صلاح الخالدي .. رجل الدعوة والقرآن وصاحب سيد قطب

بقلم/ د. وصفي عاشور أبو زيد

أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية

انعقد لساني عن الكلام، وكُبِّلتْ يداي عن الكتابة حين سمعت خبر وفاة العالم الجليل والداعية الرباني الكبير الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي، الذي غادر دنيانا الفانية مساء الجمعة 25 جمادى الآخرة 1443هـ الموافق 28 يناير 2022م عن أربعة وسبعين عاما، قضاها بالحكمة والموعظة الحسنة في خدمة التفسير وعلوم القرآن والدعوة إلى الله تعالى في المحافل المختلفة ووسائل الدعوة المعاصرة.

وكيف لا ينعقد اللسان وتُكبل الأيدي، وللموت هيبة وخشوع أمام رحيل الكبار، وله رهبة وخضوع أمام وفاة العظماء، من أمثال صلاح الخالدي، الذي تبكيه العيون، وتحزن عليه النفوس، وتفتقده الجامعات والجوامع، ولكنا أرق من الشعرة أمام قضاء الله وقدره، ولا نملك إلا الرضا بقضائه غير ممتنعين عن الاستجابة لدواعي النفس البشرية من البكاء حزنًا على رحيل الربانيين من أمثاله، وقليل ما هم!

بطاقة حياة

ولد الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي في مدينة جنين بفلسطين في 18 محرم 1367هـ الموافق 1 ديسمبر 1947م، وبدأ طلب العلم بحصوله على بعثة للأزهر سنة 1965م وهناك أخذ الشيخ الثانوية الأزهرية، ثم دخل كلية الشريعة وتخرج فيها سنة 1970م، ثم درس الماجستير سنة 1977م في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكانت الرسالة التي قدمها بعنوان: “سيد قطب والتصوير الفني في القرآن” وجاءت في قسمين:

 القسم الأول عن حياة سيد قطب، والثاني عن التصوير الفني في القرآن، وتمت المناقشة سنة 1980م، وتألفت اللجنة من الأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات مشرفاً، والأستاذ محمد قطب مناقشاً، والشيخ محمد الراوي مناقشاً، كما كانت رسالته للدكتوراه بعنوان: “في ظلال القرآن – دراسة وتقويم”، وحصل الشيخ بها على درجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن سنة 1984م من الجامعة نفسها، وأشرف عليها أيضاً الأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات، وناقشه الشيخ مناع القطان، والأستاذ الدكتور عدنان زرزور، ومن أبرز المشايخ الذين تتلمذ على يديهم الفقيد: الشيخ موسى السيد، أحد علماء فلسطين، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد الحليم محمود، وغيرهم كثيرون.

وعمل الشيخ في العديد من الجامعات أستاذا ومعلما ومربيا، وكان عضو هيئة علماء فلسطين، وظل يدعو إلى الله تعالى ويعلم القرآن ويبث هداياته في الناس من خلال المنابر المتعددة والمنابر والوسائل الإعلامية الحديثة المعاصرة، ويدافع عن الحق وأهله، متسلحا في هذا كله بالقرآن الكريم وهداياته وحقائقه التي كان يبثها في الناس.

مؤلفاته ومحاور مشروعه القرآني

ترك الخالدي تراثا عظيما قارب الخمسين كتابا، جلها في خدمة القرآن الكريم وتفسيره وبلاغته واستنزال هداياته من خلال دراسة موضوعات متنوعة في ضوئه وتحت رايته، وترسيخ العقيدة القرآنية في قلوب المسلمين، والدفاع عنه ضد شبهات المنحرفين ومطاعن أعدائه ومنتقديه، وخدمة الجهاد وقضية فلسطين، ويمكننا أن نوزع منجز الخالدي على المحاور الثمانية الآتية:

المحور الأول: سيد قطب وخدمة تفسيره:

تأثر الخالدي تأثراً  كبيراً بالشيخ الأستاذ سيد قطب، رحمهما الله تعالى، وكانت صلته بالشيخ صلة محبة وتلمذة، أما الصلة الشخصية فلم يكن بين الشيخ صلاح وبين الأستاذ سيد قطب صلة شخصية، إنما تتلمذ الشيخ على كتبه، حاشا أخاه محمد قطب الذي صاحبه وناقشه في رسالته للماجستير، كان يحيل عليه في كل ما يتعلق بسيد قطب، فكان الأستاذ محمد، رحمه الله تعالى، إذا سئل عن شيء يتعلق بسيد قطب يقول للناس: “اسألوا الشيخ صلاح الخالدي؛ فهو أعلم به مني”!

وإذا كان كثير من العلماء المحققين اهتموا بعَلَمٍ من أعلام الأمة ودراسة تراثه وتحقيق كتبه، مثل د. عبد العظيم الديب الذي اهتم بالجويني، ود. محمد رشاد سالم الذي اهتم بابن تيمية، ود. محمد بن الحسن السليماني الذي اهتم بابن العربي المالكي، فقد عاش فقيدنا الكبير جل حياته في ظلال كتب سيد قطب وتقريبها ودراستها، حتى إن رسالتيه للماجستير والدكتوراه كانتا – كما سبقت الإشارة – عن سيد قطب رحمهما الله تعالى، وما أنجزه من مؤلفات – في مجملها – كانت من وحي القرآن والظلال.

ومن الكتب التي ألفها عن سيد قطب وتراثه التفسيري والفكري: سيد قطب الشهيد الحي، ونظرية التصوير الفني عند سيد قطب (ماجستير)، ومدخل إلى ظلال القرآن (دكتوراه)، والمنهج الحركي في ظلال القرآن، وفي ظلال القرآن في الميزان، وسيد قطب من الميلاد إلى الإستشهاد، وسيد قطب الأديب الناقد والداعية المجاهد، والحرب الأمريكية بمنظار سيد قطب، وأمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب، وبين الإسلام الرباتي والإسلام الأمريكاني.

والحق أن بدايات الانشغال العلمي للخالدي بقطب كانت مفتاح حياته العلمية ومبعث العطاء التصنيفي والدعوي للخالدي، وهذا هو مفتاح شخصيته التأليفية إن أردنا البحث عن هذا المفتاح، فقد كان للظلال وعالم سيد قطب الرحيب أثر كبير في “منجز” الخالدي القرآني والتفسيري والدعوي فيما كتبه من كتب، وقدمه من خطب، ودبجه من مقالات، وألقاه من محاضرات، ودفعه من شبهات، حتى إنه في غالب كتبه، ومنها كتاباه الكبيران: “مع قصص السابقين في القرآن”، و”القصص القرآني: عرض وقائع وتحليل أحداث”، كان يورد في ختام كل قصة رأي سيد قطب!.

 

المحور الثاني: التفسير الموضوعي:

قدم الخالدي في مجال التفسير الموضوعي مؤلفاتٍ تستحق الدراسةَ والتحليل، وكانت ثمرةً لدراسته كتاب “في ظلال القرآن”، ولهذا نجد هذه اللفظة “ظلال” مُضمَّنةً في عدد من عناوين كتبه، ومما نشره في مجال التفسير الموضوعي: كتاب عن التفسير الموضوعي بوصفه عِلمًا من علوم التفسير وهو: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، أما الدراسات الموضوعية فمنها: الأتباع والمتبوعون في القرآن، وعتاب الرسول في القرآن: تحليل وتوجيه، ووعود القرآن بالتمكين للإسلام.

وقد تناول الخالدي هذه الموضوعات في ضوء القرآن، وفي ظل منهج التفسير الموضوعي المقرر باستقراء الآيات القرآنية المتعلقة به، ودراستها وبيان معالمها؛ مستعينا في ذلك بكتب التفسير وعلى رأسها “في ظلال القرآن” للأستاذ سيد قطب.

 

المحور الثالث: التفسير وعلومه:

ولما كان د. صلاح الخالدي متخصصًا في التفسير وعلوم القرآن فقد ضمَّن منجزه مؤلفاتٍ في التفسير وعلوم القرآن: تأليفًا وتهذيبًا، ومن ذلك: التفسير والتأويل في القرآن، وتعريف الدارسين بمناهج الفسرين، وتفسير الطبري تقريب وتهذيب “سبعة أجزاء”، وهذا الجانب من عطاء الشيخ – كما بقية الجوانب – يستحق الدراسة والتحليل والتقويم.

وقد يدخل هنا كتابه عن التفسير الموضوعي بوصفه علما من علوم القرآن، لكننا أفردنا التفسير الموضوعي وقدمناه لتميز عطاء الشيخ فيه، ولأهميته العلمية؛ إذ إنه البوابة الكبرى للتعامل النافع مع القرآن الكريم في واقعنا المعاصر.

 

المحور الرابع: الإيمان في ظلال القرآن:

تحدث الخالدي حديثا فياضًا شفافًا منيرًا عن الإيمان أو العقيدة في ضوء القرآن، وضمَّن هذا المحور لطائف قرآنية وحقائق إيمانية، وثوابت تربوية للمسلم المعاصر، ومن ذلك كتبه: في ظلال الإيمان، وثوابت للمسلم المعاصر، والخطة البراقة لذي النفس التواقة، والرسول المبلغ، والقبسات السَّنية من شرح العقيدة الطحاوية.

وهذا المحور وما تضمنه من مؤلفات يغلب عليه الجانب الوعظي والدعوي، استهدف فيه تعزيز الإيمان وتقويته لدى عموم المسلمين، وذلك لما لمسه الشيخ من حاجة ماسة للمسلمين المعاصرين إلى هذا الجانب، وهكذا يجب أن يلبي العالم المسلم حاجات زمانه، ويكون صدى لمشكلات عصره، على ضوءٍ من نور القرآن الكريم وبث هداياته في العقول والقلوب.

 

 المحور الخامس: بيان القرآن وإعجازه ولطائفه:

في هذا المحور يقدم الخالدي وجبة ثرية مشبعة للروح، ومهذبة للوجدان، ومرسِّخة للإيمان بربانية القرآن، ومؤسِّسة لمنهج التذوق للبلاغة القرآنية والتعامل السليم مع القرآن، ومما كتبه مما يندرج تحت هذا المحور: مفاتيح للتعامل مع القرآن، والبيان في إعجاز القرآن، ولطائف قرآنية، وهذا القرآن، وإعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني، والأعلام الأعجمية في القرآن: تحليل وتوجيه، ووقفات مع بعض الآيات.

وما أحوج الدعاة إلى الله تعالى اليوم إلى الإفادة من هذا المحور، والتوسع فيه، فالمسلمون اليوم بحاجة قبل أي وقت مضى إلى الرجوع للقرآن، والصدور عنه والتلقي الصحيح منه، ومدخل هذا هو هذه اللطائف القرآنية، والملامح البلاغية، والمعالم الإعجازية والبيانية، والإشارات الإيمانية.

 

المحور السادس: القصص القرآني والتاريخ الإسلامي:

ترك الخالدي إنتاجًا طيبًا في مجال القصص القرآني، مستفيدًا بدراساته القرآنية في تصنيف هذه الكتب وتبويبها وتحليلها، وبيان الفوائد الإيمانية والدروس الدعوية من خلال هذا القصص.

ومما كتبه هنا: مع قصص السابقين في القرآن “ثلاثة أجزاء”، والقصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث “أربعة أجزاء”، ومواقف الأنبياء في القرآن: تحليل وتوجيه، والخلفاء الراشدون بين الاستخلاف والاستشهاد، وسعد بن أبي وقاص: المجاهد الفاتح، وسيرة آدم : دراسة تحليلية.

وكان في هذه الدراسات مستفيدا بشكل واضح من “ظلال القرآن” لسيد قطب، كما كان يرجع ويستفيد من سائر مصادر التفسير، بالإضافة إلى بصماته الخاصة وتحليلاته المفيدة من خلال تجربته الواسعة وعلمه الفياض، وهذا من بركات التعامل مع القرآن الكريم.

 

المحور السابع: الجهاد واليهود واليهودية وقضية فلسطين:

عاش الشيخ صلاح الخالدي مسكونا بحب فلسطين والدعوة إلى قضيتها والحديث حولها والدفاع عنها، وقد دل على ذلك ما تركه من مؤلفات في هذا الجانب؛ فضلا عن محاضراته وأنشطته العلمية والدعوية والإيمانية في هذا الجانب المهم، الذي يمثل مرتكزا واضحا في منجزه العلمي ومشواره الدعوي، كيف لا وهو المولود فيها، والمترعرع على أرضها المباركة؟.

وقد تنوع عطاؤه في هذا الجانب بين مؤلفات عن الجهاد، ودراسات عن اليهود واليهودية، سواء من خلال دراسة أسفار اليهود، أو بيان رؤية القرآن الكريم عنهم وعن فلسطين، ومن ذلك “على طريقة اللف والنشر”: تهذيب فضائل الجهاد لابن النحاس، وصور من جهاد الصحابة. وجذور الإرهاب اليهودي في أسفار العهد القديم، وسفر التكوين في ميزان القرآن “جزءان”. والشخصية اليهودية من خلال القرآن: تاريخ وسمات ومصير، وحديث القرآن عن التوراة، وإسرائيليات معاصرة، وحقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية.

 

المحور الثامن: الدفاع عن القرآن:

 لا يكتمل مشروع من المشروعات حتى يبين الفكرة، ويقيم عليها الحجة، ويدفع عنها الشبهة، وقد قدم الخالدي في مشروعه القرآني والدعوي بيانا لفكرته، وأقام الحجج القرآنية الدامغة عليها، وها هو في هذا المحور يقدم ما يُكمل دائرة مشروعه في الدفاع عن القرآن وبيان حقائقه القاطعة ودحض أباطيل خصومه.

ومما كتبه في ذلك: القرآن ونقض مطاعن الرهبان، والكليني وتأويلاته الباطنية للآيات القرآنية في أصول الكافي، وتهافت فرقان متنبئ الأمريكان أمام حقائق القرآن، وتصويبات في فهم بعض الآيات.

وفاته

أصيب فقيدنا الكبير د. صلاح الخالدي بوباء العصر كورونا الذي أفقدَنا عشراتِ العلماء الكبار، وكان ابنه د. حذيفة قد نشر منشورا عن تحسن حالته الصحية من إصابته بالفيروس قبل وفاته ببضع ساعات، ولكنها – كما بدا لاحقًا- كانت إفاقة ما قبل الوفاة، فما هو إلا أن وافانا الخبر الصاعقة برحيله إلى دار الحق والبقاء؛ حيث لا ألم ولا معاناة، ولا اختبارات ولا ابتلاءات، وحيث الفرح بلقاء الشهداء والصالحين، ومنهم صاحبه سيد قطب، غير أنه برحيله خلَّف وراءه حزنًا عميقًا، وحسرة كبيرة؛ إذ تبكيه المساجد والجامعات، ويفتقده طلاب العلم والطالبات، وتشتاق إليه المجالس والحلقات، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

ظل الفقيد الكبير عالما عاملا، وداعية ربانيا، مرابطًا على ثغور القرآن وتفسيره وعلومه، وناشرًا هداياته في الناس، ومدافعا عن فلسطين وقضيتها حتى وافاه الأجل في التاريخ المذكور متأثرا بفيروس كورونا، وصلَّت الجنازة عليه جماهيرُ غفيرةٌ من أهل الأردن وغيرها بعد صلاة العصر من اليوم التالي لوفاته، يوم السبت 26 جمادى الأخرة ١٤٤٣هـ الموافق 29 كانون الثّاني “يناير” 2022م في مسجد “الفريد” فريد الخليل، في صويلح، ودفن في مقبرتها الغربية، مقابل مسجد الحاجة صابرية في المملكة الأردنية، رحمه الله تعالى وغفر له، وأنزله منازل الأبرار.

وصية أخيرة

وإذا كان هناك من وصية في نهاية هذا المقال فإنني أتوجه بها إلى فئتين:

فئة الجماهير التي أفادت من علمه ومحاضراته بأن تُقبل على كتبه وتعلمها للناس وتدرسها وتتدارسها وتنتفع بما فيها من علم وتربية وفكر وجهاد.

والفئة الأخرى هي فئة طلاب الدراسات العليا التي أطلب منها أن تدرس “المنجر” القرآني المتكامل للخالدي، فكل محور من المحاور التي ذكرناها هنا يستحق رسالة علمية، ولعل عنده من الكتب والمشروعات ما لم يكمله، وهذا واجب أسرته وعلى رأسهم ابنه البار د. حذيفة، كما أن له مسموعاتٍ كثيرةً تستحق من طلابه ومريديه العكوف عليها وتفريغها وتصنيفها ونشرها، وبهذا يكون الوفاءُ للعلماء وتخليدُ ذكراهم بنشر علمهم، فالناس موتى وأهل العلم أحياء.

اترك تعليق