سنن العمران والشهود الحضاري

بقلم الأستاذ الباحث حميد الرباع(*)

إن فقه سنن العمران البشري في القرآن الكريم له أهمية كبرى في توجيه الإنسان المسلم إلى القوانين التي يتأسس عليها البناء الاجتماعي، وتلعب دورا مهما في تنبيهه إلى سنن النهوض وعوامل السقوط من أجل قراءة واقع المجتمعات الإسلامية بأبجدية سليمة تتأسس على حسن تدبر القرآن الكريم والتفكر في آياته، وإبصار حقائقه واكتشاف سنن الله في الأنفس والآفاق، وحسن تسخيرها ومعرفة كيفية التعامل معها لبناء حضارة إنسانية راشدة.

وهذا الفقه يتأسس على حسن قراءة النص القرآني واستيعاب الواقع الاجتماعي، ومن ثم فإن ضرورة الجمع بين القراءتين أي فقه النص وفقه الواقع، ليس بغرض تبرير هذا الواقع، وإنما من أجل إصلاحه وتوجيهه على ضوء الرؤية الإسلامية.

إن العودة إلى آيات سنن العمران في القرآن الكريم ودراستها بدقة، والنظر إلى مآلاتها وعواقبها في النفس والمجتمع، لن تتحقق إلا من خلال تجديد علاقتنا بالقرآن الكريم، وإدراك أبعاد النص القرآني المختلفة وعدم حصرها في النواحي الفقهية التشريعية، لأن ذلك يقضي على امتداده وخلوده وقدرته على العطاء المتجدد زمانا ومكانا.

وعندما نجدد منهج التعامل مع القرآن الكريم، ونحسن فقه سنن العمران البشري، يكون ذلك مدخلا أساسيا لتحقيق الشهود الحضاري، الذي يمثل الوظيفة المركزية لهذه الأمة مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ (البقرة: 143).

      إن الاجتماع البشري، كما تبين، يخضع لسنن قد عرض لها القرآن الكريم، وأكدها من خلال تاريخ البشرية الطويل، وهي تبين أن الله لم يخلق الناس عبثاً، وأن من يعمل سوءاً يجز به، وأن إنجاز الشهود الحضاري له شروطه ومقدماته وأسبابه ، وهو ليس عبارة عن أماني يتمناها المرء ثم يتواكل، وينتظر المعجزات، والقرآن الكريم نبه إلى ذلك وأقر أنه ” ﴿لَّیۡسَ بِأَمَانِیِّكُمۡ وَلَاۤ أَمَانِیِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِۗ مَن یَعۡمَلۡ سُوۤءࣰا یُجۡزَ بِهِۦ وَلَا یَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِیࣰّا وَلَا نَصِیرࣰا﴾ (النساء: 123) .. هذا قانون الله، وتلك سنته التي لا تبديل لها ولا تحويل.

لقد ربط القرآن إمكانية إنجاز الشهود الحضاري بمعرفة الأسباب، وكشف السنن، التي تحكم الإنسان والمجتمع والعالم، وقدم القرآن الكريم ذو القرنين أنموذجاً متجسداً لربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، واعتبر ذلك مقدمة لابد منها للنهوض والشهود الحضاري، وبذلك لم يكتف القرآن بتأكيد موضوع السنن نظرياً، بل إنه قدم مثالا تطبيقيا.

فذو القرنين الذي آتاه الله من كل شئ سبباً فأتبع سبباً، وكان له التمكين في الأرض لأنه عرف السنن وانضبط بها: سار في الأرض وكانت مساحة رحلته من مشرق الشمس إلى مغربها، وتعرف من خلال هذا السير إلى أسباب العجز الحضاري، والتحديات والمعاناة التي تواجه البشر، وأيقن بضرورة توفير الظروف والشروط التي تكسبهم المنعة، فكان أشبه بالمهندس الذي عرف أسباب التردي، ووسائل التمكين، في الأرض، ووضع الخطط، وأشرط الأيدي العاملة، واستحضر المواد المطلوبة لإتمام عملية الإنجاز.. وقد تكون العودة إلى النص القرآني والوقوف أمام هذا الأنموذج بدون حواجز، أدعى إلى التأمل المطلوب: قال تعالى: ﴿وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ۝٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَیۡنَـٰهُ مِن كُلِّ شَیۡءࣲ سَبَبࣰا ۝٨٤ فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ۝٨٥ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِی عَیۡنٍ حَمِئَةࣲ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمࣰاۖ قُلۡنَا یَـٰذَا ٱلۡقَرۡنَیۡنِ إِمَّاۤ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّاۤ أَن تَتَّخِذَ فِیهِمۡ حُسۡنࣰا ۝٨٦ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ یُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَیُعَذِّبُهُۥ عَذَابࣰا نُّكۡرࣰا ۝٨٧ وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلَهُۥ جَزَاۤءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا یُسۡرࣰا ۝٨٨ ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ۝٨٩ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمࣲ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرࣰا ۝٩٠ كَذَ ٰ⁠لِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَیۡهِ خُبۡرࣰا ۝٩١ ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ۝٩٢ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ بَیۡنَ ٱلسَّدَّیۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمࣰا لَّا یَكَادُونَ یَفۡقَهُونَ قَوۡلࣰا ۝٩٣ قَالُوا۟ یَـٰذَا ٱلۡقَرۡنَیۡنِ إِنَّ یَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰۤ أَن تَجۡعَلَ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَهُمۡ سَدࣰّا ۝٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیۡرࣱ فَأَعِینُونِی بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُمۡ رَدۡمًا ۝٩٥ ءَاتُونِی زُبَرَ ٱلۡحَدِیدِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا سَاوَىٰ بَیۡنَ ٱلصَّدَفَیۡنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارࣰا قَالَ ءَاتُونِیۤ أُفۡرِغۡ عَلَیۡهِ قِطۡرࣰا ۝٩٦ فَمَا ٱسۡطَـٰعُوۤا۟ أَن یَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقۡبࣰا ۝٩٧﴾ (الكهف: 83-97).

إن عملية الشهود الحضاري، والقيام بالدور المطلوب على مستوى الحضارة الإنسانية، وامتلاك القدرة على تنزيل القيم في الكتاب والسنة على واقع الناس، وتقويم سلوكهم ومجتمعاتهم بها، وإبداع البرامج والأوعية لحركة الحياة، من خلال منطلقات إسلامية، واستيعاب التجربة الحضارية التاريخية والإحاطة بعلم مرحلة السيرة وخير القرون، محل القدوة والتأسي، وتحديد الموقع المناسب لواقع الحياة اليوم من مسيرة السيرة، ليتم الإقتداء المناسب، ويؤتي ثماره بعيدًا عن الحماس والادعاء، يتطلب أول ما يتطلب الشهود على الذات، أوالشهادة على الذات، أوالوعي بالذات، وإعادة المعايرة لها، والشهادة عليها، وتقويمها بقيم الكتاب والسنة، وتحديد مواطن الإصابة والخلل الذي لحق بها، والتعرف على أسبابه والسنن الذي تحكمه، وعدم الاكتفاء بالشكوى والتبرم وملاحظة الأثر والعرض، ومن ثم تـحديد الاستطاعة أوتحديد الممكن أوالمستطاع، بالمصطلح الشرعي، في هذه المرحلة.فلا نستطيع تحقيق الشهود الحضاري، لا على أنفسنا ولا على (الآخر)، إذا كان الكثير من شعب المعرفة التي يتطلبها بناء المجتمع وشهوده، وتقتضيها وظائفه غائبة ومؤذنة بتمدد (الآخر).

إن غياب فقه الاستطاعة، أوغياب فقه المحل، وعدم إدراك مواصفات الخطاب القرآني بحسب محاله، أدى إلى لون من العجز عن التعامل مع القرآن، والفوضى في إدراك خطابه… والاستشهاد به في غير محاله، أدى إلى الكثير من الضياع والبلبلة الفكرية، والكوارث الاجتماعية، والإحباطات والأزمات النفسية، كما أدى إلى العجز عن الشهود الذاتي والشهود على (الآخر) ، أوالشهود الحضاري بشكل عام.

إن ملف الشهود الحضاري هوالملف المفتوح باستمرار، على مستوى الذات وعلى مستوى (الآخر)، على حد سواء، بعد تحقق الوعي بأن الركائز الحضارية المؤهلة للحياة والاستمرار هي عالم الأفكار، ذلك أن عالم الأشياء بكل أبعاده لا يخرج عن أن يكون تجليًا لعالم الأفكار وناقلاً ومجسدًا له.

فالغياب الحضاري، الذي يتولد عن عدم وعي الذات ووعي (الآخر)  والتحقق بمعايير الشهود الحضاري، يعني الموت والخروج من ساحة الشهود.. كما أن فقدان معايير الشهود يعني السقوط والارتماء الحضاري، أوالعمى الحضاري.. إضافة إلى أن عدم وعي (الآخر)  يعطل مهمة الشهود وإلحاق الرحمة بالعالمين([1]).

     إن الإشكالية الأساس في تحقيق الشهود الحضاري، الذي يؤهل لخيرية الأمة ، وقيادة البشرية ، هي في القدرة على استصحاب قيم القرآن الكريم وحسن قراءة واقع الأمة بأبجدية سليمة ، ووعي سنني، يفهم الحاضر ويستحضر دروس الماضي ويستشرف آفاق المستقبل، أما من كان في حاضره أعمى  فهوفي مستقبله أعمى وأضل سبيلا.ولهذا فإن من مقومات الشهود الحضاري ومستلزماته أن يتحقق المسلمون بالفقه القرآني الحضاري ويتحققون بالوعي السنني.

فمن معاني تلك الشهادة: أن الشاهد لابد أن يكون عالماً بما يشهد به علماً يقنع الآخرين بالحجج والدلائل الواضحة. كما عليه أن يبينه ويظهره للآخرين. ويبلغه لمن يحتاجونه وينتفعون به. كذلك العدل والأمانة في تبليغ الشهادة، فهي من أهم صفات الشاهد المبلّغ.

 كما أن فقه السنن العمرانية يعين المسلم على فقه سنن التداول الحضاري، التي قررها القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران:140) والتي تعتبر معرفتها شرطاً أساسياً للتبصر بالعواقب، وتؤهل معرفتها إلى تسخيرها والتمكن من إنجاز الشهود الحضاري، ولا يتأتى ذلك إلا من السير في الأرض، الذي فرضه الله على المسلم بقوله: ﴿قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلُۚ ..﴾ (الروم: 42).

     فالسنن بمعنى القوانين المطردة والثابتة، التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والعالم، وتحكم حركة التاريخ، تتحكم بالدورات الحضارية، بما يمكن أن نسميه بالميكانيكا الاجتماعية.

ختاما

تبين من خلال ما سبق أن فقه سنن العمران البشري يمثل المدخل الأساسي لتحقيق الشهود الحضاري، والقيام بهذه المهمة يستوجب نقلة نوعية للعقل المسلم، تجدد مناهج التعامل مع القرآن الكريم، بما يحقق عطاءه المستمر والمتجدد.


(*) من مشروع بحث له بعنوان:  فقه سنن العمران البشري في القرءان الكريم، مدخل لتحقيق الشهود الحضاري.

الهوامش:

([1]) عمر عبيد حسنة، تقديم كتاب “نحن والحضارة والشهود” للدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، الجزء الأول.

اترك تعليق