بقلم الشيخ الدكتور عبد السلام البسيوني (*)

سرطان جسد أمة محمد صلى الله عليه وسلم:
يتداعى الجسد البشري ويتهاوى إذا تمكنت منه خلايا مدمرة كخلايا الإيدز أو السرطان – نعوذ بالله من جهد البلاء – بعد أن يعجز عن مواجهتها، فيهزل، ويفقد قوته ومقاومته، ويبدأ في التهاوى، ثم ما يلبث أن يركض نحو الفناء، مهزومًا محسورًا.. وهذا هو حال الأمم إذا تبنت فيروسات دمارها. ومعظم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس في منجىً من ذلك؛ بل إنها إذا استزرعت خلايا تدميرها فإنها ستتداعى وتبتر منها أجزاء غالية، أو معظم أجزائها الغالية؛ جزاء وفاقًا. ومن أخطر وأشد عوامل تدمير هذه الأمة وسقوطها؛ بأيديها وأيدي أعدائها:
أولا: إذا نسوا الله تبارك وتعالى عند البلاء والشدة: يقول تبارك وتعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فأخذناهم بالبأساء والضراء؛ لعلهم يتضرعون* فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون* فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء؛ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون* فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين) الأنعام:42-45. وفي مسند أحمد، عن سيدي عقبة بن عامر، رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج)!
ثانيا: إذا اختلفوا وصار رأيهم وأمرهم شيعًا، وأحزابًا، وفرقًا وطوائف: وقد قال من قولُه الفصل: (ولا تنازعوا فتشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال:46. وقال عز قائلًا: ( ولا تكونوا من المشركين* من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا) الروم:31-32)! وفي عارضة الأحوذي، بسند حسن صحيح، وصحيح سنن النسائي، عن سيدي خباب رضي الله تعالى عنه قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صلاةً فأطالَه، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ: صلَّيتَ صلاةً لم تَكن تصلِّيها! قال: أجَل إنَّها صَلاةُ رغبةٍ ورَهبةٍ؛ إنِّي سألتُ اللَّهَ فِيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتينِ، ومنَعني واحدَةً: سألتُه ألا يُهلِكَ أمَّتي بسَنةٍ فأعطانيها، وسألتُه ألا يسلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرِهِم فأعطانِيها، وسألتُه ألا يذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنَعَنيها)!
ثالثا: إذا ضربوا الكتاب بعضه ببعض، واستخدموا لإبطال الحق وإحقاق الباطل: ففي الصحيحين عن سدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (دعوني ما تركتُكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)! وفي مسلم عن سيدي عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: هجَّرتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا، فسمع أصواتَ رجلَين اختلفا في آيةٍ، فخرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يُعرَفُ في وجهه الغضبُ، فقال: إنما هلك مَن كان قبلَكم باختلافِهم في الكتابِ)! وفي عمدة التفسير بسند صحيح، عن جد عمرو بن شعيب (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله عنهم، قال: سمعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قومًا يتدارَؤونَ فقالَ: (إنَّما هلَكَ مَن كانَ قبلَكُم بِهَذا، ضربوا كتابَ اللَّهِ بعضَهُ ببعضٍ، وإنَّما نزلَ كتاب اللَّه ليصدِّقَ بعضُهُ بعضًا، فلا تُكَذِّبوا بعضَهُ ببَعضٍ، فما عَلِمْتُم منهُ فقولوا، وما جَهِلْتُم فَكِلوهُ إلى عالِمِهِ)!
رابعا: إذا فشا فيهم الظلم، وجار القضاة حماة الحق: ففي سورة هود عليه السلام/102: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة؛ إن أخذه أليم شديد). وفي مسلم عن سيدي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: (اتَّقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ! واتَّقوا الشُّحَّ فإنَّ الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم: حملهم على أن سفكوا دماءَهم واستحلُّوا محارمَهم) وقد مر.
خامسا: إذا انفتحت عليهم الدنيا، فلم يحسنوا إدارتها لصالح الحق والخير، والآخرة: ففي البخاري ومسلم عن سيديّ عمرو بن عوف المزني والمسور بن مخرمة أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (…أبْشِروا وأمِّلُوا ما يَسُرُّكم، فواللَّهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسَطَ عليكمُ الدُّنْيا، كما بُسِطَتْ علَى مَن كان قبلكم، فَتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُلْهيَكُم كما ألهَتْهُمْ)! وفي صحيح الترغيب عن سيدي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا (إنما أهلك من قبلَكم الدينارُ والدّرهمُ، وهما مُهلكاكم)! وفي مسلم عن سيدي أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله تعالى عنه، قال : لا يزالُ الناسُ مختلفةً أعناقُهم في طلبِ الدنيا؛ إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: (يوشكُ الفراتُ أن يُحسِرَ عن جبلٍ من ذهبٍ، فإذا سمع به الناسُ ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنَ الناسَ يأخذون منه ليذهَبُنَّ به كلُّه، قال فيقتَتِلون عليه، فيُقتَلُ من كلِّ مائةٍ تسعةٌ وتسعون )!
سادسا: إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يقول عز من قائل: (وإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ منْهُمْ: لمَ تَعظُونَ قَومًا اللهُ مُهْلكُهُمْ، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَديدًا؟ قَالُوا: مَعْذرَةً إلى رَبِّكُمْ؛ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا به أَنجَيْنَا الَّذينَ يَنْهَوْنَ عَن السُّوء، وَأَخَذْنَا الَّذينَ ظَلَمُوا بعَذَاب بَئيس؛ بمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) الأعراف: 164- 165. ويقول تبارك وتعالى: (فلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُون مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّة، يَنْهَوْنَ عَن الفَسَاد في الأَرْض إلاَّ قَليلًا مِمَّنْ أنجَيْنَا مِنْهُمْ؛ واتَّبَعَ الَّذينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فيه) هود:116. وفي صحيح سنن الترمذي عن سيدي حذيفة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (والَّذي نَفسي بيدِهِ: لتأمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ؛ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ، ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم)! وفي صحيح سنن أبي داود عن سيدي جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (ما من رجل يكون في قوم، يعملُ فيهم بالمعاصي، يقدِرون على أن يغيِّروا عليه، فلا يغيِّروا؛ إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا)!
سابعا: إذا استمرؤوا الاستباحة الأخلاقية: تلاعنوا واستباحوا الخمر والشذوذ: ففي الترغيب والترهيب، وشعب الإيمان، عن سيدي أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (إذا استحلَّت أمَّتي خمسًا فعليهم الدَّمارُ: إذا ظهر التَّلاعنُ، وشرِبوا الخمورَ، ولبِسوا الحرير، واتَّخذوا القِيانَ، واكتفَى الرِّجالُ بالرِّجالِ، والنِّساءُ بالنِّساءِ). وفي سنن أبي داود ونيل الأوطار عن سيدي أبي مالك الأشعري رضي الله عنه يرفعه: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير) وضعفه الشوكاني.
ثامنا: إذا استمرؤوا الاستباحة المالية: المعاملات الربوية وما يصاحبها: يقول عز جاهه: ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا؛ إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) البقرة:278-288. ويقول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود عن سيدي ابن عمر رضي الله عنهما: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).
تاسعا: إذا استمرؤوا الاستباحة الاجتماعية: الطبقية، والتفرقة البغيضة: ففي البخاري عن سيدتي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن أسامةَ كلَّمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في امرأةٍ، فقال عله الصلاة والسلام: (إنما هلك من كان قبلَكم؛ أنهم كانوا يقيمون الحدَّ على الوضيعِ، ويتركون الشريفَ، والذي نفسي بيدِه، لو فاطمةَ فعلت ذلك لقطعتُ يدَه)! بل إنه صلى الله عليه وسلم ألغى كل سبب يدفع الإنسان إلى الاستعلاء والتحكم في الآخرين فقد قال تعالى: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منها رجالًا كثيرًا ونساء) النساء:1، وفي الترغيب والترهيب، وصححه الألباني عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: (ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر؛ إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). (وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم أبا ذر الغفاري، يعتدي على بلال الحبشي ويقول له: يا بن السوداء، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وانتهر أبا ذر وقال: (طف الصاع، طف الصاع ) ثم اتجه إلى أبي ذر وقال له: (انك امرؤ فيك جاهلية، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل؛ إلا بالتقوى أو عمل صالح ) فوضع أبو ذر خده على الأرض، وأقسم على بلال أن يطأه بحذائه؛ حتى يغفر الله له زلته هذه، ويكفر عنه ما بدر منه من خلق الجاهلية الأولى) الإسلام اليوم.
عاشرا: إذا أولعوا بالنساء، وتوسعوا في أمرهن: لا شك أنها مغضبة للرب تعالى، حين تكون الراقصة مكرمة وأمًّا مثالية، وتكون المحجبة أو المنقبة إرهابية، وحين تكون ممثلة العري مجاهدة والمستورة فاسقة، وحين يمدح التبرج والعري ويهاجم العفاف، وحين تتوسع مدارس الرقص وتحمى، وتضرب المساجد وتحقر، وحين تعتبر السينما وتوابعها أدوات تنوير، وتكون الأديان ظلامية، وحين تفتح في بلاد المسلمين المراقص والملاهي والمباغي، وتغلق المساجد، والكتاتيب، والقنوات الإسلامية، وحين تقام حفلات مستبيحة جهارًا نهارًا، ويصادر صوت العلماء والمصلحين؛ وهذا حال أمتنا التعيسة. وقد أضحى ظاهرًا أن هذا الجنس من البشر عاش بتشجيع وعطاء الجبابرة منتهكي الشعوب! ورد في مسلم عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (اتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)! وفي البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، مرفوعًا: (ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء). وقد توسع الناس في جانب النساء، فصار التعري عادة، والتبرج تحضرًا، والاختلاط (بزنس) والخلوة حرية، والتباسط أخوة، والتعانق والترقص مدنية، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
حادي عشر: إذا سقطوا في الغلو والتطرف: يقول الله تعالى في سورة النساء:171: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ: لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ)! ويقول جل شأنه في سورة المائدة:77 : (قُلْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيرًا، وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل). وفي التمهيد بسند صحيح عن سيدي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَداةَ العقبةِ وهو على راحلتِه: (هاتِ القَطْ لي)، فلقطتُ له حصَياتٍ مثلَ حصَى الخذْفِ فلمَّا وضعتُها في يدِه قال: (بأمثالِ هؤلاء فارموا، وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّينِ؛ فإنَّما هلك من كان قبلكم بالغُلوِّ في الدِّينِ). وقد هلكت الكنيسة بغلوها ورهبنتها المبتدعة، وحادت عن طريق عيسى عليه السلام، كما غلا اليهود والروافض والسيخ والهندوس! لكن أن يأتي الغلو من طوائف مسلمة في شخص أو طائفة أو مسلك (استمساكًا أو تساهلًا) فنحن نرى في واقعنا التعيس ما أدى بالأمة إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(*) كاتب وداعية كبير وشاعر وأديب ساخر.


