عوامل سقوط الحضارات في القرآن والسنة (4-6)

بقلم الشيخ الدكتور عبد السلام البسيوني(*)

سرطانات الحضارات المعاصرة .. على ضوء قراءة عوامل انهيار الحضارات الساقطة

بطريقتهم المادية البحتة تأمل الغربيون أسباب سقوط الحضارات، واجتهدوا في تفسيرها، ليصلوا في تأملاتهم إلى أسباب حسية بحتة، لا وجود فيها للإله ولا للآخرة، عكس التحليل القرآني، الذي جعل جوهر الأسباب: التمرد والجحود والكفر بالله تعالى، وإن كان السبب المباشر ماديًّا أيضًا، مثل الخسف، والريح، والزلزلة، والطوفان، والغرق، وغيرها! فتعال نتأمل بعض الدراسات الغربية حول هذا الأمر الخطر الشنيع، نسأل الله تعالى أن يرفع عنا العذاب؛ إنا مؤمنون، وألا يؤاخذنا بذنوبنا وسيئات أعمالنا، وأن يعافينا ويعفو عنا؛ اللهم آمين: في كتاب الأمة الثالث والخمسين بعد المائة: «الرؤية الإسلامية والمسألة الحضارية.. دراسة مقارنة»، كتب الأستاذ الدكتور عبد الله محمد الأمين النعيم الرؤية الغربية لعوامل قيام وسقوط الحضارات (باختصار) فقال: حصرت النظريات الغربية نفسها وهي تفسر نشوء الحضارات في عاملين يعودان للطبيعة والإنسان! ولا يمكن فهم انغلاق هذه النظريات على هذين البعدين، الإنسـان والطبيعة، إلا بفهم النظريات التي شكَّلت التصوّر عن الحياة والكون والوجود ككل، والتي ترتد في أصولها الأولى والمنشئة لها إلى التراث اليوناني – الروماني الغارق في الوثنية والتعدّدية، ولقد نتج عن هذا التصور نزعات فلسفية مثل المادية والطبيعية، وهذه النـزعات في مجملها كانت وليدة القول بمحورية الإنسان الفرد الصمد!

وقد أرجع توينبي سقوط الحضارة إلى ثلاثة أسباب هي:

* ضعف القوة الخلاقة في الأقلية الموجهة وانقلابها إلى سلطة تعسفية.

* تخـلي الأكثـرية عن مـوالاة الأقلية الجديدة المسيطرة وكفّها عن محاكاتها.

* الانشقاق وضياع الوحدة في كيان المجتمع كله.

وفي سؤال له: لماذا تنهار الحضارات؟ يقول روبرت لامب: إن في كل قارة آثارًا وحطامًا من حجارة تحكي قصص حضارات منهارة، دفينة تحت الأرض، أو في رحاب غابة، أو وسط مدينة صناعية كبرى، وكلها تثير سؤالا واحدًا: كيف يتلاشي شيء هائل كهذا؟ لماذا تنهار الحضارات؟ ويشير للحروب الاستئصالية، والأمراض الوبائية، والاضطرابات الجغرافية، وحروب الإبادة التي تستأصل شعوبًا بكامل كما حصل لحضارة المايا، وكذا حضارة سومر التي تلاشت مائي عامي قبل الميلاد بسبب الروح الاستئصالية للغزاة! وكذا الجفاف الذي ضرب حضارة الأكاديين مدة 300 سنة بين 2200 و 2500 ق.م. وكذا الجفاف الذي ضر حضارة الخمير في كمبوديا، بين القرنين 9و15 حتى زالت وبادت! مترجمة عن: http://science.howstuffworks.com/environmental/green-science/civilizations-collapse.htm ومواقع أخرى عدة: وذكرت الويكيبيديا من الأسباب: الكوارث الطبيعية (تسونامي/ الزلازل/ الحرارة العالية في الجو، والكثافة السكانية العالية، ونضوب الموارد الطبيعية! وكتب آدم ويتنهال في الإندبندنت (الأحد 16/12/2014) عن تمويل ناسا لدراسة تؤكد أن حضارتنا المعاصرة ستنهار خلال عقود! بسبب انعدام الاستقرار الاقتصادي، وإساءة استخدام مواردنا الطبيعية، وأشار إلى دراسة العالم الرياضي صفا مطشري أن عمليه انهيار الحضارات أمر دوري متكرر، وأن استمرارنا في النهج الاستهلاكي الصناعي للقرن القادم هو – في أشد الدراسات المتحفظة – وخيم النتيجة وسريعها! وأشار مطشري من عوامل سقوط الحضارة – بجانب التغير المناخي والانفجار السكاني -: تحول المجتمعات إلى طبقية: نخب مستحوذة على كل شيء، وجمهور لا يجد شيئًا! وطالب النخب بإعادة التوازن قبل الانهيار. وفي العام الماضي عكفت نخبة من خلاصة العقول البريطانية، من ستيفن هاوكنج ليرسموا خارطة عوامل (الانهيار) ومسبباته! وفي أول مايو 2013 كتب أندرو هاولي في الناشونل جيوجرافك عن عوامل انهيار حضارات الصين ومصر وما بين النهرين والمايا، تحت شعار: الماضي نافذةً للمستقبل، بعد إثارة ثلاثة أسئلة كبرى يهمنا منها: هل قدر كل حضارة سقوطها؟ وأشار إلى أن سقوط بعض الحضارات قد لا يعني زوالها، وأنه ليس هناك انهيار مفاجئ، بل تتدرج الأمور، وأن الناس لا يزولون دائمًا بل ينتقلون، أو يتغيرون، وتنهار تقاليدهم الكبرى، وتبقى منمنمات التقاليد – كما أشار لذلك الآثاري دوريان فولر – وأنها يمكن أن تسقط إذا لم تطور أنماطها الثقافية! وفي مجلة Front line الهندية سأل ر. راماشاندران عن (لماذا تنهار الحضارات؟) وتحدث عن سيناريوهات ثلاثة أوردها مطشري عن: المجتمع المتساوي؛ حيث تغيب النخبة، والمجتمع المنصف، الذي فيه مجموعتان (عاملة وغير عاملة) لكن فيه مساواة ونصفةـ، والمجتمع الطبقي الذي فيه نخبة مهيمنة، هي سبب الشرور!

فما وجهة نظر الإسلام في ذلك؟ وهل الأسباب كلها فيه مادية: تعالوا نر:

في إضاءات قرآنية عن أسباب سقوط الحضارات، يقول تعالى: يقول تبارك وتعالى في سورة هود:100-103: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك، منها قائم وحصيد* وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم؛ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب* وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد* إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة؛ ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود) 96-103 ويقول عز من قائل: ((إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير * وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم؛ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير* ثم أخذت الذين كفروا؛ فكيف كان نكير) فاطر:24-26 ويقول سبحانه وجل وعز: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود* وقوم إبراهيم وقوم لوط* وأصحاب مدين، وكذب موسى، فأمليت للكافرين، ثم أخذتهم؛ فكيف كان نكير* فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، وبئر معطلة، وقصر مشيد* أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها؟ أو آذان يسمعون بها؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج: (42-46) ويقول ذو الجلال والإكرام: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ، وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ، وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ، فَأَخَذْتُهُمْ؛ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) (غافر: 5).

فتعال ننظر في سرطانات الحضارة:

1. من أسباب سقوط الدول: الكفر، والإعراض عن الله تعالى: يقول الله تبارك وتعالى: (..فمن اتبع هداي فلا يضل، ولا يشقى* ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا، ونحشره يوم القيامة أعمى* قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟* قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى* وكذلك نجزي من أسرف، ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى* أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؟ إن في ذلك لآيات لأولي النهى) طه:123-128. وقال تعالى عن اليمنيين أهل سبأ: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، وأثل وشيء من سدر قليل* ذلك جزيناهم بما كفروا؛ وهل نجازي إلا الكفور)؟! سبأ:16-17. ويقول تعالى مهددًا قريشًا وكل من يعرض عن ذكر الله تعالى: (فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود* إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم، ومن خلفهم: ألا تعبدوا إلا الله، قالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة؛ فإنا بما أرسلتم به كافرون* فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟ وكانوا بآياتنا يجحدون* فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا، في أيام نحسات؛ لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا ينصرون* وأما ثمود فهديناهم، فاستحبوا العمى على الهدى، فأخذتهم صاعقة العذاب الهون؛ بما كانوا يكسبون* ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) فصلت:13-18. وغير ذلك.

2. ومن أسباب سقوط الدول: الذنوب العامة الفاشية: يقول عز وجل: ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن؛ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم؟ فأهلكناهم بذنوبهم، وأنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين) الأنعام:6. ويقول سبحانه: (ونَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ* ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) آل عمران:181-182، ويقول سبحانه: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نفْسِك) النساء:79، ويقول عز من قائل: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ…) القصص:47، وغيرها.

3. ومن أسباب سقوط الدول: حب الدنيا وكراهية الموت: ففي صحيح سنن أبي داود عن سيدي ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا: (يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ)!

4. ومن أسباب الدول: انتشار التطرف والغلو والتنطع وسوء التدين: ففي التمهيد بسند صحيح عن سيدي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَداةَ العقبةِ وهو على راحلتِه: (….وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّينِ؛ فإنَّما هلك من كان قبلكم بالغُلوِّ في الدِّين)! والمراد هنا تطرف بعض المسلمين الذين شددوا على أنفسهم وعلى عباد الله، ويمارسون دينًا لم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بالحنيفية السمحة (كما في السلسلة الصحيحة) وكذا تطرف الآخرين: كالأصوليين الإنجيليين والصهاينة والروافض والسيخ والهندوس.. وبقية أهل الأديان؛ حتى الوضعية منها، كتطرف الإلحاد، والجحد..

5. ومن أسباب سقوط الدول: تفشي الظلم وانتشاره وغلبته: إن انتشار الظلم (بأنواعه ابتداء من معنى الكفر والشرك، حتى احتجان الحقوق، وتنكب سبل العدل) من أكبر عوامل سقوط الحضارات، ولولا بعض الانضباط في الحضارات الأوربية المعاصرة ونوع من التزام الحقوق الظاهرة بشكل واسع لسقطت بسهولة: يقول العليم الخبير سبحانه: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا، وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين* ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم؛ لننظر كيف تعملون (يونس:13-14. ويقول الله تبارك وتعالى: (ذلك من أنباء القرى، نقصه عليك، منها قائم وحصيد* وما ظلمناهم، ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون اللّه من شيء، لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب* وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة؛ إن أخذه أليم شديدة) هود: 100-102. وفي صحيح سنن الترمذي عن سيدي أبي موسى رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (إنَّ اللهَ تبارَك وتعالَى يُملي للظَّالِمِ، حتَّى إذا أخذَه لم يُفلِتْهُ، ثمَّ قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) الآيةَ! ومن أشنع أشكال الظلم المهلك: أن يفسد القضاء؛ حتى يكون ألعوبة في أيدي الفراعين، والفاسدين، والمستبيحين، فيسجن الشرفاء ويقمعهم، ويعمي عن استباحة حرماتهم وأعراضهم، ويبرئ الفاسدين ويرفعهم، ويغضي عن جرائمهم وانتهاكاتهم، كذلك القضاء (الشامخ) الذي يسجن العلماء، والشرفاء، والدعاة، والأبرياء، والأطفال والنساء، ويطلق سراح النهابين، والجلادين، والمتفرعنين، ولصوص الأمة، وخائني الذمة، والبلطجية القتلة بتصريح رسمي، لا يستحي ولا يرعوي، ولا يبالي من انتقد أو عاب!

6. ومن أشنع أنواعه ألا تواجه الأمة الظالم، وتقول له: أنت ظالم: ففي الجامع الصغير عن سيدي جابر وعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، مرفوعًا: (إذا رأيتَ أُمتي تهابُ الظالمَ أنْ تقولَ لهُ : إنَّكَ ظالمٌ ، فقدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ)!

7. ومن أشنع أنواعه كذلك ألا يأخذ الضعيف حقه بيسر؛ ففي صحيح الترغيب، عن سيدي أبي سعيد مرفوعًا: (لا قدَّس اللهُ أُمَّةً لا يأخذ ضعيفُها الحقَّ من قوِيِّها؛ غيرَ مُتَعْتَعٍ) .

8. ومن أسباب سقوط الدول: تفشي الفساد وانتشاره وغلبته: والفساد أخلاقي، وقيمي، وسلوكي، واجتماعي، ومالي، وغير ذلك، وإذا ساد هذا البلاء في أمة استحقت السقوط، كما ذكر الله تعالى في كتابه الكريم: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد؟* إرم ذات العماد* التي لم يخلق مثلها في البلاد* وثمود الذين جابوا الصخر بالواد* وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد* فصب عليهم ربك سوط عذاب* ان ربك لبالمرصاد) الفجر:6-14. وهو مما يجري أيضًا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، التي ستتبع سنن من كان قبلها، وسنن الأمم الفاجرة المتغطرسة التي تعاصرها، ففي البخاري عن سيدي أبي سعيد رضي الله عنه، قال: يقول صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سننَ من قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو سلكوا جحرَ ضبٍّ لسلكتموه، قلْنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمن). وفي تخريج مشكاة المصابيح عن سيدي ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا: (ليأتينَّ علَى أمَّتي كما أتى علَى بني إسرائيلَ، حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ؛ حتَّى إن كانَ منهُم مَن أتى أُمَّهُ علانيَةً لَكانَ في أمَّتي مَن يصنعُ ذلِكَ)!

9. ومن الأسباب: انتشار عمل قوم لوط، المسمى (المثلية) تخفيفًا، والاستباحات الأخرى: يقول الله تعالى عما ألحق بقوم لوط من غضب: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود* مسومة عند ربك؛ وما هي من الظالمين ببعيد) هود:82-83! وقال تعالى ناعيًا عليهم انتكاس فطرهم: (أتأتون الذكران من العالمين* وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون* قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين* قال إني لعملكم من القالين* رب نجني وأهلي مما يعملون* فنجيناه وأهله أجمعين* إلا عجوزا في الغابرين* ثم دمرنا الآخرين* وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) الشعراء:165-173! وفي تهديد الذين يعملون العمل نفسه يقول تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم!؟ دمر الله عليهم؛ وللكافرين أمثالها) محمد:10.

10. ومن أسباب سقوط الدول: انتشار الطبقية والتفرقة بين الناس: لا يميز الإسلام بين الناس بسبب ألوانهم أو أجناسهم أو أي شيء آخر؛ لأنهم جميعًا: (لآدم، وآدم من تراب) ولأنه (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) كما ورد في مسلم عن سيدنا جابر رضي الله تعالى عنه. وفي مسند أحمد بسند صحيح مرفوعًا: (لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)! وفي البخاري عن سيدي عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم، أنَّ امرأةً سرقت في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوةِ الفتحِ، ففزع قومُها إلى أسامةَ بنِ زيدٍ يستشفعونه. قال عروةُ: فلما كلمه أسامةُ فيها تلوَّن وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال : (أتكلِّمُني في حدٍّ من حدودِ اللهِ) قال أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ اللهِ، فلما كان العشيُّ قام رسولُ اللهِ خطيبًا، فأثنى على اللهِ بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلَكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها)!

11. ومن أسباب سقوط الدول: غلبة البطر وكفر النعمة: يقول تعالى: (وضرب اللّه مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدًا، من كل مكان، فكفرت بأنعم اللّه، فاذاقها اللّه لباس الجوع والخوف؛ بما كانوا يصنعون) النحل:112! ويقول تعالى: (وكم من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم – إلا قليلًا – وكنا نحن الوارثين) القصص:58.

12. ومن أسباب سقوط الدول: انتشار الترف والسرف: يقول عز من قائل: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) الإسراء:16، ويقول جل شأنه: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم، ومن نشاء، وأهلكنا المسرفين) الأنبياء:9، ويقول الله تعالى موبخًا أهل النار: (لا تركضوا، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه، ومساكنكم، لعلكم تسألون) الأنبياء:13، وفي أصحاب الشمال يقول تعالى: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين* وكانوا يصرون على الحنث العظيم* وكانوا يقولون: أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا، إنا لمبعوثون* أو آباؤنا الأولون؟) الواقعة:45-48.

13. ومن أسباب سقوط الدول: انتشار الربا، والمعاملات المحرمة: يقول الله تبارك وتعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا؛ إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم؛ لا تظلمون ولا تظلمون ( البقرة: 278-279).


(*) كاتب وداعية كبير وشاعر وأديب ساخر.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.