علماء المغرب المعاصر وفلسطين – العلامة عبد الله كنون نموذجا

بقلم الأستاذ إبراهيم بوغضن(*)

الشيخ العلامة عبد الله كنون هو كبير علماء المغرب في القرن الماضي، اشتهر بكتابه (النبوغ المغربي في الأدب العربي) الذي أبرز فيه عطاءات المغاربة في مختلف ميادين الثقافة العربية الإسلامية خاصة في مجال الأدب، و أقام الدليل على أن المغاربة إن لم يتفوقوا على إخوانهم المشارقة فلن يكونوا أقل منهم،.
وللشيخ كنون مساهمات في التاريخ، والفكر، والفقه، والتراجم، والتفسير وغيرها. كما ترأس رابطة علماء المغرب منذ تأسيسها إلى أن توفاه الله.
ويعد واحدا من علماء المغرب المحدثين الذين طبقت شهرتهم الآفاق داخل المغرب وخارجه، فإذا ذكر المغرب ذكر عبد الله كنون، وإذا ذكر عبد الله كنون ذكر المغرب .
ولأن المناسبة شرط، و المناسبة هنا هي الحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل ومعها دول الغرب على قطاع غزة. لذلك أرى من الواجب التعريف بموقف هذا العالم الكبير من القضية الفلسطينية، بهدف تذكير الجيل الحالي من العلماء الشباب بمواقف أسلافهم القريبين، وكيف كانوا يقولون كلمة الحق لايخشون في الله لومة لائم.

ويمكن تلخيص موقفه من الصراع العربي الإسرائيلي في العناصر التالية:

أولا- فلسطين جزء من ايمان المسلم وعقيدته:

البعد الإيماني، والعقدي، و الحضاري حاضر بقوة في تصور الشيخ للصراع. يقول رحمه الله:
” رفع المسلمون شعار القدس في كل مكان، وما أحق أن يكون القدس في ضمير كل مسلم، في عقيدته، في ايمانه، في صلاته، في محل عمله، في يقظته، في يومه ، لأنه القبلة الأولى للمسلمين وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا اليها”.

ثانيا- عدم جواز زيارة القدس الشريف وهو تحت الاحتلال الاسرائيلي:

كان الشيخ واضحا وصريحا في القول بعدم جواز زبارة المسجد الأقصى وبالتبع فلسطين إلا بعد تحريره تحريرا كاملا من نير الاستعمار الإسرائيلي. يقول رحمه الله : ” وقد عطلت مع الأسف هذه الرحلة (يقصد زيارة القدس) التي لا يجوز أن تكون إلا في ولاية الاسلام وتحت حكمه المطلق “، و هذا يعني أن الشيخ كنون يرى عدم جواز التطببع مع دولة بني صهيون.

ثالثا- قضية فلسطين قضية إسلامية لا عربية فقط:

يشرح هذه الفكرة قائلا : ” إن مدينة القدس ليست للعرب وحدهم، فهي لجميع المسلمين. والعرب إنما هم حراس لها، وسدنة لحرمها، فإذا غلبوا لسبب من الأسباب فإن من الواجب أن تهب الأمة الإسلامية جمعاء للذوذ عن كيانها، وحماية بيضتها، وإلا حاق الذل والهوان في كل مكان، واعتبر استسلامها وتخاذلها وصمة عار في جبين كل مسلم، وميسم خزي يلاحقه أينمـــا حل وارتحل”.
واستدل الشيخ بالتجربة التاريخية أثناء الحروب الصليبية التي أثبتت أنه ” لم تكن هناك قوة عربية تقاتل وحدها، أو قوة تركية، أو قوة كردية مثلا، وإنما هي قوة إسلامية متكتلة ، مؤلفة من الأصول والعناصر التي تكون المجتمع الإسلامي”.
فالعرب، والترك، والكرد، والأمازبغ، والفرس، والأفغان، والهنود، كانوا كلهم جنبا إلى جنب في مقاتلة الصليبيين وتحرير القدس.

رابعا – الصهيونية صنيعة الاستعمار:

يرى الشيخ أن ” الصهيونية هي ربيبة الاستعمار، وأن الاستعمار ما هو إلا صورة جديدة من الحروب الصليبية التي شنها الغرب المسيحي في القرون الوسطى على الشرق الإسلامي قصد إخضاعه لسيطرته”. و أن الاستعمار لما طرد من البلدان الإسلامية التي استعمرها على يد حركات التحرر الوطني والإسلامي قام ب ” غرس هذا الإسفين الصهيوني الصدئ في قلب البلاد الإسلامية ليمنع اتصالها، ويشغلها عن بناء استقلالها، ويتمكن في الوقت نفسه من شفاء غليل الفلول الصليبية الذي لايشفيه إلا مواصلة حرب الإسلام، ومهاجمة المسلمين في عقر دارهم “.

خامسا: كراهية الإسلام وراء دعم الغرب للكيان الصهيوني:

يرى الشيخ أن ” التحدي السافر الذي تقابل به الدول الاستعمارية قضية فلسطين سواء بتسليحها لدولة العصابات، أو بالدعاية الصاخبة التي تنشرها لها في جميع أنحاء العالم، أو بتأييد دعاويها الباطلة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وسائر المنظمات الدولية، ليس له من تفسير إلا الكراهية للإسلام، والحقد الذي يعتلج في صدور القوم على المسلمين ” ولذلك فإن مواجهة هذا التحدي الغربي-،الصهيوني ” يجب أن يقابل بتحد مماثل من دول الإسلام قاطبة على جميع الأصعدة ” ويحذر رحمه الله من أن ” كل تهاون في ذلك إنما هو كسر لشوكة الإسلام، وحكم على دولته بالمحو من صحيفة الوجود “.

سادسا – ثالوث الشر في العالم: الاستعمار والصليبية والصهيونية:

تساءل الشيخ عن السر وراء الدعم الغربي اللامحدود للكيان الصهيوني قائلا: ” هل هو حبا في إسرائيل، وانتصافا لها من العرب والمسلمين الذين لم يسيئوا قط إلى اليهود ، ولم يلقوا منهم إلا المعاملة الحسنة، والذين آووهم لما طردهم الغربيون، وحموهم من أعدائهم في غير ما موقف من تاريخهم الطويل؟” يجيب الشيخ بقوله : ” كلا. بل هو الاستعمار بطغيانه وجبروته خرج من الباب فأراد أن يعود من النافذة. وإذا قلنا الاستعمار فيجب أن نذكر الصليبية التي هي أهم أعمدته، وأرسخ قواعده” . ولا يغفل الشيخ كنون البعد الاقتصادي والاستراتيجي في هذا الصراع لكنه يعتبره تابعا للهدف الأكير والأخطر وهو الهدف الاستعماري الصليبي. يقول رحمه الله: ” وما المصالح الاقتصادية، والمواقع الإستراتيجية وغيرها إلا تبع لها ( أي للصليبية )، وغنائم، وأسلاب تستعمل في خدمتها. وقد وجد الاستعمار في الصهيونية بغيته، وطلبته، فسخرها لتحقيق أغراضه وبلوغ أهدافه، وجعل من قضيتها قميص عثمان يدلس به على الرأي العام الدولي، ويغرر بالشعوب وبسطاء العقول. فإذا انكشفت حيله، وظهر تمالؤه لجأ إلى استعمال القوة والتدخل العسكري بحجة حفظ التوازن في المنطقة، وحماية مصالحه المهددة بزعمه الملفق المكذوب “. أليس هذا عين مايقع اليوم في الحرب على غزة؟

سابعا – عجبت من تناصرهم في الباطل وتخاذلكم في الحق:

يقول رحمه الله ” لكن العجب كل العجب ليس من وقاحة هذا الموقف الذي يتخذه الثالوث البغيض: الاستعمار، والصليبية والصهيونية. وإنما هو من تدهور موقفنا نحن المسلمين حتى حق فينا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عجبت من تناصرهم في الباطل وتخاذلكم في الحق.
إن الغرب المتحضر المتعلم لا يخجل أن يتظاهر بمسيحيته، و طائفة منه تفسر الصهيونية تفسيرا دينيا فتقف بجانبها وفاء منها لعقيدتها الفاسدة، وأخذا بنصوص التوراة المن
سوخة و المحرفة. ولكن الشرق المتخلف المختلف يخجل أن ينادى بشعار الإسلام”.

ثامنا – من طلب الموت توهب له الحياة:

يقول الشيخ : ” المسلم هو صاحب الحق، وهو الموعود بنصرة الله ليخلص بيت المقدس، والأرض التي بارك الله حولها، من يد المغتصبين و قبضة المعتدين. وإنه والله مابيننا وبين الانتصار، وكسب المعركة، إلا أن نوطن أنفسنا على الموت فتوهب لنا الحياة. فيا خيل الله اركبي، ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن كنتم تالمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لايرجون “.

تلك معالم من رؤية العلامة كنون للقضية الفلسطينية وللصراع العربي الاسرائيلي وهي رؤية مؤسسة على أنه صراع عقيدي حضاري ، صراع وجود وليس صراع حدود، وأن لغة القوة (القوة بمعناها الشامل، ماديا ومعنويا) هي اللغة التي يفهمها بنو صهيون.


(*) باحث مغربي في الفكر الإسلامي.
وانظر مجلة دعوة الحق عدد 05 /1982، ص 35 ومابعدها.

اترك تعليق