أهمية النظر المقاصدي في قراءة الصراعات الدولية؛ إذ قد يجد المسلم نفسه أمام واقعٍ معقّدٍ تتزاحم فيه المفاسد، وتتنازع فيه القوى الكبرى على حساب شعوب المنطقة، فيحتاج إلى ميزانٍ يميّز به بين المواقف، ويقدّر به العواقب، ويختار فيه أخفَّ الضررين وأقلَّ المفاسد، ويحقق أعظم المصالح، ويفرق بين ميزان الولاء والبراء في العقيدة، وبين تقدير المصالح والمفاسد.

وفي هذا السياق تبرز قضية الحرب الصهيوأمريكية مع إيران مثالًا حيًّا على ضرورة استحضار هذا الميزان؛ إذ تتداخل فيها مشاعر الغضب المشروعة لدى كثيرٍ من الشعوب العربية التي عانت من تدخلات إيران وسياساتها في المنطقة، مع المخاوف الأكبر من أن يفضي انتصار المشروع الصهيوأمريكي إلى هيمنةٍ أوسع على العالم العربي والإسلامي.

ومن هنا تأتي هذه القراءة التي تحاول أن تتناول هذه الحرب من زاوية الموازنة بين المصالح والمفاسد، لا من زاوية الانحيازات العاطفية، ولا من موقع التبرير لأي طرف، بل من منطلق النظر الشرعي الذي يسعى إلى فهم الواقع بوعي، وتقدير العواقب بميزان الحكمة، تحقيقًا لقاعدة الإسلام الكبرى: جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها ما أمكن، وهو ما قرره الإمام ابن تيمية من أنه “لا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا “([2]).

سجلّ إيران في العالم العربي خلال العقدين الماضيين

حين يُذكر الصراع القائم اليوم بين المشروع الصهيوأمريكي من جهة، والجمهورية الإيرانية من جهة أخرى، لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يُغفَل سجلّ إيران في العالم العربي خلال العقدين الماضيين؛ فإن من أكبر أسباب الاحتقان الشعبي تجاه النظام الإيراني ما ارتكبته أذرعُه العسكرية والسياسية في عدد من البلدان العربية من تدخلاتٍ عميقةٍ خلّفت وراءها خرابًا واسعًا، ودماءً غزيرةً، وانقساماتٍ اجتماعيةً ما تزال آثارها قائمةً إلى اليوم، ولن تختفي في الفترة القادمة.

لقد دخلت إيران إلى المشهد العربي عبر شعاراتٍ براقةٍ تتحدث عن مقاومة إسرائيل ونصرة المستضعفين، غير أن الواقع الذي تكشّف في كثيرٍ من الساحات كان مختلفًا في نتائجه وآثاره؛ إذ تحولت تلك التدخلات إلى مشاريع نفوذٍ سياسي وعسكري تمدّدت في مفاصل دولٍ عربيةٍ عديدة، مستندةً إلى تشكيلاتٍ مسلحةٍ أو جماعاتٍ مواليةٍ لها، مما أدّى إلى إضعاف الدولة الوطنية، وإشعال صراعاتٍ داخليةٍ قاسية.

ففي العراق، ومنذ سقوط بغداد سنة 2003، تمدد النفوذ الإيراني في البنية السياسية والعسكرية، وأصبحت جماعاتٌ مسلحةٌ مرتبطة بطهران جزءًا من المشهد الأمني والسياسي، وقد أدى هذا الواقع إلى تصاعد التوتر الطائفي، وسقوط آلاف الضحايا في موجات القتل التي عصفت بالبلاد لسنوات طويلة، حتى غدت الساحة العراقية أحد أبرز ميادين النفوذ الإيراني في المنطقة.

أما سوريا، فقد كانت المسرح الأشد مأساويةً لهذا التدخل؛ إذ وقفت إيران بكل ثقلها العسكري والمالي والسياسي إلى جانب النظام السوري منذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011، وأرسلت الحرس الثوري والميليشيات العابرة للحدود، وعلى رأٍها حزب الله، وأسهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد مساراتها، وقد خلّفت تلك الحرب واحدةً من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث؛ حيث قُتل مئات الآلاف، وشُرّد الملايين داخل البلاد وخارجها، وتحوّلت مدنٌ كاملة إلى أنقاض.

وفي اليمن، دخلت إيران على خط الصراع من خلال دعم جماعة الحوثي بالسلاح والتدريب والخبرة العسكرية، مما أسهم في تفجير حربٍ طويلةٍ أنهكت البلاد، ودفعت الملايين إلى دائرة الفقر والمجاعة، وجعلت اليمن أحد أكثر الأزمات الإنسانية إيلامًا في العالم المعاصر.

ولا يمكن قراءة هذه الوقائع إلا في إطار ما حذر منه القرآن الكريم من خطر إشعال الفتن وإفساد العمران؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]. وإلا كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: “لَزَوالُ الدنيا أَهْوَنُ على اللهِ من قَتْلِ رجلٍ مسلمٍ”([3]).

وإذا كان قتل نفسٍ واحدةٍ بهذه الخطورة، ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ﴾ [المائدة ٣٢]، فكيف بدماءٍ غزيرةٍ سالت في ساحاتٍ متعددة، وبمجتمعاتٍ كاملةٍ أصابها التمزق والانقسام والخراب؟

إن هذا الواقع المرير يفسر إلى حدٍّ كبير حالة الغضب الشعبي العارم تجاه السياسات الإيرانية في كثيرٍ من البلدان العربية، ويجعل من الطبيعي أن تتولد لدى بعض الشعوب المتضررة مشاعر حادة تجاه النظام الإيراني وقياداته؛ فالشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة من دمائها وأمنها واستقرارها لا يمكن أن يُطلب منها أن تنسى تلك الجراح بسهولة، ولا أن تتجاوز آثارها النفسية والتاريخية بين ليلة وضحاها.

ولهذا فإن أي قراءةٍ منصفةٍ للمشهد الحالي لا بد أن تبدأ بالاعتراف بهذه الحقائق المؤلمة، وأن تدرك أن الغضب الشعبي تجاه السياسات الإيرانية ليس وليد دعايةٍ إعلامية، بل هو نتيجة تجربةٍ تاريخيةٍ عاشتها شعوبٌ كاملةٌ بكل ما فيها من آلامٍ ومآسٍ.

غير أن الاعتراف بهذه الجراح لا يعني التوقف عندها، ولا يجعلها وحدها معيار الحكم على كل ما يجري في المنطقة؛ فالعقل المقاصدي الذي علّمنا إياه الإسلام لا يكتفي بتوصيف الألم، بل ينتقل بعد ذلك إلى النظر الأوسع الذي يوازن بين المصالح والمفاسد، ويقدّر مآلات الصراعات الكبرى، ويبحث عن أقلّ الطرق ضررًا على الأمة ومستقبلها.

لماذا تفرح بعض الشعوب المتضررة بما يصيب النظام الإيراني؟

إذا انتقلنا من توصيف الوقائع إلى فهم ردود الأفعال الشعبية تجاهها، فإننا نجد ظاهرةً واضحةً في عدد من البلدان العربية التي عانت من التدخلات الإيرانية خلال العقدين الماضيين، وهي حالة الفرح أو الشماتة التي يُبديها بعض الناس عند سماع أخبارٍ تتعلق بضرباتٍ موجَّهةٍ إلى إيران أو بقياداتها العسكرية والسياسية، وهذه الظاهرة لا يمكن فهمها إلا إذا وُضعت في سياقها الإنساني والتاريخي؛ فالمشاعر البشرية بطبيعتها تتأثر بالتجارب القاسية، وتتشكل وفق ما يمر به الإنسان من آلامٍ وخسائر.

فالشعوب التي رأت مدنها تُدمَّر، وبيوتها تُهدَم، وأبناءها يُقتلون أو يُشرَّدون، لا يمكن أن يُطلب منها أن تتعامل مع هذه الأحداث ببرودٍ عاطفيٍ كامل، أو أن تفصل فورًا بين الجرح الذي عاشته وبين الأخبار التي تتعلق بالجهة التي تراها مسؤولةً عن هذا الجرح. ومن هنا فإن فرح السوريين أو العراقيين أو اليمنيين بما يصيب النظام الإيراني يمكن أن يُفهم من زاويةٍ إنسانيةٍ خالصة؛ إذ هو في كثيرٍ من الأحيان تعبيرٌ عن ألمٍ طويلٍ مكبوت، أو عن شعورٍ بالانتصاف الرمزي بعد سنواتٍ من المعاناة.

وهذا المعنى ليس غريبًا عن الطبيعة البشرية التي وصفها القرآنُ الكريم حين تحدث عن تفاعل الإنسان مع الظلم والعدوان، فقال تعالى:﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]. فقد أباح الله للمظلوم أن يعبّر عن مظلمته، وأن يُظهر ما في نفسه من ألمٍ بسبب ما وقع عليه من ظلم.

وجوب توسيع أفق النظر إلى مصلحة الأمة العامة

غير أن الإسلام – في الوقت نفسه – لا يترك الإنسان أسيرًا لردود الفعل العاطفية وحدها، بل يوجّهه إلى أفقٍ أوسع يتجاوز الانفعال اللحظي إلى النظر الحكيم في العواقب والمآلات،فالشرع لا يبني مواقفه الكبرى على مجرد المشاعر ولو كانت محقةً، وإنما يُقيمها على ميزانٍ أدقّ هو ميزان المصالح والمفاسد الذي يزن الوقائع بميزان المآل والنتيجة، لا بميزان اللحظة المتلبسة بالآلام المحقة وحدها.

ومن هنا تظهرُ الحاجة الملحّة إلى توسيع أفق النظر من الجرح المحلي الخاص إلى المصلحة العامة للأمة بأسرها؛ فالصراعات الدولية لا تتحرك وفق مشاعر الشعوب وحدها، بل وفق حسابات القوة والنفوذ والمصالح الاستراتيجية، وقد يجد الإنسان نفسه – في بعض الأحيان – أمام واقعٍ تتزاحم فيه المفاسدُ، بحيث لا يكون الخيار بين خيرٍ وشر، بل بين شرين، فيُطلب منه أن يختار أخفهما وأقلَّهما ضررًا، أو بين خيرين فيطلب منه أن يختار أكبرهما وأعظمهما فائدة

وهذا هو جوهر الفقه السياسي في الإسلام؛ فقد قرر العلماء أن من قواعد الشريعة الكبرى ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض. وقد عبّر الإمام ابن تيمية عن هذا المعنى بقوله:” السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها … وذلك ثابت في العقل؛ كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين”([4]).

ولهذا فإن ردود الفعل العاطفية – مهما كانت مفهومةً ومشروعةً من زاوية التجربة الإنسانية – لا ينبغي أن تتحول إلى معيارٍ نهائي في تقدير المواقف الكبرى؛ لأن الأمة قد تدفع ثمنًا باهظًا إذا اتخذت قراراتها الاستراتيجية بناءً على لحظة غضبٍ أو شعورٍ بالانتقام، دون أن تنظر في مآلات الأحداث ومساراتها البعيدة.

إن الجرح المحلي – مهما كان عميقًا – يظل جزءًا من صورةٍ أكبر، هي صورة الصراع الدولي الذي تتنافس فيه القوى الكبرى على السيطرة على المنطقة، وقد يفرح إنسانٌ اليوم بضربةٍ تُوجَّه إلى خصمٍ يراه سببًا في مأساته، لكنه قد يكتشف لاحقًا أن تلك الضربة كانت خطوةً في مشروعٍ أوسع يهدد أمن المنطقة كلها، ويزيد من تبعيتها للقوى الخارجية.

ومن هنا فإن الواجب الشرعي والفكري يقتضي الجمع بين أمرين متلازمين: تفهُّم مشاعر الشعوب التي عانت من الظلم، والتضامن معها، وعدم المزايدة عليها في آلامها وجراحها، وفي الوقت نفسه الدعوة إلى النظر المقاصدي الواسع الذي يضع مصلحة الأمة الكبرى فوق ردود الفعل اللحظية؛ فالأمة التي تريد أن تحفظ مستقبلها لا بد أن تتعلم كيف توازن بين الألم الذي عاشته، والمآلات التي قد تنتج عن الصراعات الجارية حولها.

ولعل هذا ما يمهّد للانتقال إلى الحديث عن الميزان الشرعي الذي يمكن أن يُقرأ من خلاله هذا الصراع قراءةً أعمق، وهو ميزان المصالح والمفاسد في الفقه الإسلامي؛ ذلك الميزان الذي يشكّل أحد أعمدة التفكير المقاصدي في فهم الوقائع السياسية وتقدير نتائجها.

ميزان المصالح والمفاسد في الفقه الإسلامي: تأصيل القاعدة المقاصدية

من أعظم ما امتازت به الشريعة الإسلامية أنها لم تأتِ بأحكامٍ معزولةٍ عن واقع الحياة وتعقيداتها، بل جاءت بمنهجٍ متكاملٍ ينظر إلى الوقائع بعين الحكمة، ويراعي تداخل المصالح والمفاسد في حياة الناس. ولذلك قرر علماء الإسلام أن الشريعة كلها قائمة على تحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهو المعنى الذي عبّر عنه أئمة الإسلام حين قرروا أن الشريعة إنما وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد في معاش الناس ومعادهم.

ولما كانت الحياة لا تخلو من تزاحم المصالح وتعارض المفاسد، قرر الفقهاء قواعد عظيمة تهدي العقل المسلم في تقدير المواقف واختيار المسارات، ومن أهمها قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ لأن دفع الشر أولى من تحصيل النفع عند التعارض، وقد دلّ على هذا المعنى نصوص كثيرة من القرآن والسنة، من أبلغها قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، فقد قرر القرآن هنا مبدأ الموازنة بين المنافع والمضار، وحكم بالتحريم؛ لأن المفسدة كانت أعظم من المصلحة.

ومن القواعد الكبرى المتفرعة عن هذا الأصل قاعدة اختيار أخف الضررين؛ فإذا لم يمكن دفع الضررين معًا، كان الواجب تقليل الشر بقدر الإمكان، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، أي ابذلوا ما تستطيعون من دفع الشرور وتقليلها بحسب القدرة.

كما يتفرع عن ذلك مبدأ تحمّل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وهو من قواعد السياسة الشرعية التي استعملها العلماء في معالجة الأزمات العامة التي تتعلق بأمن الأمة واستقرارها. ومن الشواهد العملية على هذا المنهج ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ ترك إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم رغم رغبته في ذلك، مراعاةً لمفسدةٍ أعظم هي اضطراب قلوب قريش حديثي العهد بالإسلام، فقال لعائشة رضي الله عنها: “لَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَديثُو عَهْدٍ بجاهِلِيَّةٍ، أوْ قالَ: بكُفْرٍ، لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الكَعْبَةِ في سَبيلِ اللهِ، ولَجَعَلْتُ بابَها بالأرْضِ، ولأَدْخَلْتُ فيها مِنَ الحِجْرِ”([5]).

فهنا قدّم النبي ﷺ دفع المفسدة الاجتماعية على تحقيق المصلحة العمرانية، وهو تطبيق عمليّ لقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

وهكذا يتبين أن هذه القواعد ليست مجردَ تنظيراتٍ فقهيةٍ مجردة، بل هي أدواتٌ منهجية لفهم الواقع والتعامل مع تعقيداته، خصوصًا في مجال السياسة الشرعية والعلاقات الدولية؛ حيث تتداخل المصالح الكبرى، وتتزاحم المفاسد، ويحتاج العقل المسلم إلى ميزانٍ دقيق يزن به الأحداث ويقدّر به المآلات.

ومن هنا فإن قراءة الصراعات الدولية – ومنها الصراع الدائر اليوم بين المشروع الصهيوأمريكي وإيران – لا بد أن تتم في ضوء هذا الميزان المقاصدي الذي يوازن بين النتائج المتوقعة، ويبحث عن الخيار الأقل ضررًا على الأمة.

تطبيق ميزان المصالح والمفاسد على الحرب الصهيوأمريكية مع إيران

إذا انتقلنا من التأصيل النظري إلى قراءة الواقع المعاصر، فإن الحرب أو المواجهة المتصاعدة بين المشروع الصهيوأمريكي وإيران تضع الأمة أمام سؤالٍ شديد الحساسية: أي السيناريوهين أقل ضررًا على الأمة الإسلامية، وأيهما أعظم مصلحة؟

فلا شكَّ أن سجلَّ إيران في العالم العربي – كما تقدم – يحمل صفحاتٍ مؤلمةً من التدخلات والصراعات التي أضرت ضررًا باهظًا بعددٍ من البلدان العربية، وهو ما يجعل كثيرًا من الشعوب المتضررة تتمنى إضعاف هذا النفوذ أو زواله، غير أن ميزان المصالح والمفاسد يقتضي ألا يُنظر إلى المسألة من زاوية الجرح المحلي وحده، بل من زاوية المآلات الاستراتيجية للصراع في المنطقة.

فإذا كان إضعاف إيران قد يحقق لبعض الشعوب شعورًا بالانتصاف أو الخلاص من نفوذٍ مؤلم، وهو مُحقّ، فإن انتصار المشروع الصهيوأمريكي الكامل قد يفتح الباب أمام مرحلةٍ أخطر بكثير؛ مرحلة الهيمنة الصريحة على المنطقة العربية والإسلامية، وإعادة تشكيلها سياسيًّا وأمنيًّا بما يخدم المصالح الغربية والصهيونية على المدى الطويل.

إن الكيان الصهيوني – المدعوم بالقوة العسكرية الأمريكية الهائلة – لا يخفي مشروعه في الهيمنة الإقليمية، ولا يخفي طموحه في إعادة رسم خريطة المنطقة بما يضمن تفوقه العسكري والسياسي لعقود طويلة، وإذا تحقق له ذلك دون وجود قوة إقليمية موازنة، فإن ميزان القوى في المنطقة سيختل اختلالًا عميقًا، وقد تجد الدول العربية نفسها أمام واقعٍ جديدٍ من التبعية الكاملة.

وقد كشف الصراع الحالي كذلك عن حقيقةٍ أخرى تتعلق ببنية النظام الإقليمي العربي؛ إذ ظهر قدرٌ واضح من العجز عن التأثير في مجريات الأحداث، رغم الإمكانات الاقتصادية الضخمة التي تمتلكها بعض دول المنطقة، ويرجع ذلك – في جانبٍ منه – إلى البنية الأمنية المعتمدة على القواعد العسكرية الأجنبية، والتي تجعل القرار الاستراتيجي في كثيرٍ من الأحيان مرتبطًا بالمظلة العسكرية الأمريكية.

ومن هنا فإن قراءة هذا الصراع في ضوء ميزان المصالح والمفاسد قد تقود إلى نتيجةٍ مفادها أن الهيمنة الصهيوأمريكية الكاملة على المنطقة قد تكون مفسدتها أكبر بكثير من بقاء إيران قوةً إقليميةً محدودة النفوذ؛ لأن الأولى قد تفضي إلى إخضاع المنطقة كلها لمعادلة القوة الإسرائيلية الأمريكية، بينما يظل الثاني – رغم مخاطره – جزءًا من توازنات إقليمية يمكن التعامل معها بوسائل متعددة.

وهنا لا بد من التأكيد على أن هذا التحليل لا يعني تسويغ سياسات إيران الإجرامية أو الدفاع عنها، بل يعني فقط قراءة الواقع بميزانٍ مقاصديٍّ يوازن بين النتائج الكبرى للصراعات، ويبحث عن الطريق الذي يقلل المفاسد على الأمة عامةً قدر الإمكان.

فالشريعة لا تطلب من المسلمين أن ينحازوا عاطفيًّا لأي قوةٍ في الصراعات الدولية، بل تطلب منهم أن ينظروا بعين الحكمة إلى المآلات، وأن يسعوا إلى تقليل الشرور ما استطاعوا، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

ومن هنا يظهر أن ميزان المصالح والمفاسد لا يقف عند حدود الحكم الأخلاقي على الأطراف، بل يتجاوز ذلك إلى تقدير العواقب المستقبلية، وهو ما يمهّد للحديث عن قضيةٍ شديدة الأهمية، وهي ضرورة التفريق بين مسائل العقيدة – كالولاء والبراء – وبين تقدير المصالح السياسية في الواقع الدولي، وهو ما سننتقل إليه في العنصر التالي.

ما كشفت عنه الحرب من هشاشة النظام الإقليمي العربي

ومن الدروس الكبرى التي كشفتها هذه المواجهة المتصاعدة بين المشروع الصهيوأمريكي وإيران أنها أظهرت – بوضوحٍ لا لبس فيه – مقدار الهشاشة التي يعاني منها النظام الإقليمي العربي، رغم ما تملكه بعض دوله من إمكانات مالية هائلة، وقدرات اقتصادية ضخمة، وموقع جغرافي استراتيجي بالغ الأهمية؛ فقد بدت المنطقة – في لحظة اختبارٍ حقيقي – عاجزةً عن التأثير الفاعل في مسار الأحداث، مكتفيةً في كثيرٍ من الأحيان بدور المتفرج على صراعٍ تدور معاركه في فضائها الجغرافي، وتنعكس نتائجه مباشرةً على أمنها ومستقبلها.

وهذا الواقع لا يمكن تفسيره فقط بضعف الإرادة السياسية أو تباين المواقف بين الدول، بل يرتبط – في جانبٍ كبيرٍ منه – بالبنية الأمنية التي تشكلت في المنطقة خلال العقود الماضية، حيث قامت منظومات الدفاع في عدد من الدول العربية على الاعتماد الواسع على المظلة العسكرية الأمريكية، وعلى انتشار القواعد الأجنبية التي تمسك بمفاصل الأمن الاستراتيجي في تلك البلدان.

إن وجود القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة – سواء أكانت بريةً أم بحريةً أم جويةً – يعني في كثيرٍ من الأحيان أن القرار العسكري النهائي ليس بيد الدولة المضيفة وحدها، بل يرتبط بشبكةٍ معقدةٍ من التحالفات والالتزامات والقيود التي تحدّ من قدرة هذه الدول على اتخاذ قرارات مستقلة في القضايا الكبرى؛ ولذلك فإن كثيرًا من الأحداث الإقليمية الكبرى تتحرك وفق حسابات القوى الدولية أكثر مما تتحرك وفق إرادة المنطقة نفسها.

وقد كان من آثار هذا الواقع أن بدت المنطقة – في لحظة المواجهة الكبرى – كأنها ساحةٌ تتقاطع فيها مصالح الآخرين أكثر مما هي فاعلٌ مستقل في رسم مصيرها؛ فالقوى الكبرى تتصارع، والمشاريع الدولية تتنافس، بينما تقف دول المنطقة في موقعٍ يتأرجح بين التبعية والاحتواء.

ولا شك أن هذا الوضع يحمل في طياته مخاطر بعيدة المدى؛ لأن الأمة التي لا تمتلك قدرًا معقولًا من الاستقلال الاستراتيجي تصبح عرضةً لأن تتحول أراضيها إلى مسارح لصراعات الآخرين، وأن يُعاد تشكيل مستقبلها وفق إرادة القوى الخارجية، وهذا ما يجعل من الضروري إعادة التفكير في بنية الأمن الإقليمي العربي، بحيث تقوم على قدرٍ أكبر من التعاون والاستقلال والقدرة الذاتية.

غير أن إدراك هذه الحقيقة لا ينبغي أن يقود إلى ردود أفعالٍ انفعاليةٍ غير محسوبة، بل إلى وعيٍ استراتيجي طويل المدى يدرك طبيعة موازين القوى في العالم، ويسعى إلى بناء قدرٍ من التوازن يحفظ للأمة أمنها وقرارها.

وهنا تتجلى مرةً أخرى أهميةُ ميزان المصالح والمفاسد في قراءة هذه التحولات؛ إذ إن الفقه المقاصدي لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يدعو إلى التعامل معه بوعيٍ يوازن بين الممكن والمأمول، وبين الواقع القائم والغاية المنشودة.

التفريق بين العقيدة والسياسة الشرعية في تقدير المصالح

ومع كل ما تقدم من تحليلٍ لموازين القوى ومآلات الصراعات، يبقى من الضروري التنبيه إلى مسألةٍ دقيقةٍ كثيرًا ما يقع فيها الخلط عند الحديث عن الصراعات الدولية، وهي مسألة التفريق بين العقيدة وبين تقدير المصالح السياسية.

وحنى لا يُفهم هذا الكلام خطأ بأنه فصل بين العقيدة ومجالات الحياة بما يجعل هذا القول بوابة إلى العلمانية، أبادر فأقول: إن كل مجالات الحياة منبثقة عن تشريع رباني، وهذا التشريع هو فرع العقيدة، فالعقيدة جذره والإيمان أصله، وبهذا الجذر نفارق في مناحي حياتنا ومجالاتها كلَّ المناهج والأفكار والنظريات الغربية والشرقية، لكن الأمر هنا على مستوى الإجراء والوسائل لا غير.

فالإسلام يقرر في باب العقيدة مبدأ الولاء والبراء الذي يقوم على محبة المؤمنين ونصرتهم، والبراءة من الظلم والعدوان، وهو أصلٌ عقديٌّ ثابت لا يتغير بتغير الأزمنة والظروف، غير أن تنزيل هذا الأصل في الواقع السياسي لا يتم دائمًا بطريقةٍ مباشرةٍ أو عاطفية، بل يخضع في كثيرٍ من الأحيان لميزان المصالح والمفاسد الذي يراعي مآلات الأفعال ونتائجها.

وقد دلّ القرآن الكريم نفسه على هذا المعنى في قصةٍ تاريخيةٍ شهيرةٍ وردت في مطلع سورة الروم، حين وقعت الحرب بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية؛ فقد انتصر الفرس – وهم آنذاك مجوس – على الروم الذين كانوا أهل كتاب، فحزن المسلمون لذلك، وفرح المشركون؛ لأن الفرس أقرب إليهم في العقيدة من الروم.

فنزل قول الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ • فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ • فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ • بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: 2–5].

وقد فرح المسلمون بعودة انتصار الروم على الفرس، مع أن كلا الطرفين غير مسلم؛ لأن الروم كانوا أقرب إلى المسلمين من جهة العقيدة، ولأن موازين الصراع آنذاك كانت تجعل انتصارهم أقل ضررًا على المسلمين من انتصار الفرس.

وهذا المثال القرآني يكشف بوضوح أن الشريعة لا تحصر النظر في مجرد الانتماء العقدي، بل تنظر أيضًا في مآلات الصراع ونتائجه وموازينه؛ فالمؤمن قد يفرح أحيانًا بانتصار طرفٍ غير مسلم إذا كان في ذلك تقليلٌ للشر أو دفعٌ لمفسدةٍ أعظم.

ومن هنا يتبين أن التفريق بين مستوى العقيدة و مستوى السياسة الشرعية أمرٌ ضروري لفهم الواقع المعاصر. فالعقيدة ثابتة لا تتغير، أما تقدير المصالح السياسية فهو مجالٌ للاجتهاد والنظر في المآلات، وقد يختلف فيه التقدير بحسب الظروف والنتائج المتوقعة.

وهذا التفريق الدقيق هو الذي يمنع المسلم من الوقوع في أحد طرفين متقابلين: إما الانحياز العاطفي الأعمى الذي يختزل الصراعات المعقدة في شعارات بسيطة، وإما التنازل عن الثوابت العقدية بحجة الواقعية السياسية، ومن تجليات ذلك اتهام المسلمين بعضهم بعضا، فمن يشمت في إيران – وهذا حقه – يتهمه الآخر بأنه “متصهين”، ومن يدعو إلى الوقوف ضد الصهيوأمريكية دون تأييد إيران فيما فعلت يتهمه الآخرون بأنه “متأيرن”!!

أما المنهج الإسلامي الرشيد فيجمع بين الأمرين: ثبات العقيدة، وحكمة النظر في المصالح والمفاسد، بحيث يسعى المسلم إلى تقليل الشرور ما استطاع، وتحقيق الخير للأمة بقدر ما تسمح به موازين الواقع.

وهذا هو المعنى الذي يلخصه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
أي اعملوا بما تستطيعون من تحقيق الخير ودفع الشر في حدود القدرة والإمكان.

وبهذا الميزان المتوازن يمكن للأمة أن تقرأ صراعات العالم قراءةً واعية، لا تنخدع بالشعارات، ولا تنساق وراء الانفعالات، بل تمضي في طريقٍ يجمع بين ثبات المبدأ، وبصيرة الحكمة، وحسن تقدير المآلات.

خاتمة: نحو وعيٍ مقاصدي في قراءة الصراعات الدولية

وبعد هذا العرض الذي حاول أن يقرأ بعض ملامح الصراع الدائر في المنطقة بميزان الشريعة ومقاصدها، يتبين لنا أن أخطر ما يهدد وعي الأمة في زمن الاضطراب ليس فقط قوة الخصوم، بل الاضطراب في قراءة الواقع نفسه؛ إذ إنَّ كثيرًا ما تُختزل الصراعات المعقدة في شعاراتٍ حادة، أو تُفسَّر بمنطق العاطفة المجردة، في حين أن فقه الإسلام يدعونا إلى نظرٍ أعمق وأبصر، يزن الوقائع بميزان المصالح والمفاسد، ويقدّر النتائج قبل أن يندفع وراء التلبس بالآلام المحقة.

لقد علمتنا الشريعة أن العالم ليس ميدانًا للصراعات الأخلاقية البسيطة التي ينقسم فيها الناس إلى خيرٍ مطلق وشرٍ مطلق، بل هو ميدانٌ تتداخل فيه القوى والمصالح، وتتزاحم فيه المفاسد، ويُطلب من العقل المسلم أن يسعى – قدر استطاعته – إلى تقليل الشرور وتكثير الخيرات، وفق ما تسمح به موازين الواقع.

ومن هنا فإن القراءة المقاصدية للصراعات الدولية لا تعني تسويغ الظلم، ولا تعني الانحياز إلى طرفٍ على حساب الحق، وإنما تعني التمييز بين المواقف العقدية الثابتة، وبين التقدير السياسي المتغير الذي يخضع لموازين القوة ومآلات الأحداث؛ فالعقيدة تبقى ثابتةً في نصرة العدل والحق ورفض الظلم والعدوان، أما تقدير المواقف السياسية فيبقى مجالًا للاجتهاد والنظر في المصالح العامة للأمة.

وفي ضوء هذا الفهم، يصبح واجبًا على المثقف المسلم – بل على كل صاحب رأيٍ وتأثير – أن يحرص على ترسيخ هذا الوعي المقاصدي في قراءة الأحداث؛ حتى لا تتحول آلامُ الشعوب وجراحها إلى وقودٍ لصراعاتٍ أوسع قد تزيد من معاناة الأمة بدل أن تخففها، فالألم محق، والغضب مفهوم، لكن بناء المواقف الكبرى لا يكون بالغضب والتشفي وحده، بل بالحكمة التي تزن العواقب وتبصر بالمآلات.

إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى هذا النوع من الوعي؛ وعيٍ يجمع بين صدق الانتماء لقضاياها الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين، وبين البصيرة السياسية التي تدرك طبيعة الصراعات الدولية ومآلاتها، فليس كلُّ من رفع شعار العداء لإسرائيل صادقًا في نصرة الأمة، وليس كل من دخل في صراعٍ مع قوةٍ إقليميةٍ أو دوليةٍ يعمل بالضرورة لصالح شعوب المنطقة.

ولهذا فإن ميزان المصالح والمفاسد يظل أحد أهم الأدوات التي تحفظ للعقل المسلم توازنه في زمن الاضطراب؛ لأنه يذكّره دائمًا بأن الغاية ليست الانتصار العاطفي ولو كان محقًّا، بل تقليل الخسائر على الأمة وحفظ مستقبلها قدر الإمكان.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الأمم التي تفقد قدرتها على قراءة موازين القوة في العالم كثيرًا ما تتحول إلى ساحاتٍ لصراعات الآخرين، أما الأمم التي تجمع بين ثبات المبدأ وحكمة التقدير فإنها – مهما اشتدت عليها الأزماتُ – تبقى قادرةً على حماية وجودها وبناء مستقبلها.

ولهذا فإن الطريق إلى نهضة الأمة لا يمر فقط عبر القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل يمر كذلك عبر نهضةٍ في الوعي؛ وعيٍ يُعيد الاعتبار لفقه المقاصد، ويجعل من ميزان المصالح والمفاسد أداةً لفهم العالم، لا مجرد قاعدةٍ فقهيةٍ في بطون الكتب.

وعندئذٍ فقط يمكن للأمة أن تتعامل مع صراعات العصر بعينٍ ثابتةٍ على مبادئها، وبصيرةٍ نافذةٍ في تقدير مآلاتها، فتسير في عالمٍ مضطربٍ وهي أكثر قدرةً على حفظ نفسها، وتقليل الشر عنها، وفتح أبواب الخير أمام أجيالها القادمة.


(*) أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة، ورئيس المركز.

([1]) الموافقات للإمام الشاطبي: 2/ 9.  تحقيق مشهور آل سلمان، دار ابن القيم – دار ابن عفان. 1424هـ / 2003م.

([2]) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 23/343. مجمع الملك فهد، 1416هـ/1995م.

([3]) رواه النسائي (3987) والترمذي (1395)، بسندهما عن عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني في غاية المرام (٤٣٩).

 ([4]) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 20/ 54.

([5]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١٣٣٣) بسنده عن عائشة رضي الله عنها.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.