أزمةُ عَالِم .. العزوف عن العُلماء والمربين!

بقلم د. أحمد طه (*)

يتحدث الناس دائماً عن أزماتهم التي تدخل عليهم، أو تنزل بأرضهم، وهي لا محالة مختلفة ومتعددة، فردية وجماعية، ومع كونها جزءاً من سُنة الابتلاء التي أجراها الله تعالى على الخلق؛ والمسلمون في الصدارة منهم؛ إلا أننا مطالبون دائماً معها بأخذ الأسباب في دفعها، أو في تخفيف التعايش معها، من هذه الأزمات الموجعة “أزمة العزوف عن العلماء والمربين”، وتتجلى هذه الأزمة التي باتت قوية وهوّاتها تتسع يوماً بعد يوم في حديث نبوي مهم يبرز هذه الأزمة ويبين إشكالاتها، فقد روى الإمام أحمد عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: “إِنَّكُمْ لَتُجَاوِزُونَ إِلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: إِنَّكُمْ لَتَخُطُّونَ إِلَى أَقْوَامٍ مَا هُمْ بِأَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَّا، مَا كَانُوا أَحْصَى وَلَا أَحْفَظَ لِحَدِيثِهِ مِنِّي، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَا بَيْنَ آدَمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ” (صحيح).

أسباب الأزمة

لعل هذا الصحابي الجليل قد نفث عن مكنون صدره، بل عن صدور جلة من العلماء من بعده؛ في أزمة واحدة نزلت بهم؛ يتحامل بعضهم على إبرازها والكلام عنها، ويدفع الحياء والعزة البقية منهم في عدم ذكرها تلميحاً أو تصريحاً، ولكني معجب جداً بما قاله الصحابي الجليل هشام بن عامر رضي الله عنه في بيان هذه الأزمة، منبهر بجهريته هذه في إبرازها، ولعل الأسباب التي دفعت إلى وجودها أبينها فيما يلي:

– تجاوز العلماء الحقيقيين المتخصصين إلى غيرهم: كما بين هشام بن عامر رضي الله عنه، فنحن نرى في يومنا هذا تصدير المتعالمين وطلاب العلم المبتدئين، وتقديمهم متجاوزين بذلك علماء الأمة ومربيها؛ الذين علموهم وأفنوا أعمارهم في العلم والطلب والدعوة إلى الله تعالى، والأسباب في هذا الأمر ووجوده كثيرة ومتعددة، منها ما يرجع إلى الناس أنفسهم، ومنها ما يرجع إلى من يصدر نفسه متجاوزاً مَنْ هو أعلم منه بل مقلل لشأنه!

– عدم التقدير المادي والمعنوي لهم ولعلمهم: فإن العلماء في القديم كانت تثنى عندهم الركب، وتطلب إليهم الرحلة، وتقطع في سبيل لقياهم الفيافي، وتبكي على رحيلهم الأصقاع والأمصار، وتجري عليهم الأعطيات؛ فيزهدوا فيها أو يتصرفوا على الخلق منها أو يتعايشوا بالحسنى من خلالها، وغير ذلك، لم يعد الأمر كما كان ولم يعد التقدير كما ينبغي، فالإعراض والتجاهل أو البخس وعدم التقدير لهم عنوان المرحلة الحالية للأسف الشديد.

– غياب فقه الإحالة إلى العلماء والمتخصصين: ففي القديم كان العالم يمتنع عن الكلام إن كان من أهل بيئته من هو أعلم منه، ويجهر بهذا ويحيل عليه، ويرجع إلى قوله لو كان قوله مخالفاً له، ويسكت في مجلسه أدباً معه، وغير ذلك في جملة عظيمة من الآداب والأسس التي تؤكد تقديم السابق على اللاحق، والمنشغل بالعلم عن غيره، وكذا المتصدر في فن من فنونه عن الذي لم يصل لرتبته، وهذا بين العلماء الذين أجيزوا في التعليم والتدريس، فما بالك لو كان الأمر بين تلميذ وشيخه، أو بين طالب علم وعالم.

– الاغترار بصغار العلم أو غير المتخصصين: والأسباب في هذا متعددة: فمنها ما يرجع إلى طلب الشهرة والأضواء المنافيتين لكثير من صدق النوايا والمقاصد، ومنها ما يرجع لتمييع قضايا العلم والفقه، فينظر إليهم على أنهم الميسرون المرنون، فتتهافت عليهم الأقدام والاتصالات، ومنها ما يرجع إلى الأسلوب الذي قد يتفوق بزخرفه على شيخه، ومنها ما يرجع للدعاية القوية والهالة المصطنعة التي تبرزها الجماهير أو يبرزه صغير العلم بنفسه، وغير هذا، وجميع ما سبق يضعف الصلة بالعلماء الحقيقيين المتخصصين ويدفع إلى الالتفاف بغيرهم من هؤلاء.

– ارتفاع الإخلاص والتجرد أو تأويلهما: ما دفع لوجود هذه الأزمة أيضاً غياب الإخلاص والتجرد في طلب العلم وتبليغه، فلو كان الأمر حسبة لله لما وجدت هذه الأزمة ولما تفاقمت بين الأجيال ووصلت إلى ما نحن فيه؛ فالإخلاص والتجرد يقتضيان العمل لله تعالى الذي يدفع بمن يجلس بين يديك إلى الإدلال على غيرك، أو مشاورة من هو أفقه منك في المسائل والعلم، أو الإحالة إليه كما سبق الحديث عنها، وهذا يدلل على نفي جملة من الأمراض على رأسها التحاسد والكِبر، والمشكلة تكمن عندما تواجه أمثال هؤلاء إلى النفي، أو فتح مساحة أخرى من أدلة أخر تُتأول لتمرير ما يقومون به، ليستمروا على ما هم عليه.

– عدم الاعتراف أو تبني الدولة لهم: فالأزمة تتفاقم عندما يندثر الاعتراف من الآخر بمن سبق، وتختفي المساندة والتبني من أجهزة الدولة بعلمائها، وقد يكون هذا بشكل كلي كنسيان ذكره، وتعمد عدم الإشارة إليه، والدلالة عليه، أو بشكل باهت جزئي، كذكره عابراً أو ذكره مع إضعاف جهده أو إبراز سقطه، وقد يكون هذا أيضاً من الدولة لأسباب أخرى تتعلق بالسياسة أو المزاجية للساسة أو المحسوبية أو غير هذا.

– زهد العالم واعتزازه بعلمه ونفسه: وهذه معروفة مجربة، فالعالم الرباني يدفعه علمه ودينه إلى إكرام ما يحمل ويرى أن المزاحمة على الظهور والتصدر أمر ينافي هذا ويقلل من عزته ويهون علمه ويجرئ غيره عليه؛ فيظل حبيس بيته ودفاتره، أو حبيس محراب صغير بجوار بيته يتردد إليه الواحد بعد الواحد، وهذا الاعتزاز حق وأصل، لكنه ذو ضريبة عظيمة يجنيها كثير من الناس.

– غياب العالم عن الاستفادة بالوسائل الحديثة: فكثير من العلماء لا يريد أن يفتح نوافذ الوسائل المتنوعة الحديثة لعلمه، ويبني حواجز بينه وبينها، إما تعلماً وإما استخداماً وتوظيفاً، على عكس غيرهم من المتعالمين أو الأقل شأناً منهم في العلم والجهد، ومعلوم أن هذه الوسائل سبب كبير وأساسي الآن في الإبراز والنشر وإعادة الأمور إلى نصابها.

الحل المقترح للأزمة

والحل في وجهة نظري يكمن فيما فعله هشام ما دام الإخلاص موجوداً والحق معروفاً: “قدم نفسك واذكر سهام جعبتك – الفت الانتباه إليك بشيء مما تحمله – خاطب الجموع والهيئات بما عندك – كون تلاميذ يحملون علمك – استخدم كل وسيلة محمودة في إبراز علمك – لا تنتظر التفات الناس إليك”.

وفي الختام، أرجو أن ينبري الصادقون والصالحون وأهل الفضل والعلم والدولة إلى تصدير العلماء وتقديرهم ونشر علومهم على كافة الأصعدة لتحل أزمة العالم اليوم.


(*) دكتوراة في الحديث الشريف وعلومه- جامعة الأزهر الشريف، وإمام المنتدى العربي الألماني بلاندسهوت ألمانيا، والمقال منقول عن مجلة المجتمع.

اترك تعليق