الفريضة الخامسة .. مقاصد وغايات

د. وصفي عاشور أبو زيد

 

من أسماء الله تعالى “الحكيم”، ومقتضى هذا الاسم أن الله تعالى لا يخلق شيئا باطلا ولا يشرع شيئا عبثا، إنما شرع كل شيء لحكمة، وأمر بكل أمر لغاية، ونهى عن كل نهي لمقصد، وخلق كل شيء فقدره تقديرا ولإدراك الأهداف والغايات والمقاصد والأسرار التي شرع الله تعالى لها الأحكام والعبادات، وحد لها الحدود، وفرض لها الفرائض وشرع لها الشرائع – أثر كبير في روح تحصيل هذه العبادة، ودافع أكبر للحرص عليها وأدائها على الوجه الذي يرضي الله تعالى، كما أنه يترتب على إدراك ذلك ثواب عظيم للعبد الذي أقبل على الطاعة وقام بالعبادة وهو يدرك مقاصدها ويحصل نواياها.

وما من شك في أن الحج -أو الفريضة الخامسة كما جاء ترتيبه في حديث “بني الإسلام على خمس” -من أعظم شعائر الإسلام، وحسبنا ما قاله حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في بداية كتاب أسرار الحج من الإحياء: “إن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين”، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يرفع أمامه مقاصد الحج وغاياته، وحكمه وأسراره، حتى يكون على بصيرة من أمره، وفقه من دينه، واستمتاع بعبادته، فإن ذلك أرجى للخشوع والخضوع فيها، وإتمامها على الوجه الصحيح المقبول.

والحقيقة أن مقاصد الفريضة الخامسة متنوعة إذا نظرنا إليها من زوايا متعددة، فمنها ما يتصل بالدنيا، ومنها ما يتصل بالآخرة، ومنها ما يتصل بالأفراد، ومنها ما يتصل بعموم الأمة، ومنها ما يحصل حقوق الخالق، ومنها ما يعود على المخلوقين، وقد رأيت -بعد التأمل- أن أقسمها تقسيما آخر يبدو فيه وضوح محاور كبيرة تضم تحتها مقاصد متعددة ومتنوعة، وتحقق الزوايا المتنوعة سالفة الذكر.

مقاصد ربانية وإيمانية

فمن هذه المقاصد التي شُرع الحج لها مقاصد تندرج تحت الإيمان وتزكية النفس، ففي كل شعيرة من شعائر الفريضة الخامسة يبدو مقصد تحقيق التوحيد بارزا وواضحا بروزا لا يحتاج إلى بيان، ووضوحا لا غموض معه ولا لبس فيه.

فالمسلم يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه وماله وتجارته مهاجرا إلى الله، يرجو رحمته ويخشى عذابه، لا يعبد معه شيئا، ولا يشرك به أحدا، بل يتمحض التوحيد وإفراد الله بالعبودية هنا أتم ما يكون التمحُّض، فيا له من مشهد مهيب حين نرمق الوفود المنطلقة في البر والبحر والجو تجأر إلى الله تعالى بالدعاء والتهليل، والذكر والشكر والتمجيد في عالم ما أكثر التائهين فيه عن الله والمتمردين عليه، وما أكثر العابدين بغير ما أنزل الله وبغير ما شرع.

وشعار الحجيج في هذه الشعيرة: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، لهو خير شاهد على ذلك، وكذلك ذكره ودعاؤه والابتهال إليه والتكبير والتسبيح كلما هبطوا واديا أو علو جبلا، فكل أعمال الفريضة الخامسة يتخللها الذكر، ويتجلى فيها الثناء والدعاء والخوف والرجاء حتى عند أداء الشعائر التي ربما لا نعرف لها حكمة بادي الرأي.

يقول الشيخ الغزالي يرحمه الله: “وإذا كان بعض المغفلين يزعم أن تقبيل الحجر الأسود نوع من الوثنية فليكن تقبيل الملوك والرؤساء لأعلام دولهم نوعا أيضا من الوثنية ومن عبادة الأقمشة!! من قال هذا؟ إذا كان الأمر لا يعدو ترجمة لمشاعر الولاء لله فليس في هذا شيء، ونحن في هذا نلتزم ما ورد”.

ومن حق رب البيت أن يضع طريقا لزيارة بيته، فإذا جعلها طوافا من سبعة أشواط فليس في الأمر ما يستغرب، ففي طول الدنيا وعرضها توضع طرائق شتى للاستقبالات والاستعراضات”(1).

وفي هذا اختبار للعباد في مدى طاعتهم لله؛ فقد كلفهم بما يعقلون سره ويدركون مقصده، فها هو يبتليهم بما لا يعقلون أو يدركون أسراره، فهل يطيعون أم يتمردون؟ إن تحقيق الطاعة لله والانقياد لأمره لهو من أبرز مقاصد الحج أو الفريضة الخامسة، ويتجلى ذلك في شعائر ربما تبدو غير معقولة كما سبق القول، مثل تقبيل الحجر، أو السعي بين الصفا والمروة، أو الطواف بالبيت، أو غير ذلك من شعائر، لكن لا شك أن لكل هذه الأعمال حكمها ومقاصدها التي علمها من علمها وجهلها من جهلها، ويجمعها كلها تحقيق العبودية لله والسمع والطاعة لما يأمر به عباده ابتلاء لهم واختبارا.

أيُّ مشاعرٍ تلك التي تسكبها هذه الفريضة في نفس المؤمن، وأي مدى ذاك الذي يبلغ إليه إخلاص العبد وتوحيده لربه وتجديد إيمانه به، وكل شعيرة من شعائر الحج أو الفريضة الخامسة فيها ذكر وتهليل وتوحيد، وتلبية وإخلاص وتمجيد؟ أي حالة تصبح عليها نفسه من الشفافية والنقاء والصفاء لاسيما وقد رجع من حجه كيوم ولدته أمه كما أخبر الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم؟ فالحج بهذه الصورة وتلك الأعمال يجدد الإيمان، ويحقق التوحيد، ويظهر فيه كمال صدق العبد في العبودية المطلقة لله تعالى.

 

مقاصد اجتماعية وإنسانية

ومن مقاصد الحج مقاصد إنسانية واجتماعية؛ فوحدة الأمة وتوحيدها مقصد عظيم من مقاصد الحج – الفريضة الخامسة –  بل من مقاصد الإسلام الكبرى، ويُستمد هذا المقصد الاجتماعي والإنساني من “توحيديات” الحج، فالكل -كما نحفظ- يعبد ربا واحدا، وقبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، ورسولهم واحد، وحُداؤهم واحد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ومن هنا تتجلى وحدة الأمة وقوتها؛ فالحج من الشعائر التي تحفظ للأمة الحد الأدنى من الوحدة والتماسك.

ومن المقاصد الإنسانية تحقيق معنى المساواة؛ فالغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والأمير والخفير، والملك والمملوك، الكل يرتدي لباسا واحدا لا خيط فيه، ولا ألوان مختلفة له، فالكل يرتدي رداء واحدا لونه واحد هو اللون الأبيض، فلا يعرف فيهم عظيم من حقير ولا رئيس من مرؤوس، الكل أمام الله سواسية، ومن ثم تتراجع هنا كل الموازين والمعايير، ولا يبقى إلا مقياس واحد ومعيار واحد: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

ومن هنا شاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر الجموع الحاشدة من المسلمين الذين تبعوه يوم الحج الأكبر، حجة الوداع، فعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”(2).

ونحن نحفظ قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

 

مقاصد تاريخية

ومن مقاصد الحج مقاصد تاريخية، فمن المقاصد التاريخية أن المسلم يرى بعينيه الأماكن التي قرأ عنها في السيرة والتاريخ، فهذا طريق الهجرة بصعوبته وخشونته وطوله، وهنا عُذِّب فلان من الصحابة، وهناك استشهد فلان، وهنا كانوا يصلون، وهنالك كانوا يجتمعون، وهنا قاتلوا وهناك قتلوا، وهنا وقف إبراهيم يدعو ربه، وفي هذا المكان كان يبني البيت ويرفع منه القواعد، وفي هذا الموضع كان معه ابنه إسماعيل، وهنا هرولت هاجر وسعت بين الصفا والمروة، وهذه هي زمزم التي فجرها الله لها برحمته… وهكذا.

ومن شأن هذه الرؤية أن تعمق معاني الإيمان بالرسالة الإسلامية في نفس المؤمن فيحمله ذلك على الدعوة للإسلام والتضحية له والصبر من أجله، وهذا من المقاصد العظيمة التي يتغياها الحج في الإسلام.

ويجتمع المسلمون في هذا الموسم الهائل الذي يأتي فيه المسلمون من كل فج عميق من مشرق الأرض ومغربها؛ ليناقشوا ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم، فالحج من الناحية الروحية تجديد للإيمان وتحقيق للتوحيد وتهذيب للنفس، ومن الناحية السياسية فرصة عظيمة للتوجيهات والتوصيات الجامعة للأمة، وملتقى جامع يكفل ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين.

يقول الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله: ولكي ندرك ذلك ندرس كيف حج المسلمون في السنة التاسعة والسنة العاشرة للهجرة، ففي السنة التاسعة رجع الحجاج وقد تلقوا تعليمات بقطع علاقاتهم مع العابثين بمعاهداتهم ومعاملتهم بالشدة بعدما فشل اللطف معهم، وفي السنة العاشرة وضعت تقاليد إنسانية وآداب عامة تضمنتها الخطبة الجليلة التي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع(3).

 

مقاصد دنيوية وأخروية

وقد أطلق الله تعالى شهود المنافع فلم يقيدها بدنيا ولا أخرى، حين قال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].

فربما كانت المنافع مادية أو اجتماعية وهذا في الدنيا، وقد جاءت كلمة “منافع” نكرة لتفيد العموم والشمول؛ فالحج يتيح الفرصة أمام جموع المسلمين لممارسة أنواع النشاطات وأصناف الصفقات التجارية والمالية والاقتصادية، وقد ذكرت كتب التفسير أن بعض المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من ممارسة التجارة والبيع والشراء حال الحج، فأنزل الله تعالى قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة: 198]، فاستبشروا بهذا التيسير الإلهي لهم؛ فباعوا واشتروا وتاجروا.

وربما كانت روحية إيمانية وهذه تعود ثمرتها للآخرة، فقد جعله الله تعالى فرصة لتكفير السيئات، وسببا لمحو الذنوب، وطريقا لرفعة الدرجات، وأعظم ما يصور هذا الأمر ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال فقبضت يدي، قال: “ما لك يا عمرو؟!” قال قلت: أردت أن أشترط، قال: “تشترط بماذا؟” قلت: أن يغفر لي، قال: “أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟”(4).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”(5).

 

المقاصد الكلية

وهذه المقاصد ليست مقاصد تؤخذ عن الحج مباشرة إنما تحمل مراعاتُها المسلمَ على أن يراعي المقاصد السابقة ويحقق ما أمر الله به في هذه الفريضة، ويفوز برضا الله ومغفرته.

أعني بذلك المقاصد الكلية أو بعض الكليات التي تحدث عنها علماء المقاصد، ومن ذلك حفظ النفس، فلو أدرك المسلم أن نفس أخيه المسلم أشد حرمة عند الله من الكعبة لما أقدم على التزاحم الذي يفضي إلى إزهاق عشرات الأرواح، ولما رأينا الدماء التي حرمها الله وشدد عليها تسيل في كل موسم من مواسم الحج.

ومنه أيضا حفظ الدين والمال، فلو أدرك المسلم أن هذا من المحرمات القاطعة التي أجمعت عليها الشرائع لما تلفظ بألفاظ ربما تخرجه من الملة وهو يؤدي شعيرة من أعظم الشرائع، ولاجتنب كل التصرفات المسيئة إلى قدسية الحج ومكانته ومكانه وزمانه، وابتعد عن الممارسات التي تؤذي المسلمين وتسبب لهم الضرر، وحافظ على المرافق العامة والخاصة وراعى نظافة المكان وقدسيته.

لو أدرك المسلم هذه المقاصد وتلك الحكم والأسرار الإيمانية والاجتماعية والتاريخية والسياسية والإنسانية، لأدى العبادة على الوجه المطلوب الذي يبرئ به ذمته، ويرضي به ربه، ويريح به ضميره، ويرحم به إخوانه المسلمين، ولحصل من الأجر والثواب ما يعيده كيوم ولدته أمه؛ فائزًا بمغفرة الله في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة، فليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة.


[1]انظر خطب الغزالي: 3/ 121. طبعة دار الاعتصام، ومائة سؤال عن الإسلام: 83. دار ثابت. القاهرة. ط الخامسة. 1417هـ – 1996م.

[2] أورده أحمد في المسند: مسند الأنصار رضي الله عنهم. حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح.

[3] مائة سؤال: 85-86، وانظر الحق المر: 92-93. مكتبة التراث، والخطب: 1/238-240، و3/124-126.

[4] صحيح مسلم: كتاب الإيمان. باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج.

[5] صحيح البخاري: كتاب الحج. باب فضل الحج المبرور.

 

اترك تعليق