إبطال الإرجاف حول سنة الاعتكاف

بقلم الدكتور منير جمعة(*)

الاعتكاف فى المسجد عبادة جليلة، وواحة ظليلة، تجلب صفاء الروح، ونقاء القلب، وهو فرصة عظيمة للخلوة مع الحق سبحانه، والانقطاع عن الخلق، وطرد الصوارف عن تحصيل ثواب الآخرة، وتجديد العهد مع رب العالمين.

وقد هالنى فى عصرنا هذا تخوّف بعضهم منه، واجتهادهم فى محاولة صدّ الناس عن سنة شريفة وبذرائع متهافتة، وحجج ساقطة، وتذكرت على الفور قول الإمام الزهرى- رحمه الله-: “عجباً للمسلمين! تركوا الاعتكاف؛ مع أن النبى صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل”.

اعتكاف السُنّة:

الاعتكاف- عموماً- هو لزوم المسجد بنية مخصوصة، وهى التقرب إلى الله تبارك وتعالى، أما اعتكاف السنة، فهو اعتكاف الليالى العشر الأواخر من رمضان، لحديث عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها: “أن النبىّ صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده” (رواه البخارى رقم 2027، ومسلم رقم 1171).

فانظر إذن كيف كان النبى صلى الله عليه وسلم يحرص على الاعتكاف، مع تزاحم مهامه، وكثرة أعبائه وهو قائد الدولة الإسلامية، والمسؤول الأول فيها؟ ولم يتذرع بضيق وقته، وقلة فراغه، كما يفعل الكثيرون الذين عطلوا فقه الأولويات، فجعلوا الذهاب للمصيف عملاً واجباً يستحق أن تفرّغ له الأوقات، وتحشد له الطاقات، فى الوقت الذى أماتوا فيه سنة الاعتكاف تقريباً، ولم يلتفتوا- بسبب تلبيس إبليس- لهذه المفارقة العجيبة!

وأما من شرح الله صدره لإحياء هذه السنة المباركة، فإنى- بإذن الله تعالى- أذكر له بعض أحكام الاعتكاف وفوائده.

الاعتكاف العام:

الاعتكاف العام ليس له وقت محدد، فهو جائز فى كل وقت، وإن لم يشترط له الصوم- وهو الصحيح- قالوا: أقله ما يُطلق عليه اسم لُبث، ولا يشترط له القعود، وقيل: يكفى المرور مع النية، كوقوف عرفة، فقد روى عبد الرزاق- بسند صحيح- عن يعلى بن أمية الصحابى: “إنى لأمكث فى المسجد الساعة، وما أمكث إلاّ لأعتكف” (فتح البارى 4/319)

ويرى الأحناف أن أقل مدة للاعتكاف يوم كامل، ويرى المالكية أن أقله يوم وليلة؛ لأنهم جعلوا الصوم شرطا فى صحته (انظر نيل الأوطار 4/ 317).

وقد جاء فى البخارى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: “يا رسول الله إنى نذرت أن أعتكف ليلة فى المسجد الحرام؛ فقال: أوف بنذرك” ويستفاد من هذا الحديث أن المكوث فى المسجد ليلة يصح تسميته بالاعتكاف.

وعند أكثر الفقهاء أن المسلم لو دخل المسجد وجلس ينتظر الصلاة، ونوى الاعتكاف تقرباً إلى الله عز وجل صحّ اعتكافه؛ لأنهم لم يشترطوا الصوم إلاّ فى الاعتكاف المنذور، وبعضهم لم يشترطه مطلقاً.

بداية الاعتكاف ونهايته:

من نوى اعتكاف السنة اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم، ورغبة فى المثوبة، فالصحيح عند جمهور الفقهاء أن الاعتكاف يبدأ من ليلة الحادى والعشرين، أى أن المعتكف يدخل المسجد قبل غروب شمس اليوم العشرين، ويخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر عند الشافعى وأبى حنيفة، وقال مالك وأحمد: إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه، والمستحب أن يبقى فى المسجد إلى أن يخرج لصلاة العيد. والحق أن الأمر فيه سعة، وعلى المعتكف أن يرى الأنفع له فيفعله، فقد يكون له أهل أو ولد، فيستحب له القيام على أمرهم ليلة العيد، وإدخال السرور عليهم، وبخاصة أن الأئمة الأربعة اتفقوا على أنه لو خرج بعد غروب الشمس أجزأه (انظر فقه السنة 1/403).

والاعتكاف للرجال والنساء لا يصح إلا فى المسجد لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة:187)، وعموم لفظ “المساجد” ينفى أن يكون معنى حديث: “لا اعتكاف إلا فى المساجد الثلاثة”- إن صحّ لنفى الصحة، بل هو على الراجح من كلام العلماء- لنفى الكمال، فالاعتكاف يصح فى كل مسجد تقام فيه الجمعة، حتى لا يضطر المعتكف للخروج لأدائها فى مسجد آخر، ولا يجوز تقييد هذه السنة بتخصيص بعض المساجد دون بعض.

كيف يقضى المعتكف وقته؟

بدهى أن الاعتكاف ليس مجرد خلوة علاجية، يهدئ فيها المعتكف من روعه، ويتخفف من ضغوط الحياة، ويقلل من انفعالاته الضارة، كما يرى بعض الأطباء؛ بل هو فوق ذلك انشغالٌ وأُنسٌ بالله عز وجل، ولذا فينبغى للمعتكف أن يكون اعتكافه بالروح قبل الجسد، أى أن يكون مقبلاً على الله بالكلية، ولذا قال العلماء: يستحب له أن يكثر من النوافل، وأن يشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والاستغفار والدعاء والذكر، ويدخل فى هذا الباب أيضاً مدارسة العلم النافع، وقراءة سير الصالحين، ويستحب له أن يتخذ خباء، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لينعزل عن الناس، إن أمكن ذلك، وإلاّ فلا يُشترط؛ ويكره له ألا يشغل نفسه بما لا يعنيه، أو بكثرة الكلام مع غيره؛ كما يفعل بعض الذين يظنون أن الاعتكاف فرصة للانفراد بالأصدقاء والأحباب!

ويباح له أن يرجّل شعره، ويحلق رأسه، ويقلّم أظفاره، وينظف بدنه، ويتطيب بالطيب، وأن يأكل ويشرب فى المسجد- مع الحفاظ على صيانته ونظافته- والاغتسال من الجنابة، قالت عائشة رضى الله عنها: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدنى رأسه إلىّ فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان” (متفق عليه).

وبناء على هذا الحديث فإنه يباح للمعتكف أن يخرج لإحضار الطعام والشراب، وأن يخرج للحاجة التى لابدّ له منها. ويباح له أيضاً أن يعقد العقود الجائزة فى المسجد، كعقد النكاح، وعقد البيع والشراء، وهو كلام الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة والسلع إلى المسجد (انظر بدائع الصنائع 2/176).

ويباح له أن يخرج لتوديع أهله إذا زاروه فى معتكفه، كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم مع زوجه صفية (رواه الشيخان).

ويبطل الاعتكاف: بالخروج لغير حاجة عمداً وإن قلّ، وبالجنون والسكر والحيض والنفاس والجماع لقوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة:187)، أما القبلة واللمس بشهوة، فيفسد بهما الاعتكاف عند مالك، وفى رواية عند الشافعى، وقال أحمد وأبو حنيفة: “لا يفسد اعتكافه إلاّ أن ينزل، مع ارتكابه للحرام”. وأما اللمس بلا شهوة فلا بأس به، فقد مرّ بنا أن عائشة رضى الله عنها كانت ترجّل شعر النبى صلى الله عليه وسلم وهو معتكف.

اعتكاف الموظفين:

جمهور العلماء على أن المعتكف لا يجوز له أن يتاجر ولا أن يخيط، ولا أن يتخذ حرفةً أو صنعةً فى المسجد، فقد روى المروزى قال: “سألت أبا عبد الله (أى الإمام أحمد بن حنبل) عن المعتكف: ترى له أن يخيط؟ قال: لا ينبغى له أن يعتكف إذا كان يريد أن يخيط.” (انظر المغنى لابن قدامة 4/311).

ولكن السؤال الذى يثور اليوم: إذا كان نهى الفقهاء منصبّاً على الحرفة أو الصنعة فى المسجد، فما الحكم لو خرج من المسجد ليعمل فى أمر ضرورى له، لم يستطع تركه، ثم عاد ثانية إلى المسجد، دون أن يعرّج على البيت؟

وفى الإجابة عن هذا السؤال الملحّ فى زماننا هذا سنجد أن الفقهاء اختلفوا هل يخرج المعتكف من المسجد أولا؟

بسبب نصّ حديث عائشة المتقدم: “وكان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان” وقد فسّرها بعضهم بالغائط والبول. ولكن النصّ أعم من ذلك التفسير، قال الشيرازى: “إن تعيّن عليه (أى المعتكف) أداء شهادةٍ لزمه الخروج لأدائها، لأنه تعين لحق آدمى، فقدّم على الاعتكاف، وهل يبطل اعتكافه بذلك؟ ينظر فيه: إن كان يعيّن عليه تحملها لم يبطل لأنه مضطر إلى الخروج وإلى سببه، وإن لم يتعين عليه تحملها؛ فقد روى المازنى أنه قال: “يبطل الاعتكاف” (المجموع للنووى 6/502) وقد أجاز الشافعى خروج المؤذن من المسجد إلى منارةٍ خارجه ليؤذن فيها (المجموع 6/496)، أما الأحناف؛ فقد نقل ابن عابدين (فى رد المحتار 2/493).

“أن الصاحبين (أبا يوسف ومحمداً) يريان جواز خروج المعتكف إذا كان أقل من نصف يوم لحاجة ولغير حاجة”. ولكن حديث عائشة السابق ينصّ على عدم جواز الخروج إلاّ للحاجة، ولذا فإن ما نرجحه جواز خروج المعتكف لوظيفته بشروط ثلاثة:

أولها: أن يكون عمله ضروريَّا لا يمكن له الاستغناء عنه.

وثانيها: ألا يستغرق عمله اليوم كله حتى لا يضيع المقصود من الاعتكاف.

والشرط الأخير: أن يعود بعد العمل مباشرة إلى معتكفه، لأن الضرورة تخص عمله لا سواه.

وإذا كان فى المسألة خلاف، فالأولى القول بالأيسر، حتى لا نحرم قطاعاً كبيراً من المسلمين من إحياء هذه السنة العظيمة، وبخاصة أن نص حديث عائشة يسمح بهذا القول.

فوائد الاعتكاف:

يصعب على المرء أن يحصر الفوائد المرجوة من هذه العبادة الجليلة، ولكننا سنقتطف- بتصرف- بعض اللطائف التى أشار إليها الإمام الغزالى فى الإحياء ومنها:

1- أن المعتكف زائر الله، “وحق على المزور أن يكرم زائره” (صححه الهيثمى فى مجموع الزوائد 2/ 31).

2- أنه جعل المسجد بيته، وفى الحديث عن أبى الدرداء: “إن الله عز وجل ضمن لمن كانت المساجد بيته؛ الأمن، والجواز على الصراط يوم القيامة” (إسناده حسن، كما فى مجمع الزوائد 2/22).

3- انتظاره للصلاة بعد الصلاة، فيكون عند انتظاره فى صلاة، كما جاء فى الحديث: “لا يزال أحدكم فى صلاة ما دامت الصلاة هى تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلاّ الصلاة” (رواه البخارى برقم 659).

4- الاعتماد في تفريج الكروب على الله، ولزوم السر للفكر فى الآخرة، ودفع الشواغل الصارفة بالاعتزال إلى المسجد هذه المدة، مع التجرد لذكر الله، فقد قال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة:197).

5- أن يقصد إفادة العلم، بأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فالمسجد لا يخلو ممن يحتاج ذلك، وفى الحديث: “من غدا إلى المسجد لا يريد إلاّ أن يتعلم خيراً أو يعلمه، كان له كأجر حاج تاماً حجته” (رواه الطبرانى وصححه العراقى، والهيثمى كما فى المجمع 1/125).

6- أن تصيبه خصلة من خصال ثمانٍ، أشار إليها الحسن بن على رضى الله عنه بقوله: “من أدام الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى ثمانى خصال آية محكمة، أو أخاً مستفاداً، أو رحمة منتظرة، أو علماً مستطرفاً، أو كلمة تدل على هدى، أو تصرفه عن ردى، أو ترك الذنوب خشية، أو حياءً”.

وهكذا نجد الاعتكاف مدرسة تربوية كبرى، من حرمها فقد حرم خيراً كثيرا، ربما لا يدركه فى غيرها.


(*) عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

اترك تعليق