بقلم الشيخ الدكتور عبد السلام البسيوني (*)

فقه الموضوع:
1. الله تعالى أمرنا أن نتأمل سننه في الأمم والحضارات، وأسباب قيامها وسقوطها: يقول تبارك وتعالى: (قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين* هذا بيان للناس، وهدى، وموعظة للمتقين) آل عمران 137-138. ويقول عز من قائل: (أفلم يسيروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج:46. ويقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) الفجر:60-13.
2.الله تعالى لا يظلم: تعالى ربنا عز وجل عن الظلم وأسبابه: وهو سبحانه القائل: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) هود:117، وقال تبارك وتعالى عن الظلم: (إن الله لا يظلم الناس شيئًا؛ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) يونس:44. وفي مسلم وغيره عن سيدي أبي ذر رضي الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال: (يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا؛ فلا تظَّالموا…).
3.الله تعالى لا يغير من حالٍ حسنى لحالٍ سوأى إلا إذا تغيرت قلوب الأمة: يقول الله تبارك وتعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ؛ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الأنفال:53. ويقول سبحانه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد:11.
4.الأمة معرضة للخطر حتمًا، بنص القرآن والسنة: يقول الله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) البقرة:217، وفي صحيح سنن أبي داود عن سيدي ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا: (يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها). فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال: (بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ). فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: (حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ)!
5.الأمة مرشحة للزوال، واستخلاف غيرها، إذا استمرت على ما هي عليه: وفي هذا المعنى يقول ربي سبحانه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة:54، ويقول عز من قائل: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) محمد:38.
6.هل يمكن أن تهلك الأمة وفيها دعاة وأناس صالحون؟ في صحيح مسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: ( نعم، إذا كثُر الخبثُ)! وفي صحيح الجامع، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: (إنَّ اللهَ تعالى إذا أنزل سَطوتَه على أهل نِقمتِه، فوافَتْ آجالَ قومٍ صالحين، فأُهلِكو بهلاكهم، ثم يُبعثُون على نيَّاتهم وأعمالِهم). وفي صحيح الجامع، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: (يغزو جيشٌ الكعبةَ، فإذا كانوا ببيداءَ من الأرضِ يُخسفُ بأوَّلِهم وآخرِهم). قالت: قلت: يا رسولَ اللهِ، كيفَ يُخسفُ بأولِهم وآخرِهم، وفيهم أسواقُهم، ومن ليس منهم؟ قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (يُخسفُ بأولِهم وآخرِهم، ثم يُبعثون على نيَّاتِهم)!
7.هل تهلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن آخرها؟ لقد أعطى الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ألا تفنى الأمة كلها، ولكن تبتلى كلها؛ ففي عارضة الأحوذي، بسند حسن صحيح، عن سيدي خباب رضي الله تعالى عنه قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صلاةً فأطالَه، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ: صلَّيتَ صلاةً لم تَكن تصلِّيها! قال: (أجَل إنَّها صَلاةُ رغبةٍ ورَهبةٍ؛ إنِّي سألتُ اللَّهَ فِيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتينِ، ومنَعني واحدَةً: سألتُه ألا يُهلِكَ أمَّتي بسَنةٍ فأعطانيها، وسألتُه ألا يسلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرِهِم فأعطانِيها، وسألتُه ألا يذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنَعَنيها)! وسيستمر اللدد والخصومة حتى قيام الساعة، ففي صحيح مسلم عن سيدي يسير بن جابر قال: هاجت ريحٌ حمراءُ بالكوفةِ، فجاء رجلٌ ليس له هجيري إلا: يا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ: جاءت الساعةُ، قال فقعد – وكان مُتَّكئًا – فقال: إنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى لا يُقسَمَ ميراثٌ، ولا يُفرح بغنيمةٍ. ثم قال بيده هكذا (ونحاها نحو الشامِ) فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإسلامِ، ويجمع لهم أهلُ الإسلامِ. قلتُ: الرومَ تعني؟ قال: نعم. وتكون عند ذاكم القتالِ رِدَّةٌ شديدةٌ. فيشترطُ المسلمون شُرطةً للموتِ لا ترجعُ إلا غالبةً، فيقتتِلون حتى يحجزَ بينهم الليلُ. فيفيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ؛ كلٌّ غيرُ غالب، وتَفنى الشرطةُ! ثم يشترطُ المسلمون شرطةً للموت لا ترجع إلا غالبةً، فيقتَتِلون حتى يحجزَ بينهم الليلِ، فيفيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ، كلُّ غيرُ غالبٍ، وتَفنى الشُّرطةُ! ثم يشترطُ المسلمون شُرطةً للموتِ، لا ترجعُ إلا غالبةً . فيقتَتِلون حتى يُمسوا، فيفيءُ هؤلاءِ وهؤلاءِ كلٌّ غيرُ غالبٍ، وتَفنى الشُّرطةُ! فإذا كان يومُ الرابعِ نهَدَ إليهم بقِيَّةُ أهلِ الإسلامِ، فيجعل اللهُ الدَّبرةَ عليهم . فيقتلون مَقتلةً – إما قال لا يُرى مثلُها ، وإما قال لم يُرَ مثلُها – حتى إنَّ الطائرَ ليمرُّ بجنباتِهم ، فما يُخلِّفُهم حتى يخرَّ ميتًا، فيتعادَّ بنو الأبِ، كانوا مائةً، فلا يجِدونه بقي منهم إلا الرجلُ الواحدُ! فبأي غنيمةٍ يفرح؟ أو أيِّ ميراثٍ يقاسمُ؟ الحديث!
سنن إلهية في إسقاط الحضارات:
أولا: من سنن الله تعالى أن تسقط الدول والحضارات: وهي في عز عتوها وتجبرها: يقول الله تبارك وتعالى: (….حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا – ليلًا أو نهارًا – فجعلناها حصيدًا؛ كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (يونس:24. ويقول عز من قائل: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة؛ إن أخذه أليم شديد* إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة….)! هود:102-103.
ثانيا: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أن الله تعالى يستدرجها حتى يجري عليهم سننه: يقول تبارك وتعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا، ولهم عذاب مهين) آل عمران:178. ويقول عز شأنه: (…وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً؛ فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ* فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام: 43-45. ويقول تبارك وتعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون) التوبة:55. ويقول تعالى جده: (فذرهم في غمرتهم حتى حين* أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين* نسارع لهم في الخيرات؟! بل لا يشعرون)المؤمنون:54-56،
ثالثا: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أنه تعالى ينذرهم الهلاك قبل وقوعه: وذلك كما فعل هود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم عليهم السلام، حين أنذروا أقوامهم بوقع العذاب إن لم يعجلوا بالتوبة؛ يقول الله تعالى: (ذَلِكَ أَن لَمْ يَكُن رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ، وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) الأنعام:131، ويقول تعالى: (وجاءكم النذير) فاطر:37. وكذلك أنذر محمد صلى الله عليه وسلم معاندي قومه: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فصلت:13.
رابعا: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أن يدمرها ساعة راحتها وأمنها، وغفلتها: يقول تبارك وتعالى: (وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) 4. ويقول سبحانه: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون* أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى، وهم يلعبون* أفأمنوا مكر الله؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) الأعراف:97-98
خامسا: من سنن الله تعالى أن تكون النخب المترفة سببًا مباشرًا لإسقاطها: وفي هذا المعنى يقول تعالى: و(َكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا؛ لِيَمْكُرُوا فِيهَا) الأنعام:123. ويقول عز من قائل: (وكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ* قَالُوا: تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ: مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ* وَمَكَرُوا مَكْرًا، وَمَكَرْنَا مَكْرًا، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ: أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا؛ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) النمل:48-52. ويقول جل في علاه: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون* وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وما نحن بمعذبين) سبأ:34-35،
سادسا: من سنن إسقاط الحضارات: اعتراف أهلها الفاسدين بانحرافهم، قبل نزول العذاب بهم: يقول تبارك وتعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا) النساء:159. ويقول تبارك وتعالى: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) الأعراف:5! وكما قال فرعون عليه لعائن الله حين أدركه الغرق: (آمنت بالذي آمنت به بنوه إسرائيل، وأنا من المسلمين* الآن وقد عصيت قبل، وكنت من المفسدين؟* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) يونس:90-92.
سابعا: من سنن الله تعالى: أن يترك من آثار الظالمين شهادة على إهلاكهم، وعظة لمن بعدهم: يقول عز من قائل: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، وبالليل؛ أفلا تعقلون؟) الصافات:137-138. ويقول سبحانه: (ومَكرُوا مَكْرًا، وَمَكَرْنا مَكْرًا، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَانْظُرْ: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا؛ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) النمل:50-52. ويقول جل وعلا: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا، وكنا نحن الوارثين) القصص:58/ وغيرها..
ثامنا: من سنن الله تعالى ألا يهلك قومًا حتى يقدموا بأنفسهم أسبابًا لهلاكهم: ففي الحديث المرفوع في أحمد وأبي داود وغيرهما: (لن يهلك الناس حتى يُعذروا من أنفسهم)، قال المناوي في فيض القدير: أي تكثر ذنوبهم وعيوبهم، ويتركون تلافيها، فيظهر عذره تعالى في عقوبتهم فيستوجبون العقوبة! (وقال في عون المعبود شرح سنن أبي داود: قيل: معناه حتى يكثر ذنوبهم؛ من أعذر إذا صار ذا عيب، وقيل معناه: حتى لم يبق لهم عذر بإظهار الحق لهم، وتركهم العمل به بلا عذر، ومانع؛ من أعذر: إذا زال عذره؛ فكأنهم أزالوا عذرهم، وأقاموا الحجة لمن يعذرهم، حيث تركوا العمل بالحق بعد ظهوره، وقيل: عذره إذا جعله معذورًا في العقاب؛ وإليه يشير تفسير الصحابي؛ فإنه جاء هذا الحديث عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ إذ قيل له: كيف يكون ذلك؟ فقرأ هذه الآية: (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) عن إسلام ويب.
تاسعا: ومن سنن الله تعالى أن الحضارة الهالكة لا تعود: قال الله تبارك وتعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) الأنبياء:95. قال في التحرير والتنوير: (المعنى: مُنع على قرية قدرنا هلاكها أن يرجعوا عن ضلالهم؛ لأنه قد سبق تقدير هلاكها، وهذا إعلام بسنة الله تعالى في تصرفه في الأمم الخالية، مقصود منه التعريض بتأييس فريق من المشركين من المصير إلى الإيمان، وتهديدهم بالهلاك. وفي القرطبي: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك، وقيل: لا يتوبون، وفي فتح القدير: قال الزجاج وأبو علي الفارسي :إن في الكلام إضمارًا، أي: وحرام على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوب أهلها، أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون.
عاشرا: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أن الأمم الهالكة لا تكون مؤمنة أبدًا: إن الأمم التي استعلت على الإيمان، واشترطت على أنبيائها، لم تكن لتؤمن – عنتًا وكبرًا – إذا حقق الله لها ما طلبت، يقول تبارك وتعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها) الأنبياء:6. جاء في تفسير الشيخ المنتصر الكتاني للآية: قال أهل مكة: ما باله لا يأتينا بآية كما أتى بها الأنبياء السابقون، ويعنون بالآية: ما كانوا اقترحوه وطلبوه – حسب نزواتهم وأهوائهم – من أن تكون الصفا والمروة ذهبًا، ومن أن تزاح جبال مكة ويكون مكانها أشجار وغابات ومنخفضات، وأن تفجر مكة عيونًا؛ وهم مع ذلك لا يطلبون ذلك للإيمان والتصديق، وإنما يطلبونه عنادًا، ويقولون: ما بال الأولين قد اقترحوا الناقة على صالح فكانت، واقترحوا.. واقترحوا.. مما ذكروه عن نوح وهود وصالح وموسى وإبراهيم؟ فكان جواب الله لهم: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) الأنبياء:6. أي: إن الأمم السابقة عندما اقترحوا هذه الآيات، وطلبوا من أنبيائهم هذه المعجزات فما آمنوا، أهلكهم الله ودمرهم، ولم يمهلهم ولم ينظرهم، فلو استجبنا لكم وأتتكم هذه البينات، وأنتم لا تؤمنون؛ فسيكون ذلك سببًا لهلاككم ودماركم، ولكن الله تعالى – تكرمة لنبيه – رفع ما كان قبل على الأمم السابقة، وعلى أتباع الأنبياء من الهلاك في الدنيا بغرق وصعقة وزلازل، ورجوم من السماء، بل أمهلهم علهم يؤمنون ويراجعون أنفسهم، أو لعلهم يعيشون فيأتي من ذرياتهم من يؤمن، وهكذا حدث، فأكثر هؤلاء الذين أصروا على الكفر أولًا آمنوا بعد ذلك، أو آمن أولادهم، وأصبحوا للإسلام قادة، وللدعوة المحمدية جندًا ودعاة بالأنفس والأموال.
حادي عشر: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أن جعل للأمم الظالمة موعدًا للهلاك: يقول تبارك وتعالى: (لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) يونس:49 ويقول سبحانه وتعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا لمهلكهم موعدًا) الكهف:59،
ثاني عشر: ومن سنن الله تعالى أن يقطع نسل الهالكين: ففي مسلم عن سيدي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (إن الله تعالى لم يهلك قومًا – أو يعذب قومًا – فيجعل لهم نسلًا)!
ثالث عشر: ومن سنن الله تعالى أن الأمم الهالكة تدمر بالكامل: يقول تبارك وتعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، وبئر معطلة، وقصر مشيد) الحج:45/ ويقول تعالى: (فدمرناهم تدميرًا) الفرقان:36. ويقول مالك الملك: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة؛ إن أخذه أليم شديد) هود:102/ وغيرها.
رابع عشر: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أن يعذبهم قبل إهلاكهم، وبعد إهلاكهم: يقول تعالى عن فرعون وأشباهه: (النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر:46. ويقول تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) الفجر:60-13. وفي الحديث الشريف في مسلم عن سيدي أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (إذا أراد الله هلكة أمة عذبها)!
خامس عشر: من سنن الله تعالى في إسقاط الحضارات أنه لم تنج من الهلاك إلا أمة واحدة: قال الله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس: لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى حين) قال الإمام ابن كثير: قال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، فتركت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم !
(*) كاتب وداعية كبير وشاعر وأديب ساخر.


