ثلاثون عامًا على رحيل أديب الدعوة: محمد الغزالي الذي بقي حيًّا في ضمير الأمة

بقلم/ د. وصفي عاشور أبو زيد(*)

تمرّ الأيام على بعض الناس فتطويهم، وتمرّ على بعضهم فتزيدهم حضورًا، كأن الزمن لا يمحو أسماءهم بل يكشف عن معادنهم، ويعيد في كل عام تقديمهم للأجيال في صورة أنقى وأصفى وأبقى.

ومن هذا الطراز الرفيع كان الشيخ محمد الغزالي السقا المصري رحمه الله؛ فإن ثلاثين عامًا على وفاته لم تُبعده عن الذاكرة، بل قرّبته من الوجدان، ولم تُطفئ صوته، بل جعلت كثيرًا من القضايا التي نادى بها أشدّ إلحاحًا، وأكثر احتياجًا إلى من يستعيدها بعقل منصف وقلب وفيّ.

إننا حين نذكر الغزالي اليوم لا نستدعي رجلًا من الماضي بقدر ما نستدعي مشروعًا لم يفقد راهنيته، وروحًا إصلاحية ما تزال تبعث في الأمة سؤالها المؤجَّل: كيف يعود الإسلام إلى الحياة هاديًا وبانيًا ومصحِّحًا ومحرِّرًا؟

لم يكن الشيخ محمد الغزالي من أولئك الذين اكتفوا بأن يكونوا خطباء منابر، أو أصحاب كتب تُرصّ في الرفوف، أو وعّاظًا يُحسنون البكاء على الأطلال؛ بل كان رجل رسالة مكتملة العناصر، عاش للإسلام فكرًا وشعورًا وكلمةً وموقفًا، وحمل همَّه في قلبه حتى صار الإسلام عنده ليس موضوعًا للحديث، بل جوًّا يحيط بحياته كلها، ويصوغ رؤيته للإنسان والمجتمع والدولة والحضارة، ولأجل ذلك لم يكن حضوره في ساحة الدعوة حضورًا عابرًا، وإنما كان حضور مدرسة لها لغتها الخاصة، وحرارتها الخاصة، ومنهجها الخاص في القراءة والنقد والبناء.

رجل لم يكن يدعو إلى الإسلام من خارجه، بل من داخله

الذي يقرأ في سيرة الشيخ محمد الغزالي، أو يتأمل آثاره الفكرية والدعوية، يخرج من فوره بأن هذا الرجل لم يكن يتعامل مع الإسلام بوصفه شعارًا يُرفع، ولا عنوانًا يُستثمر، ولا هويةً جامدة تُكرَّر في الخطب والكتابات، بل كان يراه حقيقةً حيةً ينبغي أن تنفذ إلى مجامع القلوب، وأن تنتظم شؤون الحياة، وأن تُصلح خراب النفس والعمران معًا، فكان يدرك أن الدين إذا حُبس في زوايا الوعظ الضيقة، أو فُصل عن قضايا الإنسان الكبرى، أو تحوّل إلى معارك هامشية تلتهم طاقات الأمة، فقدَ كثيرًا من أثره الذي أُنزل من أجله.

ومن هنا جاءتْ دعوتُه مشدودة إلى الكليات الكبرى، متجهة إلى لباب الإسلام لا إلى قشوره، حريصة على أن يبقى الدين قوة تحرير وبناء وهداية، لا وسيلة تخدير أو إلهاء أو صراع أجوف؛ ولذلك أحسّ الناس عنده بشيء نادر: أحسّوا أن هذا الشيخ لا يتكلم عن الإسلام كما يتكلم الباحث عن موضوعه، بل كما يتكلم المؤمن عن روحه، وكما يتكلم الطبيب عن دواء يعرف موضع الداء، وكما يتكلم المجاهد عن أرض يدافع عنها لأنها وطنه الأعمق.

من نكلا العنب إلى آفاق الأمة

خرج الشيخ من بيئة ريفية مؤمنة في قرية نكلا العنب بمحافظة البحيرة، وحمل معه من تلك النشأة صفاء الفطرة، وقربه من القرآن، وخشونة الصلة بالحياة الواقعية للناس؛ حيث حفظ القرآن مبكرًا، وتربّى على العلم الأزهري، ثم انفتح في القاهرة على آفاق أوسع من الفكر والدعوة والحركة، وفي تلك السنوات المبكرة بدأت ملامح شخصيته تتكوّن: عقل أزهري منضبط بالأصول، ولسان أدبي رشيق، وحسّ اجتماعي نافذ، وروح دعوية مشتعلة، واتصال وثيق برجال النهضة الإسلامية في عصره، وفي مقدمتهم الإمام حسن البنا.

وقد كان لاجتماعه بحسن البنا أثر ظاهر في توجيه طاقته نحو ميدان الدعوة العامة، لا بوصفها وظيفة خطابية، بل باعتبارها مشروعًا لتربية الأمة وإيقاظها وإعادة صلتها بدينها، وهنا بدأ قلمه يلمع، وظهر فيه ما جعل البنا نفسه يعجب بعبارته، ويستشرف له شأنًا في ميدان الكتابة، ولم يكن ذلك الإعجاب بمحض البلاغة اللفظية، بل لأن الغزالي كان يمتلك من البداية قدرة نادرة على جمع حرارة الإيمان إلى وضوح الفكرة، وجزالة العبارة إلى إصابة المعنى، فجاءت كتابته كتابة مؤمنٍ يفكر، ومفكرٍ يحترق، وأديبٍ يقاتل.

أديب الدعوة الذي جعل القلم سلاحًا

ولعل من أدق الأوصاف التي لزمت الشيخ محمد الغزالي وصفه بأنه “أديب الدعوة”؛ ذلك أن الرجل لم يكن كاتبًا تقليديًّا يراكم المعلومات، ولا صاحب أسلوب متكلّف يزخرف العبارات، بل كان بيانه جزءًا من رسالته، وسلاحًا من أسلحته، وجسرًا يصل به إلى العقول والقلوب معًا .. كان إذا كتب أحسست أن العبارة عنده ليست مجرد بناء لغوي، بل طاقة نفسية وفكرية مشحونة، وأن الكلمة تخرج من عنده محملة بموقف، لا بمدلول معجمي فحسب؛ ولهذا كان يقرأه الناس فلا يقفون عند جمال الأسلوب وحده، بل يتجاوزونه إلى رجفة الفكرة وحيوية الرسالة.

كان إذا غضب للحق جاءت عبارته كالسيل، وإذا أراد التشخيص جاءت كالمِشْرط، وإذا أراد التربية جاءت كالماء الزلال، وكان من أسرار أثره أنه لم يجعل الأدب غايةً مستقلة، بل سخّره لخدمة المعنى الإسلامي الكبير؛ فصار البيان عنده خادمًا للهداية، وصار الجمال اللغوي عنده بابًا إلى الإقناع والتزكية والتصحيح، وهذه خصيصة قلّ أن تجتمع لكاتب معاصر؛ لأن كثيرًا من أهل البيان يفتنون بالصنعة، وكثيرًا من أهل الدعوة يضعف بيانهم عن حمل فكرتهم، أما الغزالي فقد جمع بين الأمرين جمعًا جعله واحدًا من أكثر الكتّاب الإسلاميين تأثيرًا في الوجدان العام.

العدل الاجتماعي: معركته الأولى في وجه القسوة البشرية

من الظلم أن يُختزل الشيخ محمد الغزالي في معاركه مع العلمانية أو في سجالاته الفكرية المشهورة فحسب؛ لأن من أظهر سمات مشروعه المبكر حسّه الاجتماعي الحاد، ووعيه المبكر بأن الدين لا يُقدَّم للناس في فراغ، ولا يُطلب من الجائع أن يتذوق المعاني العالية وهو مسحوق تحت ثقل الحاجة، ولا من المقهور أن يسمع خطاب الفضيلة وهو محاصر بمشاهد الظلم الفاحش والامتيازات الطبقية القاسية .. لقد شعر الغزالي مبكرًا أن من واجب الدعوة أن تتصل بآلام الناس الحقيقية، وأن تنحاز إلى الكرامة الإنسانية، وأن تقاوم الأوضاع التي تجعل فريقًا يكدح ويُستنزف، بينما يسبح آخرون في ترف لا يسنده عمل ولا يستحقه جهد.

ومن هنا جاءت كتبه الأولى في الاقتصاد والاجتماع، لا على سبيل التخصص التقني البارد، بل بوصفها امتدادًا طبيعيًّا لفهمه الشامل للإسلام، فكان يرى أن الإسلام ليس مجرد عبادات فردية تُؤدّى في المعابد، بل نظام قيم وعدل وتكافل، وأن من الخيانة للدين أن يُترك ميدان الاجتماع والاقتصاد نهبًا للنظريات المادية أو للاستغلال البشع، ثم يُطلب من الخطباء أن يعالجوا خراب النفوس وحدها، وهذه الرؤية المبكرة تكشف عن سعة أفقه؛ إذ فهم أن الإصلاح الديني الحق لا ينفصل عن الإصلاح الاجتماعي، وأن الدعوة التي لا تشعر بجراح الفقراء والمظلومين معرضة لأن تتحول إلى خطاب معزول عن الحياة.

الإسلام دين حياة لا ركن معزول في زوايا الوجود

ومن هنا نفهم سرّ معركته الطويلة مع الاتجاهات التي أرادت فصل الإسلام عن الحياة العامة، وتصويره على أنه علاقة روحية مجردة لا صلة لها بشؤون الحكم والمجتمع والتشريع والعمران، فلم يكن الغزالي في هذا الباب يخاصم لفظًا بقدر ما كان يخاصم مشروعًا، مشروعًا يريد أن يسلب الأمة مرجعيتها، وأن يجعل الوحي غريبًا في ميدانه الطبيعي، وأن يصادر على الإسلام حقه في توجيه الحياة؛ ولذلك لم يكن ردّه على بعض الطروحات الفكرية ردًّا عاديًّا، بل كان استشعارًا لخطر عميق يتهدد هوية الأمة من من أطرافها بل من صميمها.

وكانت معركته مع كتاب “من هنا نبدأ” وما تفرع عنها من كتابه “من هنا نعلم” واحدةً من أبرز اللحظات الكاشفة عن شخصيته الفكرية؛ إذ ظهرت فيها صلابته في الدفاع عن شمول الإسلام، وقدرته على المجادلة بالحجة، وإيمانه بأن الأفكار المنحرفة لا يكفي أن يُستنكر أثرها، بل يجب أن تُناقش من أصولها وأن يُكشف ما تنطوي عليه من مصادرة لحق الإسلام في قيادة الحياة، ولم يكن الشيخ في ذلك كله متعصبًا لشخصه، بل منحاز إلى الفكرة التي يراها حقًّا، فإذا تبيّن له لاحقًا رجوع خصمه إلى الصواب ذكر ذلك، وأقرّ به، ولم تمنعه حرارة المعركة من الإنصاف، فقد كان داعية ربانيًّا، وعالمًا أوابًا.

خصومة للعلمانية… ولكن من أجل إنقاذ الإنسان لا لإدامة الضجيج

والحق أن قيمة موقف الشيخ من العلمانية لا تكمن في مجرد الهجوم عليها، فإن الهجوم اللفظي أمر يقدر عليه كثيرون، وإنما تكمن في أنه كان يقرأ آثارها في الواقع: في التشريع، وفي التربية، وفي صورة الإنسان، وفي اختلال العلاقة بين الأمة وقيمها، فلقد رأى أن عزل الدين عن المجال العام ليس موقفًا فكريًّا محايدًا، بل هو إجراء خطير يغيّر هوية المجتمع، ويقلب موازينه، ويجعل المرجعية النهائية للأهواء والمصالح الغالبة، ومن ثمّ كانت خصومته لهذا المسلك خصومة من يريد أن يحمي المجال الإسلامي من التفريغ، ويحمي الإنسان من العبث، ويحمي الأمة من الانسلاخ.

ومع ذلك لم تكن لغة الغزالي في هذا الباب دائمًا لغةً جامدة أو مدرسية، بل كانت لغة من شعر بأن المعركة حقيقية، وأن الكلمة إذا خفّ توترها خفّ أثرها؛ ولهذا خرجت كتاباته في كثير من الأحيان مشحونة بقوة وجدانية، تدل على أنه لم يكن يكتب من برج عاجي، بل من قلب الميدان، ومن إحساس حي بأن الإسلام يُزاحم ويُستبعد ويُتّهم، وأن واجب العالم حينئذٍ أن يكون في الصف الأول، لا أن يلجأ إلى الصمت المريح أو الحياد البارد.

ناقد التدين المغشوش: معركة الداخل التي لا يقل خطرها عن معركة الخارج

وإذا كان الشيخ قد عرف بصلابته مع خصوم الإسلام من خارجه، فإن عظمته تتجلى كذلك في شجاعته مع الاختلالات التي تقع في ساحة المتدينين أنفسهم، وهذه سمة فارقة في شخصيته؛ لأنه لم يُرد للدعوة أن تختبئ خلف شعار الدفاع عن الدين، ثم تغض الطرف عن صور من التدين المغلوط الذي يشوّه الدين من داخله .. لقد رأى أن الأمة لا تتضرر من العداء الصريح وحده، بل قد تتضرر أيضًا من الفهم السقيم، ومن الاشتغال بالصغائر على حساب الكبائر، ومن تضخيم الجزئيات حتى تُنسى المقاصد، ومن تقديم صورة عن الإسلام تنفّر الناس بدل أن تهديهم.

ولهذا جند قلمه في سنوات كثيرة لكشف هذا اللون من التدين المغشوش، لا شماتة بأهله، بل رحمةً بالدين الذي يُساء تمثيله، ورحمةً بالناس الذين يُقدَّم إليهم الإسلام في صورة ضيقة قاسية أو سطحية مضطربة، وكان في هذا الباب شديد الإحساس بالمقاصد الكبرى للدين، حريصًا على أن تبقى دعوة الإسلام متوازنة، جامعة بين الظاهر والباطن، وبين الفقه والروح، وبين أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وبين الحرفية المنضبطة وفقه المآلات؛ ومن هنا جاء أثره العميق في أجيال من القراء والدعاة الذين وجدوا عنده إسلامًا واسع النفس، قوي الحجة، بعيدًا عن الجفاء والاختزال.

شجاعة الموقف: حين يقف العالم وحده ولا يساوم

وللشيخ محمد الغزالي صفحات ناصعة في ميدان المواقف العامة، تؤكد أن فكره لم يكن فكرًا مكتبيًّا منفصلًا عن الحياة، بل كان فكر رجل يدفع ثمن كلمته، ويتقدم حين يتراجع كثيرون، ويجهر بما يراه حقًّا ولو كلّفه ذلك سخرية الأقلام، وضيق السلطة، وتربص الخصوم، وقد ظهرت هذه الشجاعة في غير موضع، ومن أشهرها موقفه في مؤتمر القوى الشعبية سنة 1962م، حين دعا إلى استقلال الأمة في تشريعها وتميزها في شخصيتها، في زمن كانت فيه أصواتٌ كثيرة تتزاحم في تمجيد التبعية والتغريب باسم التقدم.

ذلك الموقف لم يكن مجرد كلمة في مؤتمر، بل كان إعلانًا عن معدن الرجل؛ إذ وقف في وجه الجو العام، غير هيّاب من حملات السخرية التي استهدفته، ولا من التهكم الذي طال هيئته وعمامته وشخصه، لكن ما تعرض له من استهزاء لم يزد الناس إلا تعلقًا به، ولا زاده هو إلا ثباتًا؛ لأنه كان يعرف أن السخرية من العالم حين يعجز الخصم عن الرد على فكرته ليست علامة قوة، بل دليل عجز، وهنا تتبدى قيمة الشيخ الحقيقية: لم يكن ينتصر لنفسه بقدر ما كان ينتصر للحق الذي يحمله؛ ولذلك خرج من معاركه كبيرًا؛ لأن المواقف الكبار تصنعها النفوس الكبيرة.

الغزالي والاستبداد: صوت الإسلام في وجه الطغيان

لم يكن الشيخ من أولئك الذين يطيب لهم الوعظ في المساحات الآمنة، ويتجنبون ملامسة جراح السياسة والاستبداد، بل كان واعيًا مبكرًا بأن الظلم السياسي من أعظم ما يفسد الدين والدنيا معًا، ومن هنا جاء اهتمامه بالشورى، والحرية، ومقاومة الاستبداد، وفضح أنماط الحكم التي تصادر كرامة الإنسان وتُلبس الباطل ثوب الشرعية، وقد أدرك أن الأمة التي يُكمم صوتها، ويُخاف فيها من الكلمة الصادقة، ويُجرَّم فيها المصلحون، لا يمكن أن تنهض نهضة صحيحة، ولا أن تُقام فيها رسالة الإسلام على وجهها.

وقد ذاق من آثار هذا الجو نصيبًا وافرًا؛ حيث عرف الاعتقال، وعرف التضييق، وعرف التهميش، وعرف كيف يمكن للسلطات أن تضيق بالعالم حين لا يكون تابعًا لها، غير أن هذه التجارب لم تكسره، بل زادته خبرةً ونفاذًا في فهم علاقة الإسلام بالواقع، وأمدته بمادة حية جعلته يكتب عن الاستبداد، لا من موقع المتفرج، بل من موقع من خبر لسَعاتِه، ورأى أثره في العلماء والدعاة والجماعات والمجتمعات.

منبر عمرو بن العاص… إذ تعود الكلمة فتُحيي الحجر والبشر

ومن أجمل صور أثره العملي ما جرى في جامع عمرو بن العاص، ذلك الجامع العريق الذي بدا في مرحلة من المراحل كأنه قد أصابه من الهجر ما أصاب كثيرًا من المعالم حين تُفرغ من رسالتها، فلما تولى الشيخ الخطابة فيه عاد المكان إلى الحياة، وامتلأت أروقته بالمصلين، وصار المنبر مرة أخرى ملتقى للفكر والدعوة والوعي، وليس هذا مشهدًا عاديًّا، بل هو رمز بليغ: فالرجل كان إذا دخل مكانًا نفخ فيه من روحه، وإذا اعتلى منبرًا حرّك به العقول والقلوب، وإذا تصدى لقضية أحالها من موضوع نظري إلى همّ عامّ يشعر الناس أنه يعنيهم.

وهذا سرّ من أسرار قبوله؛ إذ لم يكن الناس يرونه خطيبًا يُحسن الأداء، بل كان مربيًا يشاركهم الهم، وعالمًا يوقظ فيهم الإيمان بالعزة والهوية والرسالة، وكان صوته في المنبر امتدادًا لصوته في الكتاب: وضوح في الفكرة، ورشاقة في العبارة، وصدق في النبرة، واتصال حيّ بهموم الناس وقضايا الأمة.

عالم يعرف لأقرانه فضلهم

ومما يزيد صورة الشيخ بهاءً أنه، مع ما أوتي من حضور وشهرة وبلاغة، لم يكن أسير تضخم الذات، بل كان يعرف للعلماء أقدارهم، ويقرّ بالفضل لأهله، ويملك الشجاعة الأدبية التي تجعله يعلن تقديره لإخوانه وتلامذته ومن تقدّموا في بعض المجالات عليه. وهذه سمة لا تظهر إلا في النفوس النبيلة؛ لأن كثيرًا من الكبار تعسر عليهم كلمة الإنصاف إذا ظنوا أنها تنتقص من مقامهم، أما الغزالي فكان من طراز آخر، يرى أن الاعتراف بالفضل فضيلة، وأن خدمة الحق أولى من صناعة الهالة الشخصية؛ فضلا عن إشباع مركب النقص الذي يعاني منه الكثيرون.

ولذلك بقي في نفوس كثير من الناس لا بوصفه كاتبًا كبيرًا فقط، بل بوصفه إنسانًا كبيرًا؛ إذ إن العظمة العلمية حين تتزوج بالتواضع والإنصاف تكتمل صورتها، ويصير الأثر أبقى وأعمق.

في السعودية والجزائر: دعوة تتجاوز الحدود

ولم يكن أثر الشيخ محصورًا في مصر، مع أنها كانت ميدان بروزه الأكبر، بل امتد إلى خارجها، في السعودية والجزائر وغيرهما؛ حيث واصل التدريس والإرشاد والتأليف والإعلام، وفي الجزائر على وجه الخصوص ترك أثرًا ظاهرًا في الجامعة والمجال العام، وأسهم في دعم الروح الإسلامية والعربية في مرحلة كانت الأمة في أمسّ الحاجة فيها إلى من يعيد وصلها بأصولها الحضارية وهويتها الإسلامية والعربية، وكان حضوره هناك امتدادًا طبيعيًّا لرسالته؛ إذ لم يكن ابن مكان محدود، بل ابن قضية واسعة هي قضية نهضة الأمة بالإسلام فهمًا وخلقًا وحركةً وعمرانًا.

الغزالي بين خصومه ومحبيه: لماذا أثار كل هذا الجدل؟

ليس غريبًا أن يثير الشيخ محمد الغزالي حوله جدلًا واسعًا، وأن يشتد الأخذ والرد حول بعض آرائه وكتبه ومواقفه؛ فهذه سنة الرجال الكبار الذين يتحركون في قلب الأسئلة الكبرى، ولا يرضون أن يكونوا أصداءً مكررة لما قاله السابقون أو استراح إليه المعاصرون. لقد كان الشيخ صاحب شخصية فكرية مستقلة، يراجع، وينتقد، ويجتهد، ويشتبك، ويغضب، ويصرّح، ولا يحب الأقفاص المغلقة؛ ولذلك كان من الطبيعي أن يحبه قوم حبًّا شديدًا، وأن يتحفظ عليه آخرون، وأن يراه بعض الناس مجددًا من الطراز الكبير، بينما ينزعج آخرون من جرأته واتساعه النقدي.

لكن هذه المساحة من الجدل نفسها دليل حياة لا دليل نقص؛ لأن الفكر الذي لا يثير سؤالًا، ولا يحرّك ساكنًا، ولا يقلق العادات الذهنية، هو فكر بارد مهما كثر مديحه، أما الغزالي فقد كان من النوع الذي لا يترك قارئه على حاله: إما أن يوقظه، أو يستفزه، أو يدفعه إلى المراجعة، أو يفتحه على أفق جديد، وهذه من علامات الأثر الحقيقي.

وفاته في الميدان… وكأن الخاتمة من جنس السيرة

ولعل من أجمل ما يروى في خاتمة حياته أنه لقي الله وهو في ميدان الدعوة، في مؤتمر علمي، في أثناء نقاش فكري، وكأن القدر أراد أن يختم السيرة بما يلائم متنها؛ فالرجل الذي عاش عمره يعلّم ويدافع ويوضح ويجادل ويقوّم، ختم حياته في السياق نفسه، فلم يخرج من الدنيا وهو في غفلة عنها، بل خرج وهو يحمل همّها الأخير، وفي هذا معنى رمزي عميق؛ فإن بعض الناس يموت بعد أن يكون قد فارق رسالته زمنًا، أما الغزالي فقد بدا كأنه سلّم الروح وهو على ثغر من ثغور البيان، والدفاع عن الإسلام.

ثم ووري الثرى في البقيع، فكأن الأرض الطيبة ضمّت رجلًا قضى عمره في نصرة الحق ما استطاع، وفي الذب عن الإسلام ما ملك من فكر ولسان وقلم وبيان.

ثلاثون عامًا بعد الرحيل: ماذا بقي من محمد الغزالي؟

بقي من محمد الغزالي أكثر من كتب مطبوعة، وأكثر من ذكريات شخصية، وأكثر من مواقف تاريخية. بقي منه نموذج العالم الذي لا يسجن الدين في زاوية ضيقة، ولا يحوّل الدعوة إلى طقس لفظي، ولا يكتفي بمجاملة العامة أو السلطة أو التيار، بل يرى الإسلام رسالة شاملة، ويصوغ مشروعه على هذا الأساس. بقي منه الوعي بالكليات، والانتصار للعدل، ومقاومة الاستبداد، والجرأة في نقد الداخل قبل الخارج، والقدرة على الجمع بين حرارة الإيمان ووضوح العقل وجمال الأسلوب.

وبقي منه الدرس الأهم: أن الإصلاح ليس معركة واحدة، بل هو جهاد على جبهات متعددة؛ جبهة ضد الظلم الاجتماعي، وجبهة ضد الاستبداد السياسي، وجبهة ضد التغريب الذي ينزع الأمة من أصولها، وجبهة ضد التدين المغلوط الذي يسيء إلى الدين باسم التدين، وهذه الشمولية هي التي تفسر سرّ امتداد أثره؛ لأن الرجل لم يكن ابن قضية جزئية، بل ابن مشروع إصلاحي واسع.

الخاتمة: سلام على من علّمنا أن الدعوة عقل وشجاعة ورحمة

في الذكرى الثلاثين لوفاة الشيخ محمد الغزالي لا يليق بنا أن نقف عند حدود الرثاء، فإن الرجال من هذا الطراز لا يُكرَّمون بكثرة البكاء عليهم، بل بحسن قراءة تراثهم، وإنصاف تجربتهم، وتمييز جوهر مشروعهم، ثم محاولة الإفادة منه في واقع تتجدد فيه الأسئلة التي عاشوا من أجلها.

لقد علّمنا الغزالي أن الإسلام أوسع من ضيق المتنطعين، وأرحب من اختزال الجاهلين، وأقوى من محاولات الإقصاء، وأن العالم الحق ليس حافظ نصوص فحسب، بل شاهد على عصره، مجاهد بكلمته، بصير بمواضع الداء، رحيم بأمته، صلب في وجه الزيف، منصف حين يختلف، شجاع حين يشتد البلاء.

رحم الله الشيخ محمد الغزالي، فقد كان قلمًا إذا كتب أيقظ، ولسانًا إذا نطق أرشد، وروحًا إذا حضرت بعثت في الناس عزمًا ووعيًا وأملًا، وبعد ثلاثين عامًا من رحيله ما يزال في الأمة موضعه، وما يزال في ضميرها صوته، وما تزال كتبه تقول لكل جيل جديد: لا يكفي أن تحبوا الإسلام، بل افهموه فهمًا كبيرًا، وادعوا إليه دعوةً كبيرة، وانهضوا به في الحياة نهوضًا كبيرًا.


(*) أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية، ورئيس مركز الشهود الحضاري.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.