إنجازات نظام الخلافة الإسلامية (2-2)

بقلم أ.د. حمدي شاهين(*)

 ذكر الأستاذ الدكتور حمدي شاهين في الجزء الأول من هذه الدراسة عددا من الإنجازات لنظام الخلافة الإسلامية، منها أنها: دولة الخلافة وحماية الدين، والخلافة ووحدة الدولة الإسلامية، والحفاظ على الأخلاق، ودولة الجهاد العادل ونشر الإسلام، ودولة عالمية، والخلافة دولة العدالة والتسامح … وفي هذا الجزء من الدراسة يستكمل هذه الإنجازات.

المحرر

دولة الخلافة دولة المساواة:  

فها هو ذا عمر بن الخطاب يمتدح أبا بكر وبلال بن رباح فيسوي بينهما في سياق واحد اعترافًا وتواضعًا، فيقول: “أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا”، وها هو ذا عبادة بن الصامت وكان أسود شديد السواد، جسيمًا فارع الطول، فيجعله عمرو بن العاص مقدم الوفد الذي أرسله إلى المقوقس لمفاوضته، فيراه فيرتاع لشدة سواده وخلقته، فيقول له عبادة: إن في جيشنا ألف أسود، هم أشد سوادًا مني!

وكان عبد الملك بن مروان يأمر المنادى أن ينادى في موسم الحج أن لا يفتى الناس إلا عطاء بن أبى رباح (ت 114هـ)، وهو إمام أهل مكة، وكان أسود أعور أفطس أشلَّ أعرج مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلا، وكان إذا جلس في حلقته العلمية بين الآلاف من تلاميذه بدا كأنه غراب أسود في حقل من القطن.. وكذا كان الزيلعي الحبشي (ت 762هـ)، أحد أكابر أئمة الحنفية، وصاحب أحد أهم كتبهم “نصب الراية لأحاديث الهداية”.

وفي السياسية قدمت دولة الخلافة منذ وقت باكر زياد بن أبيه (ت 53هـ)، وكان لقيطًا لا يعرفون له أبًا، فنال من الحظوة أن تقُدم في خلافة عمر وعلي، رضي الله عنهما، ثم حكم المشرق الإسلامي كله لمعاوية بن أبي سفيان الذي اسنلحقه، ونسبه إلى أبيه.

وأصبح يعقوب بن الليث الصفَّار (ت 265هـ) مؤسسًا لأسرة حكمت بلاد فارس وأجزاء من تركستان، ونُسبت إليه هي الأسرة الصفارية، وكان في مبتدأ أمره يعمل في ضرب الصفر وهو النحاس وبيعه، فأنهضته مواهبه.

وكان كافور الإخشيدي (ت 357هـ) حاكم مصر عبدًا حبشيًا، دميماً قبيح الشكل، مثقوب الشفة السفلي، مشوه القدمين، بطيئاً، ثقيل الحركة..

وهذا والله أفق من الرحابة الإنسانية لم تبلغه أمة من الأمم، بل ما زالت النزعات العنصرية تحكم عالمنا على المستويات السياسية والمجتمعية كما لا يخفى.

 

دولة الحرية السياسية: 

وأكد عمر t حق الأمة في اختيار خليفتها، وهو القائل: “من بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه”.                     وأدرك الخلفاء الراشدون أن اختيار الأمة لهم لا يضفي عليهم نوعًا من القداسة، أو العصمة، بل لا يعني بالضرورة أفضلية خاصة، وقد قال الصديق t في خطبته لما تولى الخلافة: “إني ولِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأطيعوني، وإن أسأت فقوموني”، وكذا قال عمر بن الخطاب t: “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”، فتأكد بذلك حق آحاد الرعية في النصح والنقد، وحق الأمة في التعددية السياسية والمعارضة. وقد تعددت الآراء في سقيفة بني ساعدة واستوعب الوعي السياسي في ذلك الوقت هذا الاختلاف، ومن يتذكر معارضة بعض الصحابة اجتهادات سياسية لعمر بن الخطاب، ثم معارضة جماعات منهم بعض سياسات عثمان بن عفان معارضة شديدة يتأكد من ذلك.

ولما أصبح الملك عضوضًا في العصر الأموي أقر الخلفاء حق الأمة في المعارضة السلمية دون المعارضة المسلحة التي تجلب الدماء وتجوز الشر، وقال معاوية: “إني لا أجول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا”، ومرويات التاريخ شاهدة بحلم معاوية على خصومه ومخالفيه. أما عنف الدولة فقد توجه إلى الثورات المسلحة في الأساس.

 

دولة الخلافة تقيم العدالة وتحترم القضاء: 

قال أبو بكر t في خطبته الأولى: “الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد إليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله”. ووجه عمر بن الخطاب رسالة إلى قاضيه شريح، يؤسس فيها لطرق تحقيق العدالة والتطبيق الصحيح للشريعة، ووقف علي بن أبي طالب أمام القاضي يخاصم رجلاً يهوديًا، ولم يكن يملك دليلاً، فحكم القاضي لليهودي، فاعترف الرجل بأن الحق لأمير المؤمنين وأسلم..

واستمرت المسيرة الرائعة للعدالة، ونزاهة القضاء، وانقياد الخلفاء والأمراء للشريعة وأحكام القضاة، ففي العصر المملوكي نجد تلك الصفحات الناصعة للعز بن عبد السلام (ت 660ه) الذي تصدى لسلاطين المماليك، حتى اضطرهم إلى شراء أننفسهم ليكونوا أحرارًا؛ فيصح حكمهم للأمة الحرة، ومتعهم من جمع ضرائب من الرعية بحجة جهاد المغول حتى أحضروا ما في بيوتهم من أموال وذخائر، فباعها، وسخر أموالها للجهاد، قبل أن يجمعوا ما يلزم من الناس.

ونجد قاضي القضاة ابن دقيق العيد (ت 702هـ) يرفض الاعتراف بشهادة الأمير منكتمر نائب السلطنة، ويعتزل القضاء، فيضطر السلطان إلى إعادته، بل قبَّل السلطان حسام الدين لاجين يد ذلك القاضي، فما زاد الشيخ على أن قال: أرجوها لك بين يدي الله.

دولة الخلافة تستهدف بسط الرعاية الاجتماعية والاقتصادية: 

وكان أبو بكر الصديق t يحلب لجواري الحي الذي يسكنه في المدينة أغنامهن، قبل توليه الخلافة وبعدها، وأوصى عمر tعماله بالتوسعة على الرعية قائلاً: “ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم، وأطعموا عيالهم، فإن تحفينكم للناس لا يحسن أخلاقهم، ولا يشبع جائعهم”، وكتب علي بن أبي طالب t لعامله على مصر – لما أرسله إليها – يأمره بالرفق بأهلها والمحبة لهم، قائلاً: “واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سَبُعا ضاريًا تغتنم اكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخَلْق… فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب ان يعطيك الله من عفوه وصفحه”.

وإن كانت تلك السياسة التي تستحضر قيم الإسلام الحقة قد تراجعت في عصور كثيرة فإن تلك النماذج من عصورها الأولى تزل موحية بما يحب أن يكون، قائدة إليه.

 

الخلافة والمنجزات الحضارية للأمة:  

وقدمت دولة الخلافة نموذجًا للتشارك بين الحكومة والشعب في تحقيق مقاصد الإسلام وآمال الأمة، فأفسحت المجال أمام المشاركة الشعبية، فكان التعليم يجري أولاً في الكتاتيب والمساجد، وهي مؤسسات شعبية، وأقامت الحكومة في مراحل تالية المدارس الكبرى والجامعات، وكانت الدولة تعين القضاة، وتمنحهم مرتباتهم المالية، وتيسر لهم أداء أعمالهم، وتوظف لهم من يعينهم على أدائها، وتنفذ أحكامهم، لكن الفقهاء هم من كانوا يضعون التشريعات دون تدخل من الحكومة، وكثير من المرابطين في الثغور كانوا متطوعين. لكن أمر الجيوش المنظمة وتسليحها ومرتبات رجالها كان من اختصاص الحكومة.

وكان خلفاء الإسلام الأولون علماء حكماء، وظل كثيرون منهم فيما بعد يحرصون على طلب العلم، ويوفرون ذلك لأبنائهم ممن سيلون الخلافة، ويقدمون لهم القدوة في احترام العلم وأهله، وفي كل عصر من عصور الخلافة يمكن إيراد جملة من الأمراء والخلفاء اشتهروا بالعلم والسياسة معًا، مثل الخلفاء الراشدون جميعًا، وجل خلفاء بني أمية، ومنهم معاوية وعبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وكثير من الخلفاء العباسيين الكبار، منهم أبو جعفر المنصور، والمهدي وهارون الرشيد والمأمون، وكثير من أمراء المرابطين والموحدين، وأمراء الأندلس، والقافلة تمتد لتضم جماعة من العثمانيين منهم محمد الفاتح وسليمان القانوني وآخرهم السلطان عبد الحميد.

وكانت مجالس الخلفاء والأمراء تغصُّ بالعلماء من كل صوب وفن، وتقدم لهم التسهيلات والجوائز، وبرز دور الدولة في بناء المؤسسات التعليمية الكبرى، فظهرت المدارس النظامية على يد الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485هـ)، وبُنيت كالجامعة المستنصرية، والمدرسة النورية، والجامع الأزهر والعديد من مساجد قرطبة واسطنبول وغيرها. وقال ابن كثير في حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة: “فيها كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد، ولم يُبنَ مدرسة قبلها مثلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيها، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث، وقارئان وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد”، إلى أن قال: “ووقفت خزائن كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسخها، وجودة الكتب الموقوفة بها”.

وانتشرت المؤسسات الأهلية كالمساجد والكتاتيب حتى عدّ ابن حوقل (ت 367هـ) ثلاثمائة كتّاب في مدينة واحدة من إمارة صقلية، وكان التعليم في مجمله عملاً أهليًا، مجانيًا متاحًا للجميع، وتكفلت الأوقاف الإسلامية الضخمة بالإنفاق على التعليم عامة، فكانت في دمشق وحدها 400 مدرسة في العصر المملوكي، تتنوع بين مدارس شرعية وعملية، وكل مدرسة تحتوي على مسجد، وقاعات للدراسة، وغرف لنوم الطلاب، ومكتبة، ومطبخ وحمام، وبعضها يحتوي على ملاعب للرياضة.

 أما المشافي فلم تقل العناية بها عن المدارس والجامعات، ففي عهد الوليد بن عبد الملك أنشئت أول مستشفى في الإسلام خاصة بالمجذومين، وأجريت لهم الأرزاق. ولم تخل بلدة صغيرة يومئذ من مستشفى فأكثر، حتى إن قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى. وفي كثير من تلك المستشفيات وجدت قاعات طبية وأقسام متخصصة، ولكل قسم أطباء، عليهم رئيس، فبعضها للأمراض الباطنية، وبعضها للجراحين والمجبِّرين، وبعضها لأطباء العيون، أو الكحالين، وفي كل مستشفى عدد من الفراشين والممرضين والمساعدين، ولهم رواتب معلومة وافرة. وفي كل مستشفى صيدلية، وكانت المستشفيات معاهد طبية أيضا، وكان يلحق بكل مستشفى مكتبة عامرة بكتب الطب وغيرها مما يحتاجه الأطباء وتلاميذهم، حتى قالوا: إنه كان في مستشفى ابن طولون بالقاهرة خزانة كتب تحتوي على ما يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم. وأوقف عليه ما يغل عليه ألف درهم في كل سنة، وألحق به مسجد ومدرسة ومكتب للأيتام. ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يُعطى كسوة للباسه، ودراهم لنفقاته، حتى لا يضطر للالتجاء إلى العمل الشاق فور خروجه.. بل امتدت الرعاية الصحية لتشمل السجون، فكانت ثمة المشافي ومراكز الإسعاف.

كانت تلكم الحال في دولة الخلافة، بينما يروي المؤرخون قصصًا مثيرة للأسى والشفقة عن حال الطب لدى معاصريهم من الصليبيين والأوربيين.

واشتد ولع الحكام والأدباء والعلماء بالكتب، فكانت هناك مكتبات خاصة وعامة، وفي المكتبات العامة غرف مكتبية متخصصة، منها قاعات مطالعة، وغرف لحلقات الدرس، وغرف للنسخ والتجليد والموسيقى، وأخرى للطعام، والنوم، وبها موظفون متخصصون، منهم أمناء المكتبة، ومترجمون، ومفهرسون.. وخصصت الأوقاف اللازمة للإنفاق لذلك كله.

وقد ضمت مكتبة الفاطميين بالقاهرة مليوني كتاب، بينما ضمت مكتبة بني عمار بطرابلس مليونًا..

 ثم كانت جناية أعداء الإسلام على المكتبات على نحو ما هو مشهور في شأن المغول لما دمروا مكتبات العراق، ورموا الكتب في نهر دجلة حتى تغير لون المياه من مدادها، وما فعله نصارى الإسبان بالمكتبات الزاخرة التي ضمت علوم الدنيا في الأندلس بعد سيطرتهم عليها.

وبينما كانت الأوضاع مزرية في المدن الأوروبية الضحلة والقذرة في العصور الوسطى نجد قرطبة -عاصمة الأندلس في عهد عبد الرحمن الثالث – تنار بالمصابيح ليلاً، ويستضيء الماشي بنورها عشرة أميال لا ينقطع عنه الضوء، أزقتها مبلطة، وقماماتها مرفوعة من الشوارع، ومحاطة بالحدائق الغناء حتى كان القادم إليها يتنزه ساعات في الرياض والبساتين قبل أن يصل إليها، وكان سكانها أكثر من مليون نسمة، في ذلك العصر الذي لم تكن فيه أكبر مدينة في أوروبا تزيد عن خمسة وعشرين ألفاً. وكان فيها 80 مدرسة يتعلم فيها الفقراء مجاناً، وخمسون مستشفى. وأما مسجدها فكانت ولا تزال آثاره حتى اليوم آية خالدة في الفن والإبداع. وقل مثل ذلك عن بغداد حاضرة العباسيين، وأعظم مدن العالم آنذاك قاطبة.

 

 رعاية الحيوان: 

وامتدت رعاية دولة الخلافة لتشمل الحيوان.. فقد ضرب عمر بن الخطابt جمّالاً لأنه حمَّل جمله ما لا يطيق”، ورأى رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: ويلك! قدها إلى الموت قودا جميلاً. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمصر: بلغني أن بمصر إبلاً نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يُحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل، ونهى عمر بن العزيز في إحدى رسائله إلى الولاة الناس عن ركض الفرس في غير حق. وكتب إلى صاحب السكك أن لا يسمحوا لأحد بإلجام دابته بلجام ثقيل، أو أن ينخسها بمقرعة في أسفلها حديدة. وكان من وظيفة المحتسب أن يمنع الناس من تحميل الدواب فوق ما تطيق، أو تعذيبها وضربها أثناء السير، فمن رآه يفعل ذلك أدّبه وعاقبه.

وكانت النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، فإن امتنع أجبر على بيعه أو الإنفاق عليه، أو تسييبه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه، أو ذبحه إذا كان مما يؤكل.

ورصدت أوقاف خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقاف لرعي الحيوانات المُسنة العاجزة. كان هذا يحدث في دولة الخلافة، في حين كانت أوربا العصور الوسطى تتهم بعض القطط بالسحر، وتأمر بحرقها، وتعقد محاكمة للفئران المزعجة، ومحاكمة أخرى للديك الذي باض، ثم يحكم فيها بإعدامه على نحو ما فصل د. مصطفى السباعي في كتابه القيم “من روائع حضارتنا”.

نعم! ذهبت الخلافة ورونقها، وجنت الأمة كلها ثمار جهل وغباوة ونزق، ثم راحت تدفع أثمان ذلك من حريتها ومكانتها، وكرامة رجالها ونسائها، وقوت أولادها، ولله در شوقي حيث قال:

فَلَتَسمَعُنَّ بِكُلِّ أرضٍ داعياً                  يَدعو إلى الكذَّابِ والسَّجاحِ

ولَتَشهَدُنَّ بِكُلِّ أرضٍ فتنةً                       فيها يُباعُ الدِّينُ بيع سماحِ

يُفتى على ذَهَبِ المُعِزِّ وسيفِهِ                 وهَوى النُّفوسِ وحقدها الملحاح!


  (*) أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية.

اترك تعليق