عمارة الأرض- مطلب شرعي ومسؤولية إنسانية.

عبد الله عبد الحكيم شيخ آدم

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اما بعد.
يعيش المسلمون اليوم تدهوراً وانحطاطاً وتخلّفاً في مجلات الحياة ، وصار المسلمون اليوم- مع الأسف- في ذيل القافلة، ومن أهم اسباب التدهور والتخلف، الأفكار السلبية التى ورثت الأمة في عصور الإستبداد والظلم والقهر، والتى تنظر الدنيا نظرة خاطئة وعمارة الأرض أمر هامشي لا قيمة له، وقد حصرت العبادة في زاوية المسجد وقلّلت قيمة العمل ولإنتاج.

وقد أدّت هذه الأفكار السلبية إلى ما نحن فيه من تخلف وتراجع الحضاري، ولانسحاب من الحياة، وغفلة الناس الى ضرورة الشهود الحضاري.

قال الإمام أبوحامد الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد : “نظام الدين بالمعرفة و العبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن و بقاء الحياة و سلامة قدر الحاجات من الكسوة و المسكن و الأقوات، و الأمن هو آخر الآفات، و لعمري من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه و له قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، و ليس يأمن الإنسان على روحه و بدنه و ماله و مسكنه و قوته في جميع الأحوال بل في بعضها، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، و إلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة و طلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم و العمل و هما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة، فإذن بان نظام الدنيا، أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين.”

ويقول الشيخ يوسف القرضاوي إن الإنسان المثالي في النصرانية هو “الراهب” الذي يعتزل الحياة، فلا يعمل لها، ولا يأكل من طيباتها، ولا يستمتع بزينة الله فيها، حتى الزواج يحرِّمه على نفسه.

ولكن الإنسان المثالي في الإسلام هو الذي يجمع الحسنتين، ويعمل للدارين، فيعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل للآخرة كأنه يموت غداً، كما جاء ذلك عن الصحابة.
إن الكسب والعمل الدنيوي ليس مجرد أمر مباح، بل هو مطلوب، طلب استحباب أو طلب وجوب، إذا نظرنا إلى ضرورته للمجتمع والأُمة.

عمارة الأرض مطلب شرعي:

ومن مقاصد الشرعية التى تسعى الشريعة الى تحقيقها في حياة الناس مقصد عمارة الأرض.
قد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة تؤكد هذا المقصد العظيم وتحث الإنسان بأن يؤدي واجبه نحو عمارة الارض وإصلاحها مادّيا ومعنويا، وقد هيأ الله الإنسان لقيام بهذه العمارة ، وخصّ به دون عيره من الكائنات التى تعيش على الكرة الأرضية، من مزايا وقدرات ومواهب تدفعه إلى عمارة الأرض، ثم طلب من عمارتها بعد أن هيّئ له ولذا قال تعالى:
 (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)
قال الإمام ابن العربي في أحكام القرآن: “قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب” اهـ. فالآية تؤكد وجوب عمارة الأرض.
ويقول الإمام ابن عاشور:” مِنْ أَكْبَرِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الِانْتِفَاعُ بِالثَّرْوَةِ الْعَامَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوهٍ جَامِعَةٍ بَيْنَ رَعْيِ الْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ وَرَعْيِ الْوِجْدَانِ الْخَاصِّ، وَذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ الْعَدْلِ مَعَ الَّذِي كَدَّ لِجَمْعِ الْمَالِ وَكَسْبِهِ، وَمُرَاعَاةِ الْإِحْسَانِ لِلَّذِي بَطَّأَ بِهِ جُهْدُهُ، وَهَذَا الْمَقْصِدُ مِنْ أَشْرَفِ الْمَقَاصِدِ التَّشْرِيعِيَّةِ”
وعمارة لأرض قيمة إنسانية مرتبطة بالإنسان وبوجوده في هذا الكون حتى ولو لم يكن هذا الإنسان هو الذي يستفيد منها فلا بد من أن ينتج ويكافح ويعمر.
كما جاء في حديث شريف: فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ”.
قال المناوي في هذا الحديث “مبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجئ بعدك لينتفع، وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة، وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد والتقلل من الدنيا”.

ومن تأمل هذا الحديث الشريف البليغ يجد أن هذا الحديث يحث الإنسان بأن يعمر الأرض لا لمجرد نفسه بل يعمر ليستفيد هو وجيل القادم معا وهذا عين ما نسميه الآن ” التنمية المستدامة” Sustainable
development.
وهي القدرة على تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم الخاصة.
وخصوصا يشير الحديث بمعناها الجزئي وهي ما نسميه اليوم ” الاستدامة البيئية”Environmental sustainability.
وهي التفاعل الإنسان مع البيئة على ضمان تلبية احتياجات سكان اليوم دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم.
ومن أهم الطرق التى يتم بها التفعيل الإستدامة البيئية كما يقول علماء البيئة هي الزراعة المستدامة Sustainable ag
وهي التى تحافظ النظام البيئي وايضا تحافظ الإستقرار الإقتصادي للمزارع، فيها.
ولهذا نجد هذا الحديث الشريف يأسس فلسفة التنموية مستدامة للحفاظ على البيئة ” “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ”.
وهذه الفلسفة التنموية لهذا الحديث هو الحل الأمثل للحفاظ على البيئة حتى يتم بقاء الإنسان وتعميره في الأرض واستمراريته على المدى الطويل في هذا الكون.
وقد ادّت بسوء الإستخدام الإنسان للبيئة إلى تلوث الهواء والماء وإزالة الغابات، والجفاف والفيضانات، والاضطراب البيئي، وغيرها من المشكلاة البيئية.

والعمارة الأرض لها بعدين أساسيين :
 العمارة المعنوية والعمارة المادّية.
العمارة المعنيوية :وهي أن يقوم الإنسان بترقية ذاته وتربيته نحو الخير والفضيلة والتضحية والصدق والعدالة.
فالإنسان هو الفاعل الأساسي في تعمير الأرض فبنائه تبني الأرض وبإصلاحه تصلح الأرض، وذا فسد هذا الإنسان يفسد الكرة الأرضية لامحالة، ولهذا فإن بناء الإنسان وترقية ذاته من أهم العمارة وارشدها فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ ۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
فهذه الآية الكريمة تبين لنا أنّ عمارة الإنسان، وتزكية إيمانه لا يعدله شيء حتى إعمار أفضل البقاع على الأرض.
ولذلك كانت حركة الإصلاح بقيادة الأستاذ الإمام محمد عبده تستهدف الإنسان قبل الدولة، والتربية قبل السياسة، وكان الإنسان أول إهتماماتها الإصلاحية.
اذ أنا الإنسان هو المحرّك للعمران فلا بد من تعميره قبل كل شيء، وإلا سوف يفسد في الأؤض ويهلك الحرث والنسل.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

العمارة المادّية :
العمارة المادّية هي عمارة الإنسان بالأرض من إستخراج
ثروتها من معادن والمياه والنفظ والزراعة، والصناعات وجميع أعمال الصالحة.
لقد حث الإسلام على عمل اليدوي كما جاء في الحديث:
ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ.
ولهذا إهتم علماء المسلمين- وهم مقتدون بالأنياء- منذ زمن بعيد مجال الصناعة والمهن كي يؤدّو دورهم في بناء الأمة وقيام نهضتها وحضارتها، حتى أن أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن سعيد بن إسماعيل السعدي التميمي الهروي صنف كتابًا سماه: (كتاب الصناع من الفقهاء والمحدثين).
وقد نسب كثيرون إلى حرفتهم فتجد العطّار،
والنجَّار، والقفَّال، والخبَّاز، والقطَّان، والسمَّان وغيرهم من الفقهاء والمحدثين ولأدباء.

 وأخيراً فعلى الأمة الإسلامية أن تكون هذه العمارة حاضرة في أذهانهم وأن يحيوا في ضمائرهم وأن يربّوا أبنائهم حتى نؤدّي هذه المهمّة على أفضل وجه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليق

  1. يقول حسن عبدالله:

    مقال في غاية الروعة، وبمثل هذه المقالات تنبه الأمة من غفلتها، وبشباب تذكر، استفدت كثيرا.
    جزاك الله خيرا واحسن الله مثواك، وبارك الله قلمك وعلمك وعملك.

  2. يقول Shelton:

    You’re actually a good webmaster. This website loading speed is amazing.
    It kind of feels that you are doing any unique trick. In addition, the contents
    are masterwork. you have done a wonderful job on this subject!
    Similar here: dobry sklep and also here: Bezpieczne
    zakupy