الروح التجديدية للشيخ محمد البشير الإبراهيمي

من كتاب كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي(ج3):

بقلم: د.علي محمد الصلابي

ربيع الأول 1443 ه / أكتوبر 2021

يعتبر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من أنصار المدرسة التجديدية التي تؤمن بشجاعة الرأي، وتتقدم الصفوف في بيان مقاصد الشريعة وقيمها النبيلة ومبادئها الراسخة، ويعتبر الشيخ محمد عبده من أكبر العقول التجديدية، وتأثر بهذه المدرسة تأثراً بالغاً في حركته ودعوته وطلبه للعلم وحربه على البدع والخرافات والضلالات.

ولقد قال في محمد عبده: ولقد ادخر الله لهذا العصر الذي تأذن فجر الإسلام فيه الانبلاج، الواحد الذي بذ الجميع في شجاعة الرأي والفكر وقوة العلم والعقل وجرأة اللسان والقلب، وهو محمد عبده، فهز النفوس الجامدة، وحرك العقول الراكدة، وترك دوياً ملأ سمع الزمان، وسيكون له شأن.

إنه طريق العلماء المجددين، الذين تخطوا حدود الاجتهاد بمعناه الفقهي إلى تجديد دنيا الأمة بتجديد دينها، والذين امتلكوا الشجاعة التي جعلت منهم الشهود والشهداء.. طريق الإمام أحمد بن حنبل، والعز بن عبد السلام، والربيع بن سالم، وابن تيمية، وغيرهم من العقلانيات التجديدية العظيمة في تاريخ الأمة.

وفي 1957م كتب الإمام البشير إلى الذين يحتفلون بذكرى جمال الدين الأفغاني ـ بجمعية الشبان المسلمين بالقاهرة.. يكتب عن أستاذيه الأفغاني في المدرسة الحديثة للإصلاح بالإسلام، فيقول: إن من البر بأنفسنا أن نذكر العبر منها، ونجعلها دليلنا إذا أظلمت علينا السبل، وقدوتنا إذا أعزنا الإمام القائد.

العلماء الربانيون في هذه الأمة ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، والحكمة في هذه القلة قلة أخرى لا تلد القرون منهم إلا الواحد بعد الواحد، ولا يجيء الواحد إلى الوجود إلا بعد فترة من تحكّم الأهواء واستيلاء الخمول وسفه القيادة، والبعد عن هداية الدين، والجهل بأمور الدنيا و بالصلة الوثيقة بينها وبين الدين، وانطمس المعالم المنصوبة والأعلام الهادية فيهما، فيكون ظهوره تجديداً للدين والدنيا، ودعوة للعزة فيهما معاً، وإصلاحاً لما أفسدته الغفلة منهما معاً، ورمّاً لما تشعث من بنائهما معاً. ومن هذا القليل جمال الدين الأفغاني.

والأفغاني ينظر إليه الخليون الفارغون من علماء القشور والرسوم، على أنه ليس عالماً دينياً بالمعنى الذي يفهمونه من الدين ومن العالم الديني، الذي هو عندهم حاكي أقوال وحافظ اصطلاحات وراوي حكايات، يجلس في حلقته فيفيض في الحلال والحرام، وفي الزهد والرقائق، بكلام مقطوع الصلة بالقلب مقصور على اللسان فهو لا يؤثر، ومن ثم فهو مقصور على سمع السامع، فهو لا يتأثر وليس فيه إلا قال فلان، وقال فلان، وليس منه: قلت ولا أرتأيت ولا فكرت، حتى إذا فرغ من الكلام فرغ كل شيء منه، وخرج من الدرس فوجد البدع والمنكرات من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يهتز لها هزة الغضب ولا يتأثر لها تأثر المنكر، بل يجاري البدع والمبتدعين ويكثر سوادهم، ويكون حجة على الدين لا حجة له.

أما أصحاب العقول المتدبرة، والأفكار المثمرة، والبصائر النيِّرة، والموازين الصحيحة للرجال، فإنهم يرون الأفغاني عالماً أي عالم، وفرداً انطوى على عالم، وحكيماً أي حكيم، وأنه أحيا وظيفة العالم الديني وأعاد سيرتها الأولى.

لقد كان الأفغاني عالماً شجاعاً قوَّالاً للحق جريئاً فيه، لا يخشى في كلمة الحق يقولها، ولا في الحق يدعو إليه لومة لائم، وجميع الثغر التي أتُينا منها وعلّة العلل فيها اتية من سكوت علماء الدين وبعدهم عن شؤون المسلمين العامة.

وقد جزاه الله في الدنيا جزاءً عاجلاً، فرزقه طرازاً من التلامذة المستعدين، نفخ فيهم من روحه، ورباهم على مبادئه، وكانوا من بعده حملة فكرته، الشارحين لها بالعمل، وحسبكم بالأستاذ الإمام محمد عبده.

لقد اقتحم جمال الدين هذا الميدان فكان حجة لبعض العلماء وحجة على بعضهم.

رحمة الله على جمال الدين جزاء ما قدمه للإسلام والمسلمين، وكفاء ما سنه للعلماء من أُسى حسنة لم نزل نتقلب في أعطافها، وندين له بالفضل فيها.

هكذا ميز الإمام البشير بين «علماء الرسوم» الذين لا قلوب لهم، ولا حكمة فيهم، ولا شجاعة لديهم، والذين رسم لهم الأفغاني صورة «كاريكاتورية» عندما وصف الواحد منهم بأنه: جبَّة كالخرج، وعمامة كالبرج، ورأس فارغة.

ميَّز الإمام البشير بين هذا الصنف من «العلماء» وبين العلماء الحكماء الذين يجددون الدنيا بتجديد الدين.. وتحدث عن مكانة الأفغاني بين هؤلاء العلماء الحكماء، وعن غرسه الطيب، المتمثل في الإمام محمد عبده، وعن دَيْن هذه المدرسة الإصلاحية، كانت من الصفات البارزة في الإبراهيمي روحه التجديدية التي انعكست في خطبه الدعوية، ونثره المتميز، وشعره التحرري.

الحلقة: 194

 

يمكنكم تحميل كتب كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من موقع د.علي محمَّد الصَّلابي:
الجزء الأول: تاريخ الجزائر إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى
الجزء الثاني: كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس
الجزء الثالث: كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال وسيرة الإمام محمد البشير الإبراهيمي
كما يمكنكم الإطلاع على كتب ومقالات الدكتور علي محمد الصلابي من خلال الموقع التالي:

 

اترك تعليق