فتوى حول التعامل مع المحتلين والمعتدين

بقلم أ.د. أحمد الريسوني(*)

منذ أزيد من مائة عام يتعرض الشعب الفلسطيني لحروب احتلالٍ وتقتيل وتهجير وغصب وسلب لأراضيه وممتلكاته.

 فمنَ الاحتلال البريطاني، إلى استقدام جحافلَ من يهود العالم وتوطينهم بأرض فلسطين، إلى تشكيل العصابات الصهيونية وما قامت به من جرائم إرهابية، ومن إبادة لكثير من القرى والبلدات الفلسطينية..، إلى نكبة عام 1948 وما صاحبها من مجازر، لأجل التمكن من إقامة “دولة إسرائيل”. وهو الكيان الذي يواصل حملات التقتيل والتنكيل والتهجير حتى الآن، لإفراغ أرض فلسطين من أهلها، وذلك بدعم تام وصريح، من الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية استعمارية أخرى، ومن الحركة الصهيونية العالمية، بشقيها المسيحي واليهودي..

وقد قامت دول عربية وإسلامية ببعض المبادرات والمحاولات، لنصرة الشعب الفلسطيني ونجدته، في مواجهة ما يتعرض له من محن ونكبات، ولكن تلك المبادرات والمحاولات ظلت ضعيفة ومتخاذلة، بسبب ضعف تلك الدول، أو تبعيتها وخضوعها للدول الاستعمارية، المحتضنة للكيان الصهيوني.

وأما الشعوب العربية والإسلامية، فهي متعاطفة متضامنة بقلوبها مع الشعب الفلسطيني الشقيق، ولا تألوا جهدا في التعبير عن ذلك وترجمته إلى أشكال من التأييد والمساندة، ولكنها تجد نفسها مكبلة مغلوبةً على أمرها، مقموعةً في تحركاتها.

وخلال العقود الأخيرة، انـجَـرَّت معظم الدول العربية – واحدةً بعد الأخرى – نحو الاعتراف بدولة الاحتلال والعدوان، والدخول معها فيما سمى باتفاقيات السلام، ثم بعدها في “اتفاقية أبراهام” للتطبيع والاندماج والاستسلام..

ولكن الشعوب – رغم ذلك – تظل وفية لمقتضيات الأخُوة الإسلامية ومبادئ الحق والعدل، متطلعة دوما إلى أي فرصة تتاح لها لتقديم ما يتيسر من الدعم والنصرة..

في هذه السياقات المشار إليها، يأتي هذا (البيان الشرعي) لحكم التعامل مع دولة الاحتلال والعدوان وشركائها والداعمين لها.. وهو بيان مبني على جملة من مبادئ الشرع ونصوصه القرآنية والنبوية، ومنها:

أولا: التعامل مع العدو على أساس عداوته

 فمن ثبتتْ عداوته وكراهيته وكيده للإسلام والمسلمين، لا بد من التعامل معه على هذا الأساس. فبهذا أخبرنا الله تعالى، وبهذا أمرنا، فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].

وهذا يقتضي اليقظة والحذر من الأعداء، ومن دسائسهم ومكايدهم وحبائلهم {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168].

فنحن لا نبادر أحدا بالمعاداة أو العدوان، ولكن من ثبتت عداوته لنا وعدوانيته علينا، فمنَ السذاجة والبلاهة أن نغفل عن عداوته، ونثق في مخادعاته.

ويأتي اليهود في طليعة من يكنُّون العداوة للإسلام والمسلمين، كما أخبر الباري سبحانه بقوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]..

ولكنَّ عداوة اليهود لنا لا تمنعنا من إنصافهم والإحسان في معاملتهم والتعايش معهم، ما لم يعتدوا. فأما من ظلمونا وبغَوا علينا، فلا بد من مواجهتهم ومعاقبتهم وردعهم، كما قال تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، 9].

فالعداوة متى تحولت إلى أي شكل من أشكال العدوان، وجبت مواجهتها وردعُ أصحابها. ومتى كفُّوا عنا شرهم وأذاهم، عدنا إلى البر والقسط وحسن المعاملة لهم، ولكن مع دوام اليقظة والحذر.

ثانيا: مساعدة المعتدين لا تجوز بأي وجه من الوجوه

وهذا مبدأ قطعي آخر من مبادئ الشرع، كما أنه من بدَهيات العقول والأخلاق، عند عامة العقلاء والفضلاء. وهو صريحُ قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

ففي الآية أمر واحد جامع، هو وجوب التعاون على أعمال البر والخير، ونهيٌ واحد جامع، يمنع كل تعاون على الإثم والعدوان، وهو موضوعنا.

ومضمون هذه الآية مبثوث في نصوص قرآنية وحديثية عديدة، كما في قوله تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17]. والظهير هو النصير والمعين.

قال العلامة محمد المكي الناصري: “وقد استنبط أهل العلم رضي الله عنهم من هذه الآية توجيها أخلاقيا دقيقا، ألا وهو: وجوب البعد عن مناصرة الظلمة والفسقة، وعدمُ إعانتهم على ظلمهم وفسقهم بالمرة…”[1].

فلا يجوز لمسلم أن يعين أحدا من الظالمين والمفسدين في الأرض. وكل من أعان ظالما، سواء بنفسه وأفعاله، أو بكلامه، أو بماله، فهو ظالم وشريك في الظلم، وكل من أعان آثما، فهو آثم معه وشريك له.

وفد نقل ابن الجوزي أن الإمام أحمد بن حنبل لما سجن، في محنته الشهيرة، جاءه السجان فقال له: يا أبا عبد الله، الحديثُ الذي رُويَ في الظَّلَمة وأعوانهم صحيحٌ؟ قال: نعم. قال السجان: فهل أنا من أعوانِ الظَّلَمة؟ قال أحمد: أعوان الظَّلَمة من يأخذ شَعرك، ويغسل ثَوبك، ويُصلح طعامك، ويَبيع ويشترى منك، فأما أنتَ فمِن أنفُسِهم”[2]، أي: من صميمهم.

والأحاديث الواردة في التحذير من عواقب الظالمين وأعوانهم متعددة..

ومنها ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن بَشَّران[3] قال: “أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، ثنا محمد بن أحمد الواسطي، ثنا الهيثم بن جميل، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا سفيان الثوري، قال: أراد ابن هبيرة[4] أن يستعمل منصور بن المعتمر[5] على القضاء، فقال: ما كنتُ لألـيَ لك، بعدما حدثني إبراهيم. قال: وما حدَّثك إبراهيم؟ قال: عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا كان يومُ القيامة نادى مناد: أين الظلمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة، حتى من برى لهم قلما، أو لاق لهم دواة، فيُجمَعون في تابوت من حديد، ثم يرمى بهم في جهنم”[6].

         ومقصود الشرع في هذا الباب، هو تشديد الحساسية لدى المسلمين، ضد الظالمين والمعتدين والمفسدين، وتشديد النفور منهم والتباعد عنهم، والترهيب من مساعدتهم بأي شكل.

ثالثا: المؤمنون إخوة وأمة واحدة

         وهذا المعنى مقرر ومكرر في القرآن الكريم والسنة النبوية، كقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

وفي الصحيحين وغيرهما، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة).

والحديث أورده الإمام البخاري تحت عنوان (باب نصر المظلوم)، وهو في صحيح الإمام مسلم تحت عنوان (باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم).

وفي الباب أحاديث أخرى كقوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا»، وقوله: (مَثَل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

وكلها تفيد أن المسلمين لا يجوز لهم أن يكونوا محايدين أو لامبالين، تجاه ما يصيب إخوانهم من ظلم واعتداء واحتلال. بل لا يجوز لهم أن يكونوا محايدين أو لامبالين حتى تجاه الظلم والعدوان الذي يقع على غير المسلمين، فالمسلم دوما يقف مع الحق وأهله، ويقف إلى جانب المظلومين والمستضعفين، ضد الظالمين والمعتدين.

النتيجة في حكم التعامل مع المجرمين الصهاينة

ونأتي الآن إلى بيت القصيد وزبدة القول، وهو: حكم التعامل مع “إسرائيل” ومصالحها، باعتبارها كيانا مغتصبا معتديا مجرما، على ما يعرفه الجميع، ويراه الجميع.

وبالنظر إلى المبادئ والأدلة الشرعية سالفة الذكر، نستنتج بوضوح الأحكام الآتية:

أولًا: كل معاملة مدنية، أو تجارية، أو سياسية، أو ثقافية، مع المحتلين المعتدين ومؤسساتهم، من شأنها أن تفيدهم في تقوية مكانتهم وقدراتهم الاقتصادية والعسكرية، وتثبيت احتلالهم، والتمادي في جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني، فهي مشارَكة لهم في الإثم والعدوان. ويحرم على المسلمين- أفرادا ودولا – القيامُ بها أو تسهيلها أو المساعدة عليها. ومن يدفع شيئا من ماله، في أي وجهة تخدم المحتلين والمعتدين، فهو كمن ينخرط في الحملات الصهيونية التي تجري في أمريكا تحت شعار: “ادفع دولارا تقتل عربيا”!

ثانيًا: بالإضافة إلى ما سبق، فإن البضائع “الإسرائيلية”، الصناعية والزراعية، التي يتم إنتاجها على الأراضي الفلسطينية المغصوبة، وبالمياه الفلسطينية المنهوبة، تعدُّ موادَّ مغصوبة ومسلوبة من أصحابها الشرعيين، فيحرم على من عرفها أن يشتريها أو يـتَّجر فيها. والتحريم هنا مضاعف؛ لأن البضاعة مغتصبة، من جهة، ولأن ثمنها يخدم الاحتلال والعدوان، من جهة الثانية. فمن يشتري تلك المواد، أو يروجها، فهو مشارك في ذلك كله.

ثالثًا: الشركات والمؤسسات المالية والمدنية، المعروفة بدعمها للاحتلال والاستيطان في أرض فلسطين، حكمها حكم الكيان الصهيوني الغاصب ومؤسساته، أيا كانت جنسيتها وديانة أصحابها.

رابعًا: المنتجات والخدمات التي تحوم حولها شبهات دعم الاحتلال والعدوان، دون التأكد من مواقف أصحابها، يُعمل في شأنها بقوله صلى الله عليه وسلم (دع ما يَـريبك إلى ما لا يَـريبك)، وخاصة إذا كان الاستغناء عنها ممكنا ولا ضرر فيه، أو كان لها بدائل ليس حولها شبهاتُ التأييد والدعم للاحتلال والعدوان.

خامسًا: وتستثنى من المحظورات السابقة حالات الاضطرار، مع عدم وجود بدائل صالحة. فالضرورات تبيح المحظورات، ولكن الضرورة تقدر بقدرها.

سادسًا: وفيما سوى ما تقدم ذكره، يبقى الأصل في المعاملات المدنية والخدمات والبضائع الحلال، هو الإباحة وحرية الاختيار، سواء مع المسلمين أو مع غيرهم من الأمم والملل.

تنويه وتوصية:

ختاما أجد من المفيد التنويهُ بالتجربة الريادية العالمية لحركة مقاطعة إسرائيل، المعروفة اختصارا باسم حركة BDS، وأدعو وأحُث على التنسيق والتعاون معها، والاستفادة من تجربتها؛ فهي من أنجح الأعمال في هذا الباب، والاسم الكامل للحركة هو:

(Boycott Divestment and Sanctions Movement)

ومعناه ما يلي:

المقاطعة (Boycott): الامتناع عن شراء المنتجات الإسرائيلية أو التعامل مع الشركات والمؤسسات الداعمة لإسرائيل.

سحب الاستثمارات (Divestment): دعوة الشركات والمؤسسات الاستثمارية لسحب استثماراتها من إسرائيل أو الشركات المتعاونة معها.

فرض العقوبات (Sanctions): الضغط على الحكومات لفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على إسرائيل بسبب انتهاكاتها للقانون الدولي.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل


(*) أستاذ الفقه وأصوله ومقاصد الشريعة .. الرباط في6 جمادى الآخرة ١٤٤٧ه/26 نونبر 2025م.

الهوامش:

[1] التيسير في أحاديث التفسير للناصري4/ 495

[2] مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي (ص431

[3] قال عنه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (17/ 450): “الشيخ، الإمام، المحدث، الصادق، الواعظ، المذكر، مسند العراق؛ أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران…”، ت 430ه

[4] من مشاهير أمراء عهد الدولة الأموية

[5] منصور بن المعتمر السلمي: فقيه محدث، من أهل الكوفة. ت 132ه

[6] الأمالي لابن بشران البغدادي – 2/ 132، الحديث رقم 1205

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.