لمن يسأل: أينَ الله؟ ولماذا لا ينتقمُ لغزَّة؟

بقلم أدهم الشرقاوي(*)

‏روى مسلمٌ، وأحمدُ، والنّسائيُّ، وأبو داود، من حديث أبي هريرة ‏أنَّ النبيَّ ﷺجاءَه ناسٌ من أصحابه فقالوا: يا رسولَ اللهِ، نجدُ في أنفسِنا الشيءَ نُعَظِّمُ أن نتكلَّمَ به، ما نحبُّ أنَّ لنا الدُّنيا وأنَّا تكلمْنا به، فقال لهم النَّبيُّ ﷺ: أوَ قَدْ وجدتموه؟ قالوا: نعم، ‏فقال لهم النّبيُّ ﷺ: ذاك صريحُ الإيمان”.

‏الأزماتُ والفِتنُ ملعبُ الشّيطان، وفُرصتُه السّانحة ليُفسدَ على المُؤمنِ إيمانه، ويعبثُ بمقامِ اللهِ في قلبه، ونحن بشرٌ نهاية المطاف، تخفى علينا حكمة الله جلَّ في علاه في بعض الأمور، وليس لنا من الأمر إلا ما نُشاهده، وتدور في العقل أسئلة، يخاف المرءُ أن يتحدّث بها، ويدفعها بالاستغفار، وهذا ليس من نواقض الإيمان، بل من كماله، فكلما غابتْ عنكَ الحكمة فسلِّمِ الأمرَ لصاحب الأمر، هو أعدل وأرحم من أن يُراجع في قضائه، أو أن يُسأل عمّا قدَّره في ملكه، وكُلنَّا عبيدٌ في مُلكه.

‏سيقولُ لكَ الشيطانُ: أين اللهُ عمّا يجري في غزّة، ألا يغضبُ للأطفال يُنتشلون أشلاءً من تحت الأنقاض؟

‏ألا ينتقمُ للنساء تُبعثر الصواريخ أجسادهُنَّ؟

‏ما ذنبُ العجائز أن يُقتلنَ، وما ذنبُ الشُّيوخ أن يُسْحلنَ؟

‏أليس قادراً على أن يُعطّل الطائرات، ويُلجمَ المدافع؟

‏أوّلاً: هذه الدُّنيا دار امتحانٍ لا دار جزاء، واللهُ هو الذي يسألُ عبده عمّا فعلَ فيما امتحنه به، لا العبدُ هو الذي يسألُ ربّه: لِمَ امتحنتني في هذا؟ فلنتأدّبْ

‏ثانياً: إنَّ الأشياء تُؤخذُ بمحصّلتها النهائية وليس بظرفها الحالي، فلو شهدتَ فرعون يُلقي أبناء الماشطة في الزيت المغلي حتى تطفو عظامهم، ثم يُلقيها معهم حتى تطفو عظامها أيضاً، لسألتَ سُؤال العبد المُتلهّف للانتقام: أين الله؟ ما ذنبُ الأطفال أن يُقتلوا بهذه البشاعة؟ ولمَ لا يدفعُ عن هذه المسكينة؟

‏ثم ما الذي حدثَ بعدها؟ ‏فرعون أطبقَ الله تعالى عليه البحر وهو خالدٌ مُخلّد في النّار، والماشطة وأولادها شمَّ النبيُّ ﷺ ريحهم في الجنة ليلة المعراج.

‏ثالثاً: إنَّ الله سبحانه يُملي للظالم ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولكن من قال لكَ أن كلّ الظلم موعده الدُّنيا، فلمَ كان يومُ القيامة إذاً، ولأيِّ شيءٍ كان السراط والميزان والحساب، ولأيِّ شيءٍ خُلقتِ الجنّة والنّار

‏أصحاب الأخدود أُحرقوا جميعاً في الدُّنيا، وأنطقَ اللهُ تعالى الرّضيع ليقول لأمه: اثبتي فإنّكِ على الحق فخاضت غمار النّار، ‏ولم يُحدّثنا اللهُ تعالى أنه انتقمَ لهم في الدُّنيا، ولكنّه سيفعلُ هذا يوم القيامة.

‏المعاركُ ليست بنتائجها الظّاهرة، فإن ربحتَ كلّ الصراعات ثمّ أُلقيتَ في النّار فإنّك خاسر، وإن سُحقتَ وأُحرقتَ وأنتَ على الحقّ فأنتَ فائز!

‏رابعاً: لو أنفذَ اللهُ تعالى انتقامه عند كلّ ظلمٍ لانتفى مبدأ الامتحان في الدُّنيا من أساسه، ‏ولو ربحَ الحقُّ كلّ جولةٍ في صراعه مع الباطل لامتلأتْ صفوفه بعُبَّاد النّتائج، ‏ولكنَّ الله تعالى أراد هذه الدُّنيا زلزالاً للقلوب، وصاعقةً للمبادىء، ‏فإنْ لم يكُنْ عدوانٌ وإجرامٌ فكيفَ سيُمتحنُ العبادُ بفريضة الجهاد، ثمّ ينقسمون إلى مجاهدين ومتخلّفين، وإلى مُناصرين ومُخذّلين، وإلى مُنفقين في سبيل اللهِ وباخلين في سبيل الشّيطان.

‏خامساً: إنَّ مخاضَ امرأة واحدة يصحبه طلقٌ وألم ودم، هذا والميلاد طفل! فكيف بمخاض أُمّة كاملة والميلاد ميلاد عزٍّ ودولة .. ‏إنّكَ لو كنتَ في قريشٍ حين أوتدَ أبو جهلٍ لسُميّة في الأرض وربطها ثمّ أنفذَ فيها حربتَه لقلتَ كما تقول الآن: أين الله؟

‏وإني أسألكُ: فأين سُميّة الآن، وأين أبو جهل؟

‏وإنكَ وقتذاك لو رأيتَ بلالاً على رمضاء مكّة والصخرة على صدره، وأميّة بن خلفٍ يطلبُ يأمره أن يذكر اللاتَ وهُبل،  وهو يُرددُّ بما بقي فيه من نفسٍ: أحدٌ، أحد لقلتَ: أين الله الأحد؟ وإني أسألكَ الآن: فأين بلالٌ الآن وأين أُميّة؟ ‏ثمَّ وإن كنتَ لا ترى من النّصر إلا ما يكون في الدُّنيا، فأنتَ وقتذاك ما كنتَ تحسبُ أن نصراً سيأتي

ولكنك تعلمُ الآن أنّ مكّة قد فُتحت، دخلها الذين كانوا يُعذّبون فيها من أبوابها الأربعة في وضح النّهار!

‏إنَّ للرّب الحكيم توقيته في الحوادث، فإن فهمتَ فالزَمْ، وإن لم تفهَمْ فسلِّمْ.


(*) كاتب فلسطيني، ولد ونشأ في مدينة صور اللبنانية، حاصل على دبلوم تربية رياضية من كلية التربية، وإجازة وماجستير في الأدب العربي من الجامعة اللبنانية في بيروت.

اترك تعليق

  1. يقول فاتن:

    جزاك الله خيرا

  2. يقول ساعد هزيل:

    بوركت وبوركت أناملك
    حبذا لو ختمت المقال ب: هذاه بعض ماعرفنا من حكم من فعل الله فماذا فعل أنت يامسلم

  3. يقول أبو سناء:

    السلام عليكم ، المقال مهم لمن لم يدرك حقيقة الابتلاء في الدنيا ، إخواننا هناك هم في بلاء وكرب عظيمين ، والبلاء الذي نحن فيه أننا نرى إخواننا إما أنهم يموتون بالآلة الحربية اليهودية أو يموتون بالجوع ولا نحرك ساكنا ، لابد من فك القيود ، لابد من المقاومة بشتى أنواعها ، ومن ضمنها التفكير في المقاومة المسلحة، كنا ننتظر من العلماء العاملين في الحركة الاسلامية أن يتحركوا فعلا لا قولا ، العز بن عبد السلام حينما تحرك كان تحركه ميداني لا خطب رنانة ، مازال موقف العلماء خطاب أقوال – وإن كان مهم –

  4. يقول Youssef Halim:

    جزاك الله خير الجزاء يا ابن غزة .والله اضن هده المعركة لا يقد عليها الا ابناء غزة .فاللهم انصر ابو عبيدة واخوانه على الصهاينة

  5. يقول Bouazza messaouda:

    صدقت بارك الله فيك

  6. يقول سفيان:

    بارك الله فيك أخي الفاضل على هذا الكلام الطيب. نسأل الله لاخواننا في غزة و فلسطين نصرا عزيزا.

  7. يقول شكرا لك احسنت:

    احسنت

  8. يقول عصام الدين:

    اول مرة اقرأ اجابة مقنعة على هذا السؤال