أبا مازن.. كلنا ندين لك!

بقلم الداعية الكبير الدكتور عبد السلام البسيوني(*)

     قارئي الحبيب: هل ذقت معنى أن تساق إلى الجنة بالسلاسل؛ غصبًا عن سيادتك؟

أحمد الله تعالى أنني ذقت هذا المعنى، وجربته، وأحسست به بخلاياي كلها! ولن أقول كيف!

     هل احترت من شيء من أقدار الله تعالى لم تفهم حكمته، ولم تدرك مراميه، ثم – بعد عشرين سنة مثلاً – انكشفت لك الحكمة؟ أحمد الله أنني جربت هذا غير مرة!

     هل عاصرت رجلاً استطاع – بالريموت كنترول – أن يشكل عاطفتك وعاطفة جيل كامل من لداتك، ويثير  أشجانك وأشجان أمة من الشباب والكهول، دون أن يعرفهم أو يعرفوه؟!

أنا جربت ذلك مع هذا الكائن الجميل الذي لم أسعد بلقائه حتى هذا الحين!

     هل رأيت عمرَك رجلاً يبني هرمًا، أو ينجز خارقةً دون أن يعرف ذلك، ولا ينتبه له، وهو بين الناس يسعى، إلا بعد خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة من غراسه؟

إنه هو جزاه الله أحسن الجزاء: قال كلماته ومضى، ليعافس الحياة، ويعيش دنياه، ثم ليلتفت بعد عقود ثلاثة فيجد الأيدي تشير إليه، والعيون تركز عليه، والقلوب تقول.. أهه.. هوّ ده.. هذا هو أبو مازن الذي ملأ قلوبنا أوجاعًا، وعشقًا وتوقًا، وحبًّا لله رب العالمين؟!

    هل رأيت رجلاً لا يكتفي أن يحبُوَك من عطاء نفسه، بل يؤمِّن لك عطاءاتِ آخرين، ويتيح لك من خيرات غيره، لتعرف، وتنهل، وتضيف لرصيد نفسك ما أنت في حاجة له، دون أن يمن، أو ينتظر منك أن تقول: متشكرين، أو ثانك يو، أو جزاك الله خيرًا؟

     لقد فعل هو ذلك.. وحسبه أنه أضاف إلى رصيدي شاعرًا ما كنت أعرفه شاعرًا، ونفَسًا دعويًّا أمةً وحده، هو الشيخ إبراهيم عزت عليه رحمات الله ورضوانه، كما بينت في مقالة ماضية!

     هل جربت أن ترتبط عاطفيًّا بشخص انبهرتَ به، فطفقت تدعو له، وتترحم عليه، ولم تره، ولا تعرف عنه شيئًا؟ بل ما تظن أنك تعرفه عنه (يصد النفس) ويغرس من لقياه اليأس؟!

يااااه! حصل لي والله!

     هل غصت في المعاني، والنغم، والكلمات الجميلة – لأنك مسلم مسكون بالوجع والإحباط والرغبة في التغيير، والأمل الجارف في جنة الدنيا قبل جنات الآخرة – بحيث تبقى أسير الكلمة الحلوة، والانفعال الصادق، والعاطفة التي سالت على الورق نشيدًا، أو حداءً عذبًا، يثير في أحنائك مشاعر الصدق والقوة والنشوة؟!

لقد عشتُ ذلك – بفضل اللطيف الخبير – بأعصابي وأفكاري وهمي وهمتي!

    هل تظن أن العلم الجاف الجاد وحده هو الذي يرسم الطريق، ويأخذ باليد؟!

ستكون – في زعمي – مخطئًا إن اعتقدت ذلك؛ فكثيرًا ما تغير نفسك كلمةٌ أو همسة أو نغمة، لتترك بصمتها على وجدانك سلوكًا طيبًا أو شريرًا!

وقد أسرتني نغماته وأداؤه – بصوته الطبيعي المجرد، دون تزويق ولا مونتاج – لأتاثر كثيرًا، وأنساق في طريق رسمه لي، من خلال الحداء والكلمة والنغم، كما رسمه العلم والكتب والدراسة المنهجية، والجلوس إلى أهل العلم والدعوة.

     ألست أكون بهذا مدينًا له بدين أكبر من المال أو أي شيء ذي ثمن.. لأن ما اكتسبته منه أكبر من أن يقدر بثمن؟

لقد اكتسبت إضافات غالية إلى ديني ومنهجي ودعوتي، ومساحةً خضراء من عمري ندية – جادها الغيث إذا الغيث همَى – وهل يقدر ديني ومنهجي ودعوتي بثمن؟!

   جزاك الله ألف ألف خير عني وعن جيلي يا أبا مازن!

جزاك الله ألف ألف خير عني وعن جيلي؛ فقد كنت وحدك في ساحة الحداء النظيف، تصنع أفكارنا – على التوازي – بجانب العظماء: ابن باز والمختار الشنقيطي والسيد سابق والشعراوي والقرضاوي والغزالي والألباني وإبراهيم عزت وغيرهم.. وهل أعلى من ذلك منزلة، وأفضل فضلاً؟

     جزاك الله ألف ألف خير، حين كنت تعبر عن لواعجنا، وتترجم آلامنا وآمالنا، وتعزي نفوسنا، وتسرِّي عنا همومنا، بقصائد عذبة، وأناشيد وفقت كثيرًا في اختيارها، وترجمتها إلى لغة عاطفية لا ترضى بأن تتخذ غير قلوبنا سكنًا، وغير أكبادنا لها مهادًا!

    جزاك الله ألف ألف خير، حينما انتقيت لجيلنا كلمات نقية، خالية من شوائب الدروشة الحمقاء، وتفاهات الشرك الأرعن، وغباوة السطحية البلهاء، وسرابية الكلام الأجوف، لتجمع لنا بين حلاوة العبارة، وجزالة الكلمة، وطلاوة النغم، ونبل المعنى، وشرف القصد، وتعلِّب لنا هذا بصوتك الأعجوبة، ونغمك الشجي الذي تربع في القلوب والضمائر؛ نهجًا رائدًا مستنيرًا سباقًا!

     كم كنت تعزيني منذ أوائل الثمانينيات، وإلى يومي هذا، والضغوط النفسية والعاطفية تنيخ بصدورها على كياني وكيانات لداتي من أبناء جيلي الذي بلغ نهايات طريقه، وأنت تحدثنا عن الرسول القدوة، وعن الشباب ذي العزمات المبرمة، وعن الليل الذي لن يعود، وعن العيد، والصغيرة نهاد، وعن سيدي مصعب، وعن ملحمة الدعوة، والأم التي ترضع وليدها الجراح مع اللبن، وعن ابتهالات المسلم في وسط حلقات التعذيب!

     كم كنت تثبت قلبي وأنت تأتي بهمم أناس كبارٍ أضيفها إلى همتي الكليلة؛ لأمتاح من هديهم هديًا، ومن عزمهم عزمًا: درر كلمات القرضاوي وإقبال والسيد القطب وفوزي وعابدين وغزيل وأبي الوفا وحمام والأميري والرافعي والآخرين، ممن رادوا الطريق، ووضعوا الصوى، وثبتوا المصابيح والمشاعل؛ لنسير دون أن نصطدم بجدار، أو نسقط في حفرة، أو نعلق في فخ!    جزاك الله ألف ألف خير عني وعن جيلي يا أبا مازن!

   ترى هل أستطيع أن أرد بعض دينك يا رجل؟

أستبعد والله يا أنيس شبابي، وسمير كهولتي، وصديق شيبتي! أستبعد رغم تشرفي بتقديمك علنًا لأول مرة في برنامجي التلفزيوني تنوير.. ورغم نشري الحوارات الرضائية على الشبكة الإسلامية، ورغم المشاجرات والمناقرات والتهديدات بكوندوليسا والعَوّ ورمْسِزِفْت للأخ الجميل أكرم رضا.. الذي طنش تهديداتي، ولم يأخذها على محمل البتاع، ثم – لطيبة قلبه – سمح لي بإثارة بعض المشاكل، بقراءة مطبوعته الرائدة المتفردة، بحسها الصحفي الحواري الحلو، وسبقِها الذي يدعو للغيرة، وفتحِها لنوافذ من العبير، والذكرى، والألوان البهيجة، على عالمنا الكئيب، الذي تُكدر صفو سمائه الغربان، والسحاب الأسود، وينخر في بنيانه السوس والعفن..

       أيها الجميل أبا مازن.. أيها المهندس رضوان عنان: سامحني على التقصير، وعن عجزي عن الشكر والعرفان، ولا أملك أغلى من دعوة صادقة، أن يجمعني الله تعالى بك على التوحيد والبركة في الدنيا، وفي الفردوس الأعلى مع محبيك إخوانًا على سرر متقابلين.. اللهم آمين يا رب العالمين.

     أطال الله عمرك.. وختم لي ولك بالصالحات.. وجمعني بك في فردوسه الأعلى؛ من غير سابقة حساب ولا عقاب.. مع من حدوتَ لهم، ومن أحبوك، ومع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.. وسيدنا الحبيب المصطفى مسك الختام وطب القلوب.. اللهم آمين.. والحمد لله رب العالمين.

محبك المدين لك

عبد السلام البسيوني

 

من هو أبو مازن:

  • هو المهندس رضوان خليل عنان/ سوري من مواليد 1952م/ عرفه الشباب المسلم في أوائل الثمانينات باسم (أبو مازن)، واشتهر الاسم، وانتشرت أساطير تجلب التعاطف نحوه، منها أنه معتقل مخضرم في سجن تدمر، أوقع به تعذيب هائل مات تحت وطأته، وأنهم قصوا لسانه قبل أن يعدموه، وغير ذلك..
  • ذاع اسمه وتردَّد مع انتشار أشرطته التسعة، خصوصًا في السبعينيات والثمانينيات، والمشتهرة باسم (أناشيد أبي مازن)، وهو الرائد الحقيقي لمنشدي الصحوة.
  • صاحب: ملحمة الدعوة، وقصة شهيد، وأخي أنت حر، وآنست نور الله… وأنشد شريطًا عاشرًا (لا تحزني) عام 2000 بعد ما تأكد أن أشرطته منتشرة ذائعة الصيت.
  • بدأ الإنشاد وهو طالب في الثانوية، وخلال عامين أنتج أشرطته التسعة، ثم توقف عام 1970م. ومضى في حياته ليتخصص في الهندسة، وخرج من سوريا ليفتح مصنعًا في مصر، يتعيش منه حتى يومنا هذا.. ولم يعد لها زائرًا إلا عام 1987..
  • جمع الكتب التي احتوت على الأشعار التي انتقاها، ووضعها في مكان من بيته – لكونها تطارد كأنها ممنوعات – ثم بنى عليها جدارًا مِنَ الأحجار ليخفيها.
  • لم يعرِف مصير هذه الشرائط، ولم يكن يعلم أنها انتشرت انتشارًا واسعًا إلا بعد نحو عشرين سنة من إبداعها.
  • انتقى أشعاره التي لحنها وأدّاها من المجلات الدورية التي كانت تصدر في العالم الإسلامي، ثم اتجه إلى دواوين الشعر الإسلامي المعاصر منتقيًا منها، حتى عثر على ديوان الشيخ إبراهيم عزت رحمه الله فأكثر من الأخذ منه: ملحمة الدعوة/ امرأة الشهيد/ اليوم عيد/ مصعب بن عمير/ حبيـبتي بلادي/ الله أكبر/ أخي أنت حر.. وغيرها. وكان ينوي غناء قصائد الديوان كلها.

تدور معظم أناشيد أبي مازن في أشـرطته التسعة – كما كتب الأستاذ نجدت لاطة – عن السجون والمعتقلات والمشانق، والجهاديات، والدعويات، والروحانيات، والموضوعات الإسلامية العامة. ولكن أناشيد السجون والمعتقلات والمشانق والجهاديات أخذت الطابع العام لمعظم أشرطته، وقد كانت تُنشد بألحان حزينة تناسب الأجواء التي يعيشها السجناء تحت أقبية السجون الحالكة، وتحت سياط السجانين، وتأوهات المعذبين. ويمكن أن نصف أشرطة المنشد أبي مازن بأنها نشيد أدب السجون والمعتقلات والمشانق.


(*) كاتب وداعية كبير وشاعر وأديب ساخر.

اترك تعليق

  1. يقول sonya:

    When we fuck, you’re not allowed to pull out http://prephe.ro/y6sn

  2. يقول موسى بن صالح:

    اللهم اغفر له و ارحمه و اجهزه خير الجزاء و اسكنه بجوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم