في وداع أديب الدعاة وداعية الأدباء العلامة الحبر يوسف نور الدايم

بقلم الأستاذ الدكتور عصام أحمد البشير(*)

الحزن يقلق والتجمل يردع ** والدمع بينهما عصي طيع

وأخيرا هوي النجم الساطع، وغابت الشمس المشرقة ، وطوي العلم المنشور، واندك الجبل الأشم، وترجل الفارس المعلم. مات علم الاعلام، وشيخ البيان، وداعي الخلق الي هداية الرحمن.

لقد لامني عند القبور على البكا .. رفيقي لتَذراف الدموع السوافكِ

أمِن أجلِ قبرٍ بالملا أنت نائحٌ  .. على كلّ قبرٍ أو على كلّ هالكِ

فقال أتبكي كلَّ قبرٍ رأيتَه .. لقبرٍ ثوى بين اللّوى فالدكادكِ

فقلتُ له إن الشجا يبعثُ الشجا .. فدعني فهذا كلُّه قبرُ مالكِ

رحل شيخُنا المبجّل، وحبيبُنا الأثير أبو محمد، بعد رحلة مباركة من علم نافع وعمل صالح، نشأ في بيت دين وفضل، وبيئة شاعرة ناطقة، فنسج على منوالها ودرج، ثم وافى عَلَمَ العربية وإمامَها العلامة عبد الله الطيب؛ فأفاد منه علمًا جمًّا، وحظًّا من الفضل موفورًا، وغدا خليفتَه بلا منازع، حتي وافى دراستَه العليا في أدنبرة، وجعل أطروحته حول الإمام  الطبري، وعاد أدراجه إلى جامعة الخرطوم التي بادلها ودًّا بود، وأفاء على طلابه علمًا نيّرًا وأدبًا جمًّا.

فسّر القرآنَ الكريم كاملاً في الإذاعة بالفصيح، إضافة إلى دروس السيرة النبوية في التلفاز، مع نشاط دعوي واسع في ربوع السودان الفسيح، ومشاركات علمية في مختلف الدول والقارات، وقاد ركبَ الدعوة بحكمة وبصيرة.

وقد أوتي شيخُنا سماحةً في الخلق، ورزانةً في الطبع، وتواضعًا في السجية: مُوطّأ الأكناف، مُمهّد السبيل، يألف ويُؤلف، خفيض الجناح، خفيف الظل، باسم الثغر، لذيذ المفاكهة، له إمتاع ومؤانسة، ومداعبة ومؤاخاة، وصدق ووفاء.

خلّف أسرة من كرام الأبناء البررة، الذين درجوا على مثاله، ونسجوا على منواله، وزوجةً صالحة هي أم امتثال التي كان حفيًّا بها، وكانت حفية به، كما كان ثاويًا يحمل هموم أمته ووطنه ودعوته بهمة متوثبة، وعزيمة ماضية .. إن فقد مثله جلل، ومصابه عظيم، كما قال الشاعر:

وماكان قيسٌ هُلكُه هلكَ واحدٍ ** ولكنه بنيانُ قومٍ تهدّما

وقال الآخر:

وَدِّعَا أَيُّهَا الْحَفِيَّانِ ذَاكَ الشَّـ. ـخْصَ إِنَّ الْوَدَاعَ أَيْسَرُ زَادِ.

وَاغْسِلَاهُ بِالدَّمْعِ إِنْ كَانَ طُهْرًا … وَادْفِنَاهُ بَيْنَ الْحَشَا وَالْفُؤَادِ

إن موت الأكياس هو نقص للأرض من أطرافها، ألا رحم الله شيخنا الحبيب، وأستاذنا الأثير، وصديقنا المبجل، أبا المحاسن والفضائل، أبا محمد، رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وتقبله في الصالحين، وأنزله منازل الأبرار، وأخلفه خيرا في زوجته الفضلى أسماء، وأبنائه محمد وأبي بكر وعمر وامتثال وداود وآلاء ومهاة، والأسرة الكريمة، والآل الطيبين.

اللهم نوّرْ مرقده، وطيِّبْ مضجعه، وآنِس وحشتَه، وارحم غربته، ويمّن كتابه، ويسّر حسابه، وأنزل السكينة على أسرته، وأخلفه وأهله ودعوته ووطنه والأمة خيرا، وإنا لله وانا اليه راجعون.


(*) نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو المجلس الاستشاري لمركز الشهود الحضاري للدراسات الشرعية والمستقبلية.

اترك تعليق