العلامة الدكتور يوسف القرضاوي من وجهة نظر أستاذ الفلسفة وتاريخ العلم (2)

بقلم أ.د. محمد الجوادي(*)

(5)

ونحن نلاحظ أن صراع القرضاوي مع طلب العلم العالي، ومع ممارسة البحث العلمي كان قاسيًا إلى أبعد الحدود، فقد تمثَّلت فيه أصعب العوائق، وهو عائق انسداد الأبواب، بينما كان هو وأضرابه الأزهريون النوابغ يبحثون عن أي كوة يخرجون بها من هذا الحصار الحديدي حولهم، إلى أن وجدوا فرصة أتاحها لهم علماء موسوعيون حقيقيون وأجلاء كانوا يقومون بأمر معهد الدراسات العربية التابع للجامعة العربية، وكان هذا المعهد في تاريخ العلم بمثابة جامعة صغيرة، فانتهزها القرضاوي كما انتهزها مناظرون أفذاذ من الدفعات السابقة على دفعته في الأزهر.

في ذلك الوقت لم يجد القرضاوي من الجيل السابق عليه في الوظيفة والمناصب الأزهرية من يستطيع أن يأخذ بيده، على نحو ما أخذ الأولون بأيدي السابقين عليه، فهذا هو الدكتور محمد البهي، الذي استفاد من جهد القرضاوي، في عونه فيما كلَّفه به من عمل علمي، ليس في استطاعته، ولا في نيته أن يبتعث الدكتور القرضاوي لاستكمال دراسته في ألمانيا، على نحو ما أتيح للبهي نفسه.

ومن العجيب أن البهي لم ينل بعثة من الحكومتين المصرية أو الألمانية، وإنما نال بعثة باهرة الشكل والمعنى، فقد كانت مديرية البحيرة قد أرادت تخليد ذكرى الشيخ محمد عبده باعتباره ابنًا للبحيرة، فأرتأت أن يكون التخليد من خلال تمكين نوابغ الأزهر ببعثتين للسفر إلى أوربا للدراسة والعودة، وفاز بهاتين البعثتين من أصبح مديرًا لجامعة الأزهر ووزيرًا للأوقاف، وهو الدكتور البهي، ومن صار وكيلًا للأزهر الشريف، وهو الدكتور محمد عبد الله ماضي.

وكان من رابع المستحيلات في عصر الاشتراكية بشعاراتها الزاعقة وبضاعتها النافقة، أن يجد القرضاوي فرصة كهذه.

(6)

بالإضافة إلى هذا، فإن مدرسة البحث العلمي في الأزهر الشريف كانت تعاني وأدًا وقبرًا من نوع آخر، وبدأ الأزهر يعاني من التوافق مع الأنماط الأوروبية، التي آثر رواد التعليم الجامعي المصري أن ينقلوها لمصر! ومن العجيب أنه على حين كانت الجامعات المصرية نفسها قد وجدت الحل، وأخذت تحترم اختلاف دراسة الطب عن دراسة العلوم، فكانت تجعل الدراسات العليا في الطب تمر بمرحلتين، تقتضي أولاهما الحصول على دبلومين، أحدهما عام والآخر خاص، ثم على درجة واحدة أعلى ما بين ماجستير الجراحة أو دكتوراه الطب الباطني، (وذلك على نحو ما هو معمول به في بريطانيا، من التفريق بين شهادتي الجراحة والباطنية المتعادلتين؛ فالتأهل في الجراحة بزمالة لكلية الجراحة الملكية في لندن أو نظيراتها، وفي الباطنة بعضوية في كلية الأطباء الباطنيين في لندن أو نظيراتها).

وكذلك كانت الجامعة المصرية تحترم الخصوصية المنهجية الفرنسية في دراسة القانون، فتجعل الدراسة العليا في الحقوق من خلال دبلومين (عام وخاص)، يؤهلان مباشرة لدراسة الدكتوراه. كان هذا يحدث مع الذين ولدوا مع القرضاوي في نفس العام وتخرجوا في كليات الحقوق والطب، فإذا الجامعة المصرية لا تطالبهم بأن يقصروا دراستهم العليا على ما تأخذ به كليتا الآداب والعلوم من رسالة للماجستير تقوم على البحث وحده، ثم رسالة للدكتوراه تقوم هي الأخرى على البحث وحده، واذا بالمخطط المعادي للأزهر وللإسلام يختط سبيل التعسف مع الأزهريين، مرغمًا لهم على أن يكونوا رغم أنوفهم صورة مشوهة من دارسي الآداب في الجامعة المصرية، يقدمون رسالة للماجستير، ثم رسالة للدكتوراه وتنتهي علاقتهم بالعلم والبحث العلمي على هذا النحو، الذي هو أصغر بكثير جدًّا من محتوي العلوم الإسلامية.

وقد ظل المسؤولون عن التعليم الجامعي والأزهري سادرين في هذا الغي، على الرغم مما نعرفه الآن بعد فوات الأوان، من أنهم كانوا قد اكتشفوا أن هذا الأسلوب الذي أجبرت عليه كليات الآداب والدارسون للدراسات العليا فيها، قد آذى هؤلاء وآذى مستوياتهم العلمية وقدراتهم.

(7)

وكانت الطامة الكبرى أن وجد أزهريون رواد متميزون في هذه التكأة (شريرة الجوهر ناعمة الملمس)، أداة لإظهار تميزهم على بقية أقرانهم بطريقة سافرة الذوق ومستفزة الطابع، وهي طريقة آذت التعليم الأزهري العالي (وتعليم العلوم الإسلامية كلها في خارج مصر)، إيذاء لا نهاية له، وعوقته وأخرته، بل كادت تحطمه. ومن العجيب أن هؤلاء ساروا في هذا الطريق المسدود، وهم يظنون عن حق أنهم يحسنون صنعًا.

كانت وظائف الأستاذية الحقيقية في الكليات الأزهرية مشغولة ومتشرفة بأقطاب في التعليم هم في الوقت ذاته شيوخ في العلم؛ لأنهم تدرجوا في العلم وممارسته على مدى عقود، وكان بينهم من أتمَّ الدراسات العليا في الجامعة الأزهرية نفسها، وحصل على درجة العالمية من درجة أستاذ، وهي العالمية التي كانت تصطحب في مؤهلاتها ومسوغاتها مناقشة رسالة علمية يشترك في مناقشتها أساتذة من خارج الأزهر، لكن أساتذة من وزن محمد البهي المسؤول الأول عن الجامعة الأزهرية في ثوبها الجديد وطبقته، قادهم ضيق الأفق إلى أن يتجاوزا عن هذا الانجاز العلمي كله، ويغضوا نظرهم عنه، وأن يحرصوا على ألا تشغل وظائف الأستاذية إلا ممن حصلوا على درجات الدكتوراه من الخارج، ومارسوا البحث العلمي بطريقة أثر السين على مركبات الصاد، أو مقارنة جدوي النقط على الحروف في لغتين، أو جدوى التسكين ودلالته في نهاية السطور مقارنة بنهاية الجمل، إلخ.

وهكذا بدأ البهي من رأس القائمة، فاختار عالمين أزهريين اثنين، أكملهما بثالث من الجامعة المصرية، وجعلهم عمداء ثلاثة للكليات الأزهرية الثلاثة، وبدأ يطلب إلى الأساتذة الممارسين: أن يؤهلوا أنفسهم للانتقال من الكادر الجامعي القديم، الذي كان يسير على نمط الكادر العام، إلى الكادر الجامعي المستحدث، بكتابة بحوث أكاديمية من هذا القبيل، وإلا فقدوا فرصة الأستاذية، وما تستتبعه من قيادة مدرسة علمية.

وانتقلت هذه الحمي إلى تسجيل الماجستير والدكتوراه في الأزهر، إلخ.

وهكذا أفقد الدكتور البهي دون أن يدري (وربما بحسن نية)، أقدم جامعة في العالم جزءًا من هويتها المتميزة في تأهيل علمائها.

(8)

ومن الطريف أن هذا الذي كان يحدث في الأزهر، جاء تاليًا في زمنه لتجربة ناجحة مثَّلت ثورة جامعية مصرية باكرة، قادها الدكتور محمد كامل حسين مؤسس جامعة عين شمس في سنة 1950م، حين تضافر مع زملائه مؤسسي الجامعة وعمدائها، واتفقوا على أن يجعلوا لها ولدراساتها العليا والجامعية طوابع مختلفة ومتميزة عن طابع جامعة القاهرة، بما يتواكب مع ما حدث من تطور في النظم الجامعية في العالم المتقدم.

وهكذا أقرت جامعة عين شمس منذ نشأتها مبدأ جديدًا في الدراسات العليا في الجامعة المصرية، لم يكن موجودًا في جامعة القاهرة، ولا ابنتها في الإسكندرية، وهو أن يكون الماجستير دراسة وبحثًا، لا بحثًا فقط، كان هذا يحدث في عين شمس منذ مطلع الخمسينيات، لكن رؤية البهي كانت أضيق من أن تحيط برؤية عين شمس، وهكذا ظل هو وأضرابه يظنون، بل يعتقدون أن الدراسات العليا ليست إلا رسالة، ورسالة فقط، وهم لا يعرفون أنهم بما يحاولون ويصرون عليه، يظلمون الأزهر والأزهريين بلا مبرر، وقد ظلموا العلوم الأزهرية والإسلامية أيما ظلم.

(9)

وعلى قدر كبير من الاستحياء، بدأ الأزهريون المتحققون بتفوقهم يؤسسون بأنفسهم ما قد يسمي بدراسات تمهيدية للماجستير والدكتوراه، يؤهلون بها تلاميذهم النوابغ من أمثال القرضاوي؛ ليأخذوا فرصتهم في البحث العلمي والدرجات الجامعية العليا.

وقد حدث هذا، مع أنهم كانوا يعرفون أنها محاولة يائسة محكوم عليها بالفشل، في ظل ما استقر من عزم النظام الناصري على إنهاء وجود علوم الإسلام بكل السبل، ومع هذا فإن الرياح تأتي بما تشتهي السفن أحيانًا، فإذا بمشروع تطوير الأزهر الذي كان يستهدف تذويب الأزهر بالتدريج يحظى (بفضل من الله لم ينتبه إليه الزبانية) بقدر كبير من عناية علماء مفكرين موسوعيين، ومن عناية علماء مصريين يحبون العلم ويحبون مصر، من قبيل محمد كامل حسين، وسليمان حزين، ومحمد مهدي علام، ومحمد سعيد العريان، ومعهم ومن قبلهم عضو مؤثر في مجلس قيادة الثورة، كان يتولى في ذلك الوقت رئاسة الوزراء ووزارة التربية والتعليم وشؤون الجامعات، وهكذا أوجد هؤلاء جميعًا في نصوص تطوير الأزهر ما جعلها تتسع لما لم يحدث في الواقع إلا بعد عشر سنوات، من ارتياد آفاق العلم على نحو واثق وبعيد عن قيود كبار الكتبة وعتاة البيروقراطية.

ولهذا فليس من العجيب أن تجد أن المناخ الذكي الذي أقرَّ للدكتور القرضاوي باستحقاقه لمواصلة دراسة الدكتوراه وحصوله عليها، مستندًا في هذا إلى التفسيرات الذكية للقوانين واللوائح، قد وجد على يد أزهري عظيم درس في السوربون، وشهد حرية البحث والعلم والدراسة، وهو الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، الذي أجاز أن تناقش الرسائل التي كانت قد مر على تسجيلها وقت كان يؤهلها – في ظل مفاهيم البيروقراطية والحجر والتعسف – للإلغاء لا للمناقشة.

(10)

من زاوية أخرى فقد كان موضوع رسالة الدكتوراه التي سجلها الشيخ القرضاوي نفسه قابلًا للافتراء البيروقراطي، بمفهومه الجامعي الضيق المرتبط بالتخصص في درجة الماجستير وما قبلها، وهي مفاهيم عفى عليها الزمن في العالم كله إلا في مصر، فقد كان الموضوع المسجل لرسالته يتعلق بدور الزكاة، وهو موضوع يرتبط عند البيروقراطية مباشرة بكلية الشريعة، وكأن الزكاة ليست أصلًا من أصول الدين، وهي الكلية التي تخرج فيها القرضاوي.

لكن البيروقراطية المصرية في ظل وجود علماء معنيين بالكراسي من حيث هي كراسي، لا من حيث هي كراسي علم، لم تكن لتفهم أن يسجل خريج الأصول في موضوع يظهر من اسمه أنه يخص قسم الفقه أو الشريعة، بينما الأمر مختلف تمام الاختلاف، حتى إنني أزعم – وقد مارست الرأي والقرار في مثل هذه الموضوعات – أنني على النقيض تمامًا من هذه البيروقراطية قصيرة النظر محدودة الذكاء، لو جاءني وأنا رئيس للجامعة أو عضو في مجلسها في يوم واحد مشروع أو بروتوكول رسالتين بالعنوان الذي كانت تحمله رسالة القرضاوي، وكان أحد البروتوكولين من خريج للأصول، والثاني من خريج لكية الشريعة، لقلت: إن الأولى بالموضوع هو خريج الأصول. كي ينظر إلى موضوعه بصورة أوفى وأشمل، من خارجه لا من داخله.

لكن مفهومًا مثل مفهومي هذا، يجد دومًا الرد عليه باحترام بيروقراطي ذكي وخبيث، بأن هذا هو منطق العباقرة لا منطق الملتزمين.

ومن حسن الحظ أن منطق العباقرة في حالة القرضاوي انتصر، دون أن يدري هو نفسه أن هذا الانتصار كان أول نجاح بازغ في انطلاقاته.

وهكذا وجد القرضاوي نفسه ينهي الاختيار الثاني في حياته ما بين التوسع والموسوعية من ناحية، والتعمق والتخصص الدقيق والنظرة الأنبوبية من الناحية الأخرى، وقد نصرته الموسوعية التي آثرها هو بالاختيار منذ واجه الاختبار المبكر.


(*) مفكر عربي معاصر، جمع بين الطب والأدب والتاريخ والنقد واللغة والفكر السياسي والتنموي، حاصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وعضو مجامع اللغة والمجامع العلمية واتحادات الكتاب، وهذه الورقة كانت ضمن كتاب: “التسعينية” بمناسبة بلوغ الإمام القرضاوي تسعين عاما، ونشرت أعمالها في خمسة مجلدات كبيرة.

اترك تعليق

  1. يقول lindsay:

    Would you like me to wrap my boobs around your big hard cock? http://prephe.ro/Phqn

  2. يقول tracy:

    I’ll be all the way naked in just a sec http://prephe.ro/Phqn

  3. يقول lakisha:

    They are so swollen, volunteers for sucking my nipples?? Anyone??? http://prephe.ro/Phqn

  4. يقول lynda:

    Exposing my boobs for you always make me happy and gives me confidence http://prephe.ro/Phqn

  5. يقول arlene:

    Would you like to have a sip of my coffee? http://prephe.ro/Phqn

  6. يقول beryl:

    I’ve never tried anal before… Anyone want to help me out there? http://prephe.ro/Phqn

  7. يقول katrina:

    I like watching myself masturbate, do you? http://prephe.ro/Phqn

  8. يقول graliontorile:

    I’ve been absent for some time, but now I remember why I used to love this web site. Thank you, I?¦ll try and check back more frequently. How frequently you update your web site?

  9. يقول gralion torile:

    I’m not that much of a internet reader to be honest but your blogs really nice, keep it up! I’ll go ahead and bookmark your site to come back down the road. Cheers

  10. يقول zoritoler imol:

    Thankyou for all your efforts that you have put in this. very interesting info .

  11. يقول zoritoler imol:

    I really appreciate this post. I have been looking all over for this! Thank goodness I found it on Bing. You’ve made my day! Thanks again

  12. يقول zoritoler imol:

    I was curious if you ever considered changing the layout of your blog? Its very well written; I love what youve got to say. But maybe you could a little more in the way of content so people could connect with it better. Youve got an awful lot of text for only having 1 or two pictures. Maybe you could space it out better?

  13. يقول zoritoler imol:

    Hiya, I’m really glad I have found this info. Nowadays bloggers publish only about gossips and web and this is really irritating. A good website with interesting content, that is what I need. Thank you for keeping this site, I will be visiting it. Do you do newsletters? Can not find it.