بقلم أ.د. فتحي حسن ملكاوي(*)

شاعت في الأردن مناسبات الدعوات الاجتماعية إلى ما يسمى “الجاهة” حيث يجتمع فريق من أهل الرجل الخاطب، مع فريق من أهل الفتاة المخطوبة، وتتولى شخصية من الفريق الأهل طلب يد الفتاة، وتتولى شخصية من الفريق الثاني تلبية الطلب، ويتحدث كل منهما بما يراه مناسباً من حديث اجتماعي أو سياسي، وتتكرر في هذه المناسبات الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويقولون: فلان طلب وفلان أعطى. ثم تُقرأ الفاتحة، ثم تُشرب القهوة، وتُقدّم حلوى الكنافة، ثم ينفضّ الجمع.
وقد طلب إليّ في إحدى هذه المناسبات أن أكون المتحدث الذي يطلب، فاجتهدت في الربط بين دلالات خمس آيات من القرآن الكريم، تتعلق بطبيعة الخلق الإنساني في سياق حكمة الله سبحانه في البناء الاجتماعي المتكامل، الذي تتكامل فيه شخصية الفرد الإنساني وهذه الآيات، هي:
1. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13)،
2. وقوله سبحانه: ﴿ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)،
3. وقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (الفرقان:(54،
4. وقوله جلّ شأنه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (النحل: 72)،
5. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ (الشورى: 49-50).
وقد فهمت من هذه الآيات ترابطاً بنيوياً يختص بالنمو الطبيعي المكتمل لشخصية الفرد الإنساني. ويتجلى هذا الترابط في الآيات القرآنية الخمس، من تأكيدها أنَّ شخصية الفرد الإنساني؛ ذكراً أو أنثى، لا تكتمل إلّا بتحقق مضامين هذه الآيات مجتمعة، وهي: وجود الذكر والأنثى بخصائص متمايزة عن بعضها في طبيعتها البشرية ووظيفتها في الحياة، في جميع الشعوب والقبائل؛ ولقاء الذكر بالأنثى بعقد الزواج، الذي يتحقق فيه النسب المتصل بالرجل، والصهر المتصل بالمرأة، وقد يكون ذلك بين أسر مختلفة، من قبائل مختلفة، أو من شعوب مختلفة، مما يؤكد هدف التعارف من اختلاف الشعوب والقبائل؛ ثم ما يكون نتيجة الزواج من جيل الأبناء والبنات، ثم من جيل الأحفاد (أولاد وبنات الأولاد) والأسباط (أولاد وبنات البنات).
وأي نقص في حياة الرجل أو المرأة في هذا الترابط في الوجود الإنساني، قد يؤثر في عدم اكتمال الشخصية الإنسانية بتمامها. وتشير هذه الآيات مجتمعة إلى الأسرة الممتدة، التي يكون فيها الآباء والأمهات، والأبناء والبنات والأحفاد، والأجداد والجدّات، والأعمام والعمَّات، والأخوال والخالات، وما يستجد من هؤلاء من ذرية. فهذه هي الصورة المثالية التي يرسمها الله سبحانه للوجود البشري، وهي الظاهرة المشهودة في حياة البشر يوم تتواصل علاقات الناس في المجتمع بقيم الرحم والقربى. وهي الحالة التي تكتمل فيه شخصية الإنسان في نموّها وتوازنها العقلي والنفسي والعاطفي. وأي نقص يقدّره الله للإنسان عن هذه الحالة الطبيعية، فربما يترك ثغرة في الخبرة النفسية لديه، من جانب ذلك النقص. وفي ذلك شواهد قد يدركها من يجد نفسه في أي حالة من هذه الحالات، ويكتشفها من يحاول التأمل في شخصيات معارفه.
ومع ذلك فلا بد من الوعي بأنَّ لله سبحانه حكمةً فيما يخلق ويقدِّر، وقد يبتلي الله فرداً بنقص في شيء من ذلك، فيكون له أولاد دون بنات، أو بنات دون أولاد، أو لا شيء من ذلك؛ وقد لا يشهد الأولاد جدَّاً أو جدَّة لأبيهم أو أمُّهم، أو عمَّاً أو خالاً؛ وقد لا يشهد الرجل أحفاده، … فما على مثل هذا الفرد إلا الصبر والاحتساب على هذا الابتلاء، ليكون جزاء صبره من الثواب ما يقدّره الله سبحانه له. وأيّة حالة يقدر الله سبحانه فيها نوعاً من النقص في حياة الإنسان، في أي من عناصر هذا الترابط والتكامل، فإنَّ ذلك لا ينقص من مسؤوليته عن سعيه في هذه الحياة، ولا يجعله أقل شأناً من غيره، وربَّما يعوِّض الله النقص في أمر بزيادة في أمرٍ غيره.
والله أعلم.
(*) دكتوراه في التربية العلمية وفلسفة العلوم، تربوي وأستاذ جامعي أردني، مستشار في المعهد العالمي للفكر الإسلامي. البريد الإلكتروني: fathihmalkawi@gmail.com


