العقل .. بين استمداد التجربة والعودة للبعد الأول

بقلم د. محمد أكرم الندوي(*)

ليس أدلَّ على غرابة الإنسان من أن يظن أن المعرفة بضاعة يملكها، والحق أن المعرفة هي التي تمتلكه. يتحدث الإنسان عن إدراكه المعرفي كما يتحدث عن المال أو المتاع، فيقول: نضجتُ عقلا، أو ازددتُ علماً، أو حصَّلتُ معرفةً، أو جمعتُ من الخبرة ما لم أجمع من قبل، كأن العقل وعاءٌ تُلقى فيه الحقائق فتزداد عدداً، ويبقى الوعاء على حاله لا يتغير. ولو كان الأمر كذلك، لما كانت للمعرفة تلك الهيبة التي صحبتها في تاريخ الإنسانية، ولما كان لها ذلك السلطان الذي بدَّل وجوه الحضارات، وأقام أمماً، وأطاح بأخرى، ولما كانت الحقيقة سبباً في سعادة بعض الناس وشقاء آخرين.
إن المعرفة ليست شيئاً يُضاف إلى العقل، وإنما هي حادثةٌ تقع فيه، بل لعلها حادثةٌ تقع له. إنها لا تزيده كما يزيد الماء في الإناء، وإنما تعيد تشكيله من داخله، حتى يغدو غير الذي كان، وإن بقي صاحبه هو هو في أعين الناس. وما أكثر ما يخدعنا ثبات الأسماء، فنحسب أن الإنسان الذي خرج من تجربةٍ عميقة هو الإنسان الذي دخلها، وليس بين الاثنين إلا اشتراكٌ في الاسم والملامح، أما النفس فقد تجاوزت صورتها الأولى، والعقل قد لبس هيئةً لم يكن يعرفها من قبل.

ولعل الناس جميعاً يمرون بالأحداث نفسها، ولكنهم لا يخرجون منها جميعاً بالإنسان نفسه. فالحادثة لا تُنشئ المعرفة بذاتها، وإنما تنشأ المعرفة حين يلتقي الحدث بعقلٍ قادرٍ على التأمل، وبنفسٍ مستعدةٍ لأن تراجع نفسها، وأن تهدم بعض ما ألفته لتبني مكانه فهماً أرحب.

ولهذا كانت التجربة في حقيقتها ليست ما يقع للإنسان، وإنما ما يصير إليه الإنسان بعد الذي وقع. فقد يشهد اثنان المشهد الواحد، ويقرآن الكتاب نفسه، ويعيشان المحنة ذاتها، ثم يخرج أحدهما كما دخل، ويخرج الآخر وقد تبدلت علاقته بالعالم كله.
وهنا يبدأ التحول الذي لا يكاد يلتفت إليه الناس. فإن العقل، متى رأى رؤيةً جديدة، لا يضيف إلى خزانة معلوماته حقيقةً أخرى فحسب، بل يُعيد ترتيب الحقائق كلها. فما كان هامشاً يصبح أصلاً، وما كان يقيناً يغدو موضع سؤال، وما كان يبدو بسيطاً ينكشف عن طبقاتٍ من المعاني لم تكن تخطر على بال. وليس هذا اضطراباً في الفكر، بل هو علامة حياته؛ لأن الفكر الذي لا يراجع نفسه ليس فكراً، وإنما هو عادةٌ لبست ثوب العقل.
ومن أجل ذلك كانت المعرفة الصادقة شاقةً بطبيعتها؛ لأنها لا تُرضي غرور الإنسان، بل تجرحه. إنها لا تُقنعه بأنه قد بلغ، وإنما تُريه اتساع الطريق الذي لم يقطعه بعد. وكل أفقٍ ينفتح أمامه يكشف له أن وراءه آفاقاً أخرى، حتى ليخيل إليه أحياناً أنه كلما ازداد علماً ازداد جهلاً. وليس هذا تناقضاً، بل هو من أصدق قوانين المعرفة؛ لأن الجاهل لا يرى إلا حدود ما يعرف، أما العارف فيرى، مع ما عرف، ما لا يزال مجهولاً.
ولهذا كان الشك، في أرقى صوره، ليس نقيض الإيمان، وإنما نقيض الغرور. إنه ليس شكاً يهدم من أجل الهدم، ولا ريبةً تتلذذ بالإنكار، وإنما هو ذلك التواضع العقلي الذي يمنع الإنسان من أن يجعل آخر ما وصل إليه نهايةً لما يمكن أن يصل إليه. وما من حضارةٍ جمدت إلا حين توهمت أنها قالت الكلمة الأخيرة، وما من عقلٍ مات إلا حين ظن أن رحلته قد انتهت.

ولعل أخطر ما تصنعه المعرفة أنها لا تغير العالم، بل تغير الناظر إلى العالم. فالجبال تبقى في أماكنها، والبحار تجري كما كانت تجري، والسماء تظل مرفوعةً فوق الرؤوس، ولكن الذي تبدل هو العين التي ترى، والعقل الذي يفسر، والقلب الذي يمنح الأشياء معناها. ومن هنا لا يكون العالم الذي نعيش فيه عالماً واحداً، بل عوالم بعدد العقول التي تدركه. فليس الاختلاف بين الناس في الأشياء وحدها، وإنما في الصورة التي تُولدها الأشياء في ضمائرهم.

ولهذا أيضاً كان الوهم الأكبر أن يظن الإنسان أنه يستطيع أن يعود إلى ما كان عليه قبل أن يعرف. قد يعود إلى المكان الذي غادره، وإلى البيت الذي نشأ فيه، وإلى الطريق التي طالما سلكها، وقد يقرأ الكتاب الذي قرأه في شبابه، أو يلقى الصديق الذي عرفه منذ أعوام، ولكنه لا يعود أبداً إلى العقل الذي كان يحمله وهو يفعل ذلك أول مرة. فالزمن لا يغير الأشياء وحدها، وإنما يغير من ينظر إليها، فإذا تغير الناظر، استحال أن تبقى الرؤية على حالها.

إننا نُخطئ حين نتصور أن الماضي مكانٌ نرجع إليه. فالماضي ليس وراءنا، بل هو فينا. إنه لا يعيش في الأيام التي انقضت، وإنما يعيش في الكيفية التي غيَّرت بها تلك الأيام بناء وعينا. إن التجربة الصادقة لا تترك ذكرى فحسب، بل تترك تركيباً جديداً للنفس، حتى تصبح جزءاً من الطريقة التي نفهم بها أنفسنا، ونفهم بها غيرنا، ونفهم بها هذا الوجود الذي لا يكف عن كشف وجوهه الجديدة لمن يملكون شجاعة النظر.

ولعلنا نُخطئ كذلك حين نظن أن الإنسان هو الذي يطلب الحقيقة دائماً؛ فالحقيقة أيضاً تطلب أصحابها، فإذا ظفرت بعقلٍ قادرٍ على احتمالها لم تخرج منه كما دخلت، وإنما أقامت فيه، ثم أخذت في صمتٍ تُعيد ترتيب أشيائه كلها. وليس أعجب في المعرفة أنها تكشف لنا العالم، وإنما أعجب منها أنها تكشف لنا جهلنا بالعالم، ثم تكشف لنا – بعد ذلك – جهلنا بأنفسنا. ولذلك كان الحكماء أقل الناس ادعاءً للعلم، لأنهم كانوا أكثرهم شعوراً بأن كل جوابٍ صادق ليس نهاية السؤال، وإنما مولد سؤالٍ آخر أشد عمقاً وأبعد غوراً.
ومن هنا كانت التجربة الصادقة أشبه بالبذرة التي تُلقى في الأرض. لا يراها الناس بعد حين، فيحسبون أنها قد فنيت، وهي في الحقيقة قد تحولت إلى جذورٍ تمتد في الخفاء، ثم إلى ساقٍ يعلو، ثم إلى أغصانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يردها إلى صورة البذرة الأولى. وكذلك العقل؛ لا يتسع لأنه يضم أفكاراً أكثر، بل لأنه يفقد الصورة التي كان عليها. فهو لا يزداد عدداً، وإنما يزداد وجوداً.
وليس معنى هذا أن المعرفة تمنح الإنسان راحةً أو طمأنينة، بل لعلها تحرمه منهما زمناً طويلاً. فهي تقتلع من النفس يقينياتها الساذجة وقطعياتها البسيطة قبل أن تهبها يقيناً أعمق وصدقا أوفق، وتهدم أوهامها قبل أن تبني لها فهماً أصلب. ولذلك كان أكثر الناس قرباً من الحقيقة أكثرهم احتمالاً للقلق؛ لأنهم أدركوا أن الاطمئنان الذي يقوم على الجهل ليس فضيلة، وأن السكينة التي تولد من الوهم ليست سلاماً، وإنما هدنةٌ قصيرة بين وهمين.
ولعل الإنسان لا يُقاس بما جمع من المعارف، ولا بما حفظ من الكتب، ولا بما استطاع أن يردده من الآراء، وإنما يُقاس بمقدار ما غيَّرت المعرفة من صورة نفسه. فإن بقي بعد العلم كما كان قبله، فما عرف إلا ألفاظاً تتردد على لسانه؛ وإن تبدلت نظرته إلى الوجود، وإلى الناس، وإلى نفسه، فقد بدأ يعرف، وإن لم يبلغ من المعرفة إلا أول الطريق.
وهكذا لا تكون استحالة العودة قانوناً من قوانين الفكر وحده، بل قانوناً من قوانين الوجود الإنساني نفسه. فما إن يرى العقل رؤيةً صادقة، حتى يفقد حقه في أن يكون العقل الذي كان. وليس ذلك لأن الماضي قد انمحت آثاره، بل لأن الإنسان الذي كان يستطيع أن يعود إليه لم يعد موجوداً. لقد خلفته المعرفة وراءها كما يخلف الفجر ظلمة الليل؛ وقد يبقى من الظلام شيءٌ في أطراف الأفق، ولكن النهار، متى بدأ، لا يعرف الرجوع.
ومن أجل ذلك لا تكون التجربة الصادقة صفحةً تُضاف إلى كتاب الحياة، وإنما تكون إعادةً لكتابة الكتاب كله. فهي لا تزيد الإنسان شيئاً فحسب، بل تعيد تعريفه، ولا تمنحه حقيقةً جديدةً فحسب، بل تمنحه نفساً جديدةً ترى ما لم تكن ترى، وتسأل عما لم تكن تسأل، وتفهم ما لم تكن تستطيع أن تفهمه. وعندئذٍ يصبح الرجوع إلى الأبعاد الأولى للعقل أمراً لا تمنعه الإرادة، بل تمنعه طبيعة الوعي نفسها؛ لأن الوعي، إذا استيقظ حقاً، لا يعرف النوم الذي كان يعرفه من قبل، والعقل، إذا تمدد بتجربةٍ جديدة، لا يعود إلى أبعاده الأولى.


(*) أحد كبار علماء شبه القارة الهندية، وعميد الشؤون التعليمية وأستاذ في كلية كامبريدج الإسلامية، وأستاذ في معهد السلام بأوكسفورد ولندن، وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.