إحدى وثلاثون حكمة ودَلالة في صيام ستة أيام في شوال أو بعده

بقلم فضيلة الشيخ جعفر الطلحاوي(*)

(هذا المقال كتبه فضيلة الشيخ جعفر الطلحاوي، وحاول فيه استقصاء الحكم التشريعية من صيام الستة أيام من شوال، وهو ما لم يسبق إليه بهذه الكثافة والجمع الشامل المتتبع للمعاني والمقاصد)، قال:

  1. استحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء:

هذا هو مذهب السلف والخلف وجمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ، والشافعي وأحمد .للحديث الصحيح عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ”.‏صحيح مسلم  كتاب الصيام. باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتباعاً لرمضان.عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: “الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار[1].

قال أبو السعادات ابن الأثير في النهاية: أي إذا ترك الناس الطاعات ورغبوا عنها . كان المتسمك بها له ثواب كثواب الكار في الغزو بعد أن فر الناس عنه.وقد قال تعالى :”فإذا فرغت فانصب”  في هذه الآية الكريمة حث على الاجتهاد في العبادة والنَّصَب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلى وقتا من أوقاته منها. فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى، فنحن لتوِّنا فرغنا من صيام الفرض (شهررمضان ) فلننهض لصيام السنَّة بأنواعها على مدار العام  وفي مقدمتها الأيام الستة.

 2- وجه كون صيام ستة أيام بعد رمضان يعدل صيام الدهر:

وإنما كان صيام رمضان واتباعه بصيام ست من شوال يعدل صيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها لقوله تعالى :” مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا”الأنعام/160. وقد جاء ذلك مفسرا من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة” صححه الألباني في الإرواء تحت حديث: 950 , وصَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1007 وهذا من عظيم فضل الله  تعالى أن تتاح للعبد فرصة الحصول على ثواب عبادة الدهر على وجه لا مشقة فيه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .ومن ذا الذي يتأتي له صيام الدهر مع القيام بباقي التكاليف والمسؤوليات والتبعات المنوطة به للخالق سبحانه وللخلق ؟؟!! انظر مثلا  قيام الليل كله ، يكره صلاة كل الليل دائماً لكل أحد،لأن في صلاة الليل كله لا بد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق، لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر، وإن نام نوماً ينجبر به سهره فوَّت بعض الحقوق، بخلاف من يصلي بعض الليل فإنه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئاً في النهار كان يسيراً لا يفوت به حق ولهذا رأينا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، لا يُقر من عزم على قيام الليل كله بلا نوم ، كما في الصحيح عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي” صحيح البخاري،. كِتَاب النِّكَاحِ. باب التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ. لقد أرشد هذا الحديث إلى طريقة النبي صلوات الله وسلامه عليه الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم وينام ليتقوى على القيام ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.وقس على هذا الصيام كما رأينا في هذا الحديث الصحيح وسائر التكاليف الأخرى .فسبحان من يمن بالفضل على من يشاء من عباده.

  1. حكمة النص على شوال أن ثواب الصيام فيه ثواب الفرض:

فإن قال قائل: فلو صام هذه الأيام الستة من غير شوال يحصل له هذا الفضل؟ فكيف خص صيامها من شوال؟ قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل  والأجر والثواب فيكون له أجر صيام الدهر” فرضا” ذكر ذلك ابن المبارك وذكر: أنه في بعض الحديث حكاه الترمذي في جامعه ولعله أشار إلى ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها: أن من صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان. وأكثر العلماء على: أنه لا يكره صيام ثاني يوم  الفطر وقد دل عليه حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لرجل: [ إذا أفطرت فصم]

ومما لا شك فيه أن ثواب وأجر الفرض أعظم وأكبر من ثواب وأجر النافلة ، هذا من ناحية وأخرى أنه إذا تحقق صيام الدهر أو تحصَّل ثواب صيام الدهر بصيام ستة أيام مع رمضان ، وكان الأجر بحساب الفريضة ، فإنه ثمَّة طريق أخرى لتحصيل ثواب صيام الدهر ولكن بحساب النافلة وذلك للحديث الصحيح عن عبد الله بن عَمْرو – رضي الله عنهما – قال : قَالَ لي رَسُول الله صلوات الله وسلامه عليه – صم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن لَك بِكُل حَسَنَة عشر أَمْثَالهَا، فَإِن ذَلِك صِيَام الدَّهْر ” الجمع بين الصحيحين (3/ 430)[2] وثمَّة روايات عن عائشة وأم سلمة ، وأبي ذر عبد الله بن مسعود وغيرهم – رضي الله عن الصحابة أجمعين.

4- في النص على شوال إرادة اليسر والسهولة على المكلفين:

أن المراد به الرفق بالمكلف , لأنه حديث عهد بالصوم , فيكون الصوم أسهل عليه وأيسر ، ومما لا شك فيه أن صيام اليوم العشرين وما يتلوه لا يكون فيه من المشقة ما يكون في اليوم الأول وتاليه ، من نقص لنسبة السكر في الدم ، وتغيير نمط الحياة ، فيسهل الأمر بعد ذلك ويهون، ولذا تم النص على شوال لأنه الأيسر والأسهل ، فيُستحب للمسلم أن يعمد إلى الأسهل والأيسر من أمور عبادته وطاعته إيلافا للنفس على الطاعة وعونا لها، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت {ما خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه … }[3]  ألم تر إلى الحديث الشريف عن عامر بن مسعود الجُمَحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة}[4] رواه أحمد ، ومراعاة اليسر على النفس في القيام بالعبادة متوافق مع روح الشريعة السمحاء يقول تعالى وسط آيات الصيام : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)البقرة/185

ويقول تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)البقرة/286

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ.”صحيح البخاري،  كِتَاب الْإِيمَانِ. باب الدِّينُ يُسْرٌ.

وقال رسول صلى الله عليه وسلم:” إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتاً وَلاَ مُتَعَنِّتاً، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّماً مُيَسِّراً”.صحيح مسلم.كتاب الطَّلاق.  باب بيان أن تخيِّير امرأته لا يكون طلاقاً إلاَّ بالنِّية. وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل ولأبي موسى الأشعري عندما بعثهما إلى اليمن: ” “يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا”. ‏ صحيح البخاري، كِتَاب الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ. باب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْحَرْبِ وَعُقُوبَةِ مَنْ عَصَى إِمَامَهُ. صحيح مسلم كتاب الجهاد والسِّير. باب في الأمر بالتَّيسير، وترك التَّنفير. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً

  1. ثالث حكمة في النص على شوال المشقة في الصوم بعده لبعد العهد:

 إذًا في ذكر شوال تنبيه على أن صوم هذه الأيام الستة في غير شوال أفضل , -لما كان الثواب على قدر المشقة – حكاه القرافي من المالكية , وهو غريب عجيب.ويشهد له قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنّ لَكَ مِنَ الأَجْرِ على قَدْرِ نَصَبِكَ ونفقتك) صحيح الجامع حديث رقم: 2160 عن عائشة رضي الله عنها – [الألباني] وفي الرواية الأخرى: (أجرك على قدر نفقتك)وفي الصحيح عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال:” إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَء..”[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقم: 4031، وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 2111، 146] موسوعة الرقائق والأدب – ياسر الحمداني (ص: 4894، بترقيم الشاملة آليا)

  1. رابع حكمة في النص على شوال القصد إلى المبادرة بالصيام قبل العوارض والموانع:

أن المقصود به المبادرة بالعمل , وانتهاز الفرصة , خشية الفوات.أو قبل أن تعرض العوارض ، وتمنع الموانع ، قال تعالى {فاستبقوا الخيرات} وقال تعالى {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم.وفي الأثر “بادِرُوا بالأَعْمالِ هَرَماً ناغِصاً وَمَوْتاً خالِساً وَمَرَضاً حابِساً وَتَسْوِيفاً مُؤْيِساً[5] “هب – عن أبي أمامة” وفى رواية أو “ندمًا قائمًا” ومن غريب الحديث: “ناغصًا”: مكدرًا. “خالسًا”: يأتى خلسة.وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْظُرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَّرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ[6]. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم[7]

ومعنى بادر الشيءَ: عجل إليه , واستبق وسارع.

 قالوا: ولا يلزم أن يعطي هذا الفضل لمن صامها في غيره , لفوات مصلحة المبادرة والمسارعة المحبوبة لله.وأقول لا حرج على فضل الله تعالى وظاهر الحديث “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ،صحيح مسلم  كتاب الصيام. باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتباعاً لرمضان مع هذا القول. أي المبادرة قبل أن تمنع الموانع ومن ساعده الظاهر فقوله أولى. ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال , وإلا لم يكن لذكره فائدة.

  1. خامس حكمة في النص على شوال استدراك الرسول Iفيه ما فاته فى رمضان:

قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله تعالى – قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ثم قضاه في شوال فاعتكف العشر الأول منه كما في صحيح البخاري  عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَالْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ” صحيح البخاري كتاب الاعتكاف.

باب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ. فيه دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضي استحبابا

وقضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب لأنه كان إذا عمل عملا أثبته لم يدخل فيه؛ لأنه Iكان أوفى الناس بما عاهد عليه الله ، قال المهلب: فى قوله عليه السلام: (آلبر ترون بهن) من الفقه أن من عُلم منه الرياء فى شىء من الطاعات فلا بأس أن يُقطع عليه فيه ومنعه منه، ألا ترى قوله عليه السلام: (آلبر ترون بهن) . يعنى أنهن إنما أردن الحظوة والمنزلة منه عليه السلام، فلذلك قطع عليهن ما أردنه وأخر ما أراده لنفسه.

  1. سادس حكمة في النص على شوال استنهاض أم سلمة أهلها قضاء الدَّين فيه:

فقد ورد عن أم سلمة رضي الله عنها – أنها كانت تأمر أهلها من كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ أن يقضيه الغد من يوم الفطر فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال فإنه أسرع لبراءة ذمته، وبمثل ما قلنا في المسارعة إلى مرضاة الله تعالى نقول هنا بل إن المسارعة في أداء الفرض أولى منها في النافلة ، لمَّا كان الحساب بين يدي الله تعالى عن الفرض أولا ثم السنة .

  1. سابع حكمة في النص على شوال المسارعة إلى جبر الخلل:

لما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط , وهضم من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال , جابرة له , ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه. فجرى صيام  هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة , قلت وعلى هذا المعنى المسارعة إلى جبر الخلل والاعتذار عن السهو والتفريط خلال صيام الشهر فَحَسُن صيام الأيام الستة خلال شوال مثلها في ذلك مثل سجود السهو في الصلاة ، ولمَّا كان سجود السهو منه ما يكون قبل السلام ومنه ما يكون بعد السلام ، فكذا من لم يتمكن من صيام هذه الأيام الستة حلال شوال ، فليبادر بها بعده ، وفضل الله لا حرج فيه ، وتظهر فائدة اختصاصها بشوال إذا ما بادر بها المسلم , والله أعلم.

10- هل يمكن أن تُصام هذه الأيام الستة في غير شوال وتحصل نفس المزية والأجر؟:

نعم إن شاء الله تعالى للحديث الصحيح عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -:” صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ , وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ بِشَهْرَيْنِ , فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ) قال تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}  (جة) 1715 , صححه الألباني في الإرواء تحت حديث: 950 , وصَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1007

فهل الْمُرَادُ بقوله “…بَعْدَ الْفِطْرِ ..” الْبَعْدِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: “مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ {مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالها} صحيح الجامع حديث رقم: 6328 عن ثوبان[الألباني] صحيح الترغيب 997و صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1084)

قال الملا الهروي القاري فى مرقاة المفاتيح (..لَا يَخْفَى أَنَّ ثَوَابَ صَوْمِ الدَّهْرِ يَحْصُلُ بِانْضِمَامِ سِتٍّ إِلَى رَمَضَانَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي شَوَّالٍ فَكَانَ وَجْهُ التَّخْصِيصِ الْمُبَادَرَةَ إِلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْأَمْرِ، وَالْمُسَارَعَةَ إِلَى مَحْصُولِ هَذَا الْأَمْرِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذكَرْنَاهُ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1417)

ودليل من ذهب إلى أن ثوَابَ صَوْمِ الدَّهْرِ يَحْصُلُ بِانْضِمَامِ سِتٍّ إِلَى رَمَضَانَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي شَوَّالٍ ما أخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ والدارمي وَالْبَزَّار من حَدِيث ثَوْبَان عَنهُ[صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: “من صَامَ رَمَضَان وَسِتَّة أَيَّام بعد الْفطر كَانَ تَمام السّنة من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا “حيث قال “وَسِتَّة أَيَّام بعد الْفطر”

وهناك استنباط آخر دقيق في المسألة من نص حديث أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ”.‏صحيح مسلم  كتاب الصيام. باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتباعاً لرمضان” وذلك كالآتي : نقول “مِنْ ” تأتي في كتاب الله تعالى على نحو بضعة عشر معنى اتفق النحاة على أن المعنى الرئيسي لهذه المعاني  لــ(من) الجارة هو ابتداء الغاية ؛ مكانية: مثل: قوله تعالى {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، أو زمانية مثل: قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ} ، أو مطلقة من المكان والزمان مثل: قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} وفي الحديث الشريف قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) «مطرنا من الجمعة إلى الجمعة»

ومن معاني “مِنْ” أيضا في اللغة  التبعيض بأنْ تسدّ “بعض ” مسدَّها، نحو: (حتى تُنْفِقوا مما تحبون) .وقرأ ابن مسعود “بَعْض ما تحبّون” وعلى هذا إذا اعتبرنا أن ” مِنْ ” في قوله صلوات الله وسلامه عليه ” مِنْ شَوَّالٍ ” تبعيضية فعليه تكون الأيام الستة بعض شهر شوال، وإذا اعتبرناها ابتدائية  فيكون الصيام لهذه الأيام الستة في أي وقت من أشهر الإفطار ابتداء من شوال ، على اعتبار أنه أول أشهر الفطر ، ويكون النص على شوال في الحديث لأنه أول هذه الأشهر وللمعاني الأخرى التي سقناها ، ويشهد له الروايات الصحيحة التي سبقت فى هذا المبحث والتي جاء بها ذكر الأيام الستة دون قيد شوال : “مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ {مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالها} صحيح الجامع حديث رقم: 6328 [الألباني] قلت :وهذا الاستنباط الدقيق المفيد لكون صيام الأيام الستة يتحقق فضله وأجره ، وإن لم تقع في شوال – إن كان على صواب وهدي وفتح من الله تعالى  – يكون باب رحمة من الله تعالى لعباده فلا نُحجِّر واسعا ، وتبقي حكمة النص على شوال ما سبق أن أشرنا إليه والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم.

  11-المسارعة إلى ما فيه مرضاة لله تعالى:

في النهوض من ثاني أيام شوال إلى صيام الأيام الستة مسارعة إلى مافيه مرضاة لله تعالى قال تعالى:”وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى”طه/84 وقال تعالى:”وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ”آل عمران/133 وقال تعالى:”سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”الحديد/21.

  1. استكمال أجر صيام الدهر كله بحساب فرض رمضان بها:

من هذه الحِكَم أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله بحساب فرض رمضان ، فعن الشعبي قال: لأن أصوم يوما بعد رمضان أحب إليّ من أن أصوم الدهر كله وإلا فإن صيام الدهر يتحصل بطرق أخري عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ”.‏صحيح مسلم  كتاب الصيام. باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتباعاً لرمضان” ومن صور صيام الدهر وتحصيل أجره بيسر وسهولة ما ورد في الصحيح أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ له : رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ”. صحيح البخاري كِتَاب الصَّوْمِ.  باب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ.صحيح مسلم كتاب الصيام. باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرّر به أو فوّت به حقاً أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم، ولكن هذه الصورة الأخيرة صيام ثلاثة أيام من كل شهر يكون ثوابها ثواب النافلة بينما صيام ستة أيام بعد رمضان يكون ثوابها ثواب صيام الدهر بحساب الفريضة والحديث الصحيح قدَّم الفريضة على النافلة “..وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّه..” صحيح البخاري،  كِتَاب الرِّقَاقِ.  باب التَّوَاضُعِ.فافترق النوعان والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم.

  1. كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها:

من هذه الحِكَم  أن الصيام  فى شعبان وشوال كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها  في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنهما – قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وآله وسلم – اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» (رواه البخاري ومسلم.).هذا عن الصيام القبلي – أي قبل صوم رمضان- كما أن للصلاة سننا قبلية وأخرى بعدية فكذلك الصيام في الحديث الصحيح ،عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيْقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ:كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَاً، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمَاً، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِداً، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِداً رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.صحيح مسلم  كتاب صلاة المسافرين وقصرها.  باب فضل السُّنن الرَّاتبة قبل الفرائض وبعدهنَّ، وبيان عددهنَّ. وعند البخاري منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ”صحيح البخاري كتاب التهجد. باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى. وكذا الشأن في الزكاة للحديث في المال حق سوى الزكاة.وإن لم تكن بنفس التراتبية.القبلية والبعدية.

  1. إكمال النقص وجبر الخلل:

من حِكْمة مشروعية صيام الأيام  الستة بعد رمضان جبر الخلل ، وتعويض النقص الذي عساه أن يكون قد وقع خلال الصوم فالإنسان لا يخلوا من خطأ ونقص ومعصية، فكانت مشروعية النوافل التي تكمل الناقص من الفرائض ومن ذلك الصوم، فهناك مكروهات كثيرة قد يقع فيها صائم الفريضة تنقص أجر صومه، فشرعت النافلة لسد ذلك النقص وترقيع ذلك الخلل. فكل ابن آدم خطاء، والكل يجوز عليه الذنب والخطيئة، فشرع التطوع لجبر ذلك النقص، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة ” [رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه أحمد شاكر في تحقيق المسند]، فالمسلم يسعى لزيادة الأجر، وتحصيل المثوبة من الله تعالى، ولا يتأتى ذلك إلا بفعل الواجبات والإكثار من المستحبات، ومنها صيام ستة أيام بعد رمضان ، ومنها صوم يوم عرفة. وهناك أيام وأشهر رغب النبي صلى الله عليه وسلم في تحري صيامها لما فيها من أجر ومثوبة، وهي من صوم التطوع. فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال ولهذا في الحديث النهى أن يقول الرجل صمت رمضان كله أو قمته كله ،عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ صُمْتُ رَمَضَانَ وَلاَ قُمْتُهُ كُلَّهُ. وَلاَ أَدْرِي كَرِهَ التَّزْكِيَةَ، أَوْ قَالَ: لاَ بُدَّ مِنْ غَفْلَةٍ وَرَقْدَةٍ. – وفي رواية: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ. قَالَ قَتَادَةُ: فَاللهُ أَعْلَمُ أَخَشِيَ التَّزْكِيَةَ عَلَى أُمَّتِهِ، أَمْ يَقُولُ: لاَ بُدَّ مِنْ رَاقِدٍ، أَوْ غَافِلٍ[8]. حم (20795)

هذا والأصل في هذه الحكمة ما ورد عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه قال سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: “إنّ أولَ ما يُحَاسَبُ به العبد يومَ القيامةِ من عملهِ صَلاتُه، فإن صَلُحَتْ فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فَسَدَتْ فقد خابَ وخسرَ، فإن انتقصَ من فريضته شيءٌ قال الرب عز وجل: أنظروا هل لَعْبْدِيَ منْ تطوعٍ؟ فيُكْمِلُ بها ما انتقصَ من الفريضةِ، ثم يكونُ سائرُ عملِهِ على ذلك”.سنن الترمذي كتاب الصلاة عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ـ باب مَا جَاء أن أولَ ما يحاسَبُ به العَبْدُ يومَ القيامةِ الصّلاة.

قال العراقي في شرح الترمذي: هذا الذي ورد من إكمال ما ينتقص العبد من الفريضة بما له من التطوع يحتمل أن يراد به ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة المرغب فيها من الخشوع والأذكار والأدعية وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة وإن لم يفعله في الفريضة وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يُصَلِّه فيعوض عنه من التطوع، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلاة المفروضة ولله سبحانه أن يفعل ما شاء، فله الفضل والمن، بل له أن يسامح وإن لم يصل شيئاً لا فريضة ولا نفلاً (ثم تؤخذ الأعمال على ذاك): أي إن انتقض فريضة من سائر الأعمال تكمل من التطوع، وفي رواية لابن ماجه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. فالإنسان عليه أن يحرص على الفرائض ويحرص على النوافل، ولا يتهاون بالنوافل؛ لأن التهاون بالنوافل قد يؤدي إلى التهاون بالفرائض والعياذ بالله –

  1. مشروعية الصيام عند العجز عند صدقة الفطر:

كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة الفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات كما يقوم مقامه في كفارات الإيمان وغيرها من الكفارات في مثل كفارات القتل والوطء في رمضان والظهار فإنه في كفارات كثير من الذنوب قد تمت المراوحة بين الصيام والإطعام –

في كفارة اليمين:

قال تعالى:”لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ

أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”المائدة/89}‏

في كفارة الظهار:

قال تعالى:”وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ”المجادلة/3-4

وفي كفارة الجماع في نهار رمضان:

جاء الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَىَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: “وَمَا أَهْلَكَكَ؟”.

قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ.

قَالَ: “هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟”.

قَالَ: لاَ.

قَالَ: “فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟”.

قَالَ: لاَ.

قَالَ: “فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟”.

قَالَ: لاَ.

قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَقٌ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: “تَصَدَّقْ بِهَذَا”.

قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا.

فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّىَ بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: “اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ”. صحيح البخاري كِتَاب الصَّوْمِ.  باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ. ‏صحيح مسلم كتاب الصيام.  باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع.

وفي مشروعية  صدقة الفطر جاء في الحديث “طعمة للمساكين ، وطهرة للصائم من اللغو  والرفث”ومن ذلك استنبط الخليفة الخامس قيام الصيام مقام الإطعام عند العجز عن صدقة الفطر ، لاشتراكهما في تكفير السيئات كما أصَّلنا وفصَّلنا.

  1. نقض دليل سقوط النوافل بعد أداء الفرائض:

في الحديث الصحيح  عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: “نعم”. رواه مسلم  كتاب الإيمان.  باب بيان الإِيمان الَّذي يدخل به الجنَّة، وأنَّ من تمسَّك بما أمر به دخل الجنَّة.هذا الرجل السائل هو النعمان بن قوقل

وعن طَلْحَة بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ،

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

” خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟

قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَصِيَامُ رَمَضَانَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟

قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.

قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الزَّكَاةَ.

قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟

قَالَ لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.

قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.” صحيح البخاري كِتَاب الشَّهَادَاتِ. باب كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ.هذا الرجل لعله ضمام بن ثعلبة ،

 والحديث الصحيح هنا دليل على أن الإنسان إذا اقتصر على الواجب في الشرع فإنه مفلح ولكن لا يعني هذا أنه لا يسن أن يأتي بالتطوع لأن التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة وكم من إنسان أدى الفريضة وفيها خلل وفيها خروق وفيها خدوش تحتاج إلى تكميل وإلى رتق الصدع.

ومن ناحية أخرى يحتمل أن يكون هذا الحديث الأخير فى أول الإسلام قبل ورود كامل الفرائض ، فإنه لم يُذكر هنا الحج ، وشرائع وشعب أخرى للإيمان مما يقطع بأنه قد كان في أول الإسلام ولا يجوز أن يسقط فرض الحج عمن استطاع إليه سبيلاً، كما لا يجوز أن تسقط عنه فرائض النهى كلها، وهى غير مذكورة فى هذا الحديث، ولا يجوز ترك اتباع النبى (صلى الله عليه وسلم) والاقتداء به فى سنته، لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: 7] وفي الحديث تأويل آخر: يحتمل أن يكون قوله: تمت والله لا أزيد على هذا ولا أنقص – على معنى التأكيد فى المحافظة على الوفاء بالفرائض المذكورة، من غير نقصان شىءٍ من حدودها، كما يقول العبد لمولاه إذا أمره بأمر مهم عنده: والله لا أزيد على ما أمرتنى به ولا أنقص، أى أفعله على حسب ما حددته لى، لا أخلُّ بشىءٍ منه، ولا أزيد فيه من عند نفسى غير ما أمرتنى به، ويكون الكلام إخبارًا عن صدق الطاعة وصحيح الائتمار. ومن كان فى المحافظة على ما أُمِرَ به بهذه المنزلة، فإنه متى ورد عليه أمرٌ لله تعالى أو لرسوله فإنه يبادر إليه، ولا يتوقف عنه، فرضًا كان أو سُنَّةً. فلا تعلُّق فى هذا الحديث لمن احتج أن تارك السُّنن غير حَرِجٍ ولا آثمٍ، لتوعد الله تعالى على مخالفة أمر نبيه. في قوله تعالى :” ً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ

أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “النور/63. وبهذا التأويل تتفق معانى الآثار والكتاب، ولا يتضاد شىء من ذلك.شرح صحيح البخارى لابن بطال (1/ 105)

قال صاحب المفهم: لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للسائل في هذا الحديث شيئاً من التطوعات على الجملة وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة لكن من تركها ولم يفعل شيئاً فقد فوَّت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيماً، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه وقدحاً في عدالته، فإن كان تركه تهاوناً ورغبة عنها كان ذلك فسقاً يستحق به ذماً.

قال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطئوا على ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا. ولقد كان صدر الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابها.

وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلاً وتيسيراً لقرب عهده بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيراً، له وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره أو لئلاَ يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة فتركه لذلك. وإنما شرعت لتتميم الفرائض فهذا السائل والذي قبله إنما تركهما النبي صلى الله عليه وسلم تسهيلاً عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه، والحرص على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما. وهذا يسمى بمحافظته على فرائضه وإقامتها والإتيان بها في أوقاتها من غير إخلال بها – فلاحاً كثير الفلاح والنجاح – وليتنا وفقنا – كذلك ومن أتى بالفرائض وأتبعها النوافل كان أكثر فلاحاً منه. شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 83)

  1. رد شبهة ودفع تَوَهُّم قيام النافلة مقام الفريضة:

ولكن هل تقوم النافلة مقام الفريضة؟

في ذخيرة القرافي قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَا وَرَدَ مِنَ أَنَّ النَّوَافِلَ فِي الصَّلَاةِ تُكَمَّلُ بِهَا الْفَرَائِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْنَاهُ تَجْبُرُ السُّنَنَ الَّتِي فِيهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْدِلَ النَّوَافِلُ وَإِنْ كَثُرَتْ فَرْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ (مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ) فَفَضَّلَ الْفَرْضَ عَلَى النَّفْلِ وَإِنْ كَثُرَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا بِهَذَا الظَّاهِرِ غَيْرَ أَنَّهُ يُشْكِلُ بِأَنَّ الثَّوَابَ يَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَالْعِقَابَ يَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ ثُمُنَ دِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ يُرْبِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمِ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَإِنَّ قِيَامَ الدَّهْرِ لَا يَعْدِلُ الصُّبْحَ. الذخيرة للقرافي (13/ 358)

وقال الإمام جلال الدين السيوطي في حاشيته على سنن النسائي “..وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ يُكْمِلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ سَائِرُ الْأَعْمَالِ تجرى على حسب ذَلِك قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُكْمَلَ لَهُ مَا نَقَصَ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَأَعْدَادِهَا بِفَضْلِ التَّطَوُّعِ وَيَحْتَمِلُ مَا نَقَصَهُ مِنَ الْخُشُوعِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ كَذَلِكَ وَلَيْسَ فِي الزَّكَاةِ إلا فرض أَوْ فَضْلٌ فَلَمَّا تَكَمَّلَ فَرْضُ الزَّكَاةِ بِفَضْلِهَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَفَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْسَعُ وَوَعْدُهُ أَنْفَذُ وَكَرَمُهُ أَعَمُّ وَأَتَمُّ وَفِي أَمَالِي الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِنَّ النَّوَافِلَ مِنَ الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُكْمَلُ بهَا الْفَرَائِض المعني بذلك أَنَّهَا تَجْبُرُ السُّنَنَ الَّتِي فِي الصَّلَوَاتِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْدِلَ شَيْءٌ مِنَ السُّنَنِ وَاجِبًا أَبَدًا إِذْ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ أَحَدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ فَفُضِّلَ الْفَرْضُ عَلَى النَّفْلِ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ يُعَضِّدُهُ الظَّاهِرُ إِلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مُرَتَّبَانِ عَلَى حَسَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَلَا يُمْكِننَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ ثَمَنَ دِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ تَرْبُو مَصْلَحَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمِ تَطَوُّعٍ وَأَنَّ قيام الدَّهْرِ كُلِّهِ لَا يَعْدِلُ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ). حاشية السيوطي على سنن النسائي (1/ 236)

  1. أمارة عدم السآمة والملل من عبادة الله تعالى:

النهوض إلى صيام ستة أيام بعد رمضان دليل عدم السآمة والملل ، وأمارة انتفاء التضجر من هذه العبادة وفي الحديث الصحيح “…فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا”‏ صحيح البخاري كِتَاب الْإِيمَانِ. باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ. وفي الرِّواية الأخرى: “لاَ يَسْأَمُ حَتَّى تَسْأَمُوْا” وهما بمعنىً. والملال: استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق. إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازا كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ، قال القرطبي: وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالا، عبر عن ذلك بالملال من باب تسمية الشيء باسم سببه.

وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله فتزهدوا في الرغبة إليه.

وقال غيره: معناه لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم،

وقد ذمَّ الله من اعتاد عبادة ثمَّ فرَّط  فيها فقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]

ولم يقبل رسول الله صلوات الله وسلامه ، التشدُّد في العبادة على النفس ، وإنما أحب أخذ النفس بالعزيمة على الطاعة عند قوتها وحيويتها ونشاطها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: “مَا هَذَا؟”

قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ.

فَقَالَ: “حُلُّوْهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ”.

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها. باب فضيلة العمل الدَّائم من قيام اللَّيْل وغيره والأمر بالاقتصاد في العبادة وهو أن يأخذ منها ما يطيق الدَّوام عليه.

وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص عَلَى تركه قبول رخصة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في تخفيف العبادة ومجانبة التَّشديد على النفس مراعاة لأحوالها التي لاتدوم ،  ففي الصحيح أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:

أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ يَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلأَصُومَنَّ النَّهَارَ، مَا عِشْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِك؟”.

فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ”.

قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك.

قَالَ: “صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ”.

قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ.

قَالَ: “صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ”.

قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ”.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو -رضي الله عنهما-: لأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلاَثَةَ الأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي.

وفي رواية :”

قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدَّدَ عَلَيَّ.

قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّكَ لاَ تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ”.

قَالَ: فَصِرْتُ إِلَىَ الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنَّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.صحيح البخاري كِتَاب الصَّوْمِ.

باب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ.صحيح مسلم كتاب الصيام. باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرّر به أو فوّت به حقاً أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم.

واتخذ صلوات الله وسلامه عليه من أسلوب المدح وسيلة لإنهاض العزائم على فعل الخير ، ففي الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما- قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- “يَا عَبْدَ اللهِ لاَ تَكُنْ مِثْلِ فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ”.

صحيح مسلم  كتاب الصيام. باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرّر به أو فوّت به حقاً أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم.

  1. أمارة الإخلاص:

الصيام أفضل أعمال العباد التطوعية ، لأنه لا يدخله الرياء ، جَمِيعُ أَعْمَالُ العباد تَظْهَرُ بِفِعْلِهَا لأَنها لَا تكون إلاَّ بالحركات فيُمْكِنُ أن يَدْخُلَهَا الرِّيَاءُ إلاَّ الصَّوْم فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تخفى على النَّاس، ولذا الصَّوْمُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ – أحد من الخلق – بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ – إلاَّ إذا أخبر عن نفسه ، فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا – لأنَّ حَالَ الْمُمْسِكِ شِبَعًا مِثْلُ حَالِ الْمُمْسِكِ تَقَرُّبًا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ – فلا يطلع على حقيقة هذا الإمساك والنية وراءه إِلَّا اللَّهُ تعالى فَأَضَافَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ – فِي الْحَدِيثِ الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: “: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَىَ سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ([9]) فِيهِ أَطْيَبُ. عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ”صحيح البخاري كِتَاب الصَّوْمِ. باب فَضْلِ الصَّوْمِ. كتاب اللباس. باب مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ. صحيح مسلم كتاب الصيام. باب فضل الصيام ‏سنن ابن ماجه كتاب الصيام باب ما جاء في فضل الصيام. سنن النسائي كتاب الصيام. باب فضل الصيام، سنن الترمذي كتاب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. بابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ الصّوْم

فإقبال العبد على صيام هذه الأيام دليل إخلاص لله تعالى نحسب كذلك ولا نزكي على الله تعالى أحدا.

  1. قرينة فلاح وهداية من الله تعالى:

قلنا إن صيامها سنة وطاعة للرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وما أطاعه فقد أطاع الله ، وفي التنزيل “مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً”النساء/80}”وفي الصحيح  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، ..”. ‏صحيح مسلم  كتاب الإِمارة. باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية،

وقال تعالى ” فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”الأعراف/158.

قال تعالى :” ..وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ..”النور/54} “إذًا في طاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في تطبيق هذه السنة هداية وكما قيل ” من اقتدى فقد اهتدى” وفي الصحيح “إنّ لكلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَلكُل شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فمن كان فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتي فقدَ اهْتَدَى ومَنْ كانَتْ إِلَى غَيْرِ ذلِك فقد هَلَكَ” صحيح الجامع حديث رقم: 2152 عَن ابن عمرو.

ومعنى (شِرَّةً) أي: قوة ونشاطاً، وقد يعتري أو يعقب هذا النشاط فترة أي: خمول، وعلى هذا ففى الحديث حث على لزوم السنن وأنه ينبغي أن يُجعل النشاط والقوة في العمل بالسنة.لقد بلغ المسلم أوج نشاطه في العبادة خلال شهر رمضان – من صيام النهار إلى قيام الليل إلى التلاوة والاعتكاف ،والصدقة والصلاة إلى غير ذلك ، ولا سيما في العشر الأواخر ، حيث ليلة العمر ، وحيث  الأعمال بالخواتيم ،  فإذا ما أرخى لنفسه العنان بعد هذا الجِد والاجتهاد ، ولكن حافظ على السنن ومن ذلك صيام الأيام الستة فقد أخذ بأسباب الهداية والفلاح.

  1. عَلَامَة قبُول الله تعالى ما سبق من أعمال البر خلال الشهر:

 وَمن عَلَامَات الْقبُول لأي عمل صالح يقوم به العبد أَن يزداد بعده خيرًا، أي يكون حاله بعد الرجوع خيرًا من الْحَال الَّذِي قبله ولا يعاود المعاصي ، فمعاودة الصيام للأيام الستة بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها فمن عمل حسنة ثم اتبعها بعد بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى كما أن من عمل حسنة ثم اتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.قال تعالى:” وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً*وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً*وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً”النساء/66-68.

“قال تعالى:” فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”الليل5-10.

قال تعالى:” ..وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ”الشورى/23

وقال تعالى “إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”الكهف/13}

وقال تعالى “وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ”محمد/17

وقال تعالى: {وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76]

وفي المقابل قال تعالى:” فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً  “البقرة/10

قال تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ”آل عمران/155}

وَقَالَ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]

وقال تعالى:” إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ”التوبة/83

وقال تعالى:”وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ”التوبة/125

“وقال تعالى:” وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون”التوبة/127

وقال تعالى:”فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”الصف/5}‏

 لهذه النصوص وغيرها قَال بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَهَا، وَإِِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا، فَالْعَبْدُ إِذَا عَمِل حَسَنَةً قَالَتْ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا: اعْمَلْنِي أَيْضًا، فَإِِذَا عَمِلَهَا قَالَتِ الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرَّا، فَتَضَاعَفَ الرِّبْحُ وَتَزَايَدَتِ الْحَسَنَاتُ وَكَذَلِكَ جَانِبُ السَّيِّئَاتِ أَيْضًا حَتَّى تَصِيرَ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي هَيْئَاتٍ رَاسِخَةً وَصِفَاتٍ لاَزِمَةً. الداء والدواء لابن قيم الجوزية . ص 75 – 77. في كتاب أمراض القلوب وشفاؤها لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – (ص: 39) . ونسبه إلى التابعي الجليل سعيد بن جُبَير – رحمه الله تعالى .،

ومما يشهد لهذا المعنى ما قد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِالصّدقِ فَإِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَإِن الْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَلَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا وَإِيَّاكُم وَالْكذب فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَلَا يزَال الرجل يكذب ويتحرى الْكَذِب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذابا “فَأخْبر النَّبِي (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَن الصدْق يسْتَلْزم الْبر وَأَن الْكَذِب يسْتَلْزم الْفُجُور.

  1. ومنها: زيادة الإيمان:

مِنْ حِكمةِ الله ورحمتِهِ بعبادِه أَنْ شَرَعَ لكلِّ فَرْضٍ تطوُّعاً من جنسه ليزداد المؤمن إيماناً بفعل هذا التَّطوُّع وقال الإمام أبو الحسن، عليّ بن خلف بن بطال المالكيُّ المغربيُّ في شرح (صحيح البخاري): مذهب جماعة أهل السُّنَّة من سلف الأمَّة وخلفها: أنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجَّة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاريُّ من الآيات يعني: قوله عزَّ وجلَّ: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

وقوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] وقوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] وقوله تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} [المدثر: 31].

وقوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [التوبة: 124] وقوله تعالى: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} [آل عمران: 173] وقوله تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22].. قال ابن بطَّال: فإيمان من لم تحصل له الزِّيادة ناقص”صحيح مسلم  كتاب الإيمان. باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، ووجوب الإِيمان بإِثبات قدَر اللَّه، وبَيان الدَّليل على التَّبَرِّي ممَّن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقِّه. وبناء على هذه النصوص كلها ، فإن صيام هذه الأيام الستة فيها زيادة للإيمان  وتقوية له.

  1. تحقيق وتطبيق سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:

صيام هذه الأيام الستة سنة عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ، وفي التنزيل “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً”الأحزاب/21 وفيه أيضا “مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً”النساء/80 . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ..”‏صحيح مسلم  كتاب الإِمارة. باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية.

  1. استكمال الإيمان:

وفي القيام بهذه السنة استكمال للإيمان ، وإتمام له كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الْإِيمَانَ،صحيح البخاري، كِتَاب الْإِيمَانِ. بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -” بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ”.

  1. الشكر لله تعالى على نعمة التوفيق لأعمال البر خلال الشهر وثوابها:

في صيام رمضان وقيامه ، وكذا قيام ليلة القدر مغفرة المتقدم من الذنوب كما أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في الصحيح ، وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا على هذه النعمة فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتورم قدماه – أو ساقاه – فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: “أفلا أكون عبدا شكورا”..الجمع بين الصحيحين (3/ 418) فَلَمَّا كثر لَحْمه صلى جَالِسا، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ فَقَرَأَ ثمَّ ركع”الجمع بين الصحيحين (4/ 175)

ولأمر ما ذيَّل الله تعالى الآية الثالثة في آيات الصيام في البقرة برجاء الشكر فقال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] ومن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه وقيامه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقب ذلك ، فضلا عن كون صوم الشهر شكرا لله تعالى على نعمة إنزال القرآن الكريم فيه ، كما يُفهم من تدبر الآية الكريمة ،

كان بعض السلف إذا وُفِّق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائما ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام

وكان وهب بن الورد يُسئل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه؟ فيقول: لا تسألوا عن ثوابه ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه.

إذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُلِّ نعْمَةٍ. . . لموليكها شكْرًا فلسْتَ بشاكرٍ

على كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها ثم للتوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر وهكذا أبدا فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم وحقيقة الشكر الإعتراف بالعجز عن الشكر كما قيل:

إذا كان شكْري نعْمةَ اللَّهِ نعْمَةً. . . عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ

فكيفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلا بفَضْلِهِ. . . وإن طالتِ الأيَّامُ واتَصَلَ العُمْرُ

قال أبو عمر الشيباني: قال موسى عليه السلام يوم الطور: يا رب إن أنا. صليت فمن قبلك وإن أنا تصدقت فمن قبلك وإن بلغت رسالاتك فمن قبلك فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى الآن شكرتني وَيُرْوَى عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ” يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُكَ؟ وَأَصْغَرُ نِعْمَةٍ وَضَعْتَهَا عِنْدِي مِنْ نِعَمِكَ لَا يُجَازِيهَا عَمَلِي كُلُّهُ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ: يَا مُوسَى الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا مُوسَى” حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 56) وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ: إِلَهِي كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّكَ الْآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1580)

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”صحيح البخاري كِتَاب أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. صحيح البخاري، كِتَاب الصَّوْمِ. باب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ.ولكن هنا شبهة أن يكون الرسول قد صام عاشوراء اقتداء باليهود، وهذا وهم لأنه يحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه صلى الله عليه وسلم المدينة، وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى عليه الصلاة والسلام لإضلالهم اليوم المذكور وهداية الله للمسلمين له ، في كتاب ” الآثار القديمة لأبي الريحان البيروني ” فذكر ما حاصله: أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية. هذا وحديث عائشة ” إن أهل الجاهلية – في مكة – كانوا يصومونه لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك، قال القرطبي: لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السلام ، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج ، كإرث من إرث إبراهيم الخليل عليه السلام ، وعلى كل حال فلم يصمه صلوات الله وسلامه عليه ، اقتداء بهما فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْه عنه. باحتمال أن يكون عيسى عليه السلام كان يصومه وهو مما لم ينسخ من شريعة موسى لأن كثيرا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) ويقال إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة. وقد أخرج أحمد عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه فصامه نوح وموسى شكرا، وكأن ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح عليهما السلام – في النجاة وغرق أعدائهما.‏

  1. استئناف العودة إلى الطاعة ودوام النفور من المعاصي وعدم الإصرار عليها:

إن مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان وقيامه والصدقة فيه والصلاة والاعتكاف بارتكاب المعاصي بعده فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجهه مسدود  – والعياذ بالله – قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود. إن حديث النفس بالمعصية بعد رمضان يُحبط ثواب الصيام ، ويبطله قال تعالى في أوصاف المتقين “وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ”آل عمران: 135-136. إنهم لا يُصرون على المعصية ، بل يستغفرون الله تعالى منها ، وقد جاء في حديث يرويه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربِّه، رواه الإمام البزار، قال فيه -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: ((إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي -يعني: لم يتكبر على خلقي- ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب)).

  1. التقرب إلى الله تعالى والتحبُّب إليه:

قد يؤدي العبد الفرائض خوفا من العقوبة ومؤدي النفل لا يفعله إلا محبا فيجازي بالمحبة، والحب بالتحبب ، والود بالتودد فرغنا لتوِّنا من صيام الفرض (شهر رمضان) ، ولا يجرؤ مسلم على الجهر بالإفطار نهار رمضان بغير عذر ، إلا من فقد شعبة الإيمان الحياء فالحياء لا يأتي إلا بخير كما في الصحيح ، وحتى أصحاب الأعذار المشروعة ، ما لم تكن أعذارهم جهرية ، كمرض ونحوه ، لا يحسن بهم الجهر بالإفطار صونا لمروءتهم ، وصيانة لديانتهم ، وحرصا منهم على من حولهم من أبناء المجتمع ، الذين يعرفون حقيقة حالهم ، حتى لا يظنوا بهم ظن السوء ، ورحم الله امرء ذبَّ الغيبة عن نفسه ، ما عدا ذلك إذا فرغ المسلم من أداء فرض الصوم في رمضان ، لا ينهض إلى صيام الأيام الستة إلا من محبا لله تعالى في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ”صحيح البخاري،  كِتَاب الرِّقَاقِ.  باب التَّوَاضُعِ.

قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل، فلهذا كانت أحب إلى الله تعالى وأشد تقريبا، وأيضا فالفرض كالأصل والأس والنفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية فكان التقرب بذلك أعظم العمل، والذي يؤدي الفرائض قد يفعله خوفا من العقوبة ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة فيجازي بالمحبة التي هي غاية مطلوب من يتقرب بخدمته..راجع فتح الباري عن شرح هذا الحديث الصحيح.

  1. بقاء العمل الصالح ببقاء عمر الإنسان:

من حكمة مشروعية النهوض لصيام الأيام الستة بعد رمضان ، أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان ، من صيام وقيام وتلاوة وصدقة وصلة ، لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيا ، قال تعالى:” وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً”مريم31، وقال تعالى”وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ “الحجر/99}‏ ومعنى اليقين الموت بدليل حديث أُمِّ الْعَلَاءِ الأنصارية قالت : بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ قَالَ وَمَا يُدْرِيكِ قُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ” صحيح البخاري، كتاب الجنائز.  باب الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ.ومنه قوله تعالى (وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين) وإطلاق اليقين على الموت مجاز، لأن الموت لا يشك فيه.وقال تعالى :”” يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ”البقرة/132. وقال تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ”آل عمران/102.وقال تعالى :” رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ”الأعراف/126 وقال تعالى:” أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي  بِالصَّالِحِينَ” يوسف/101″” عَن أبي شبْل عَلْقَمَة بن قيس قَالَ: قلت لعَائِشَة: هَل كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْتَص من الْأَيَّام شَيْئا؟ قَالَت: لَا، كَانَ عمله دِيمَة. وَأَيكُمْ يُطيق مَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُطيق ” الجمع بين الصحيحين (4/ 161) قَالَ أَهْل اللُّغَة: الدِّيمَةُ: مَطَرٌ يَدُومُ أَيَّامًا، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَمِرُّ. (فتح الباري – ج 6/ص 266)

وفي الحَدِيث “سُئِلت عَائِشَة عَن عمل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت: كَانَ عمله دِيمَة وَكَانَ إِذا عمل عملا أثْبته” وفي الصحيح “وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ ” صحيح البخاري كِتَاب الْإِيمَانِ.  باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ.

وقد ذم الله تعالى قوماً أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها فقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27].

 قال ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين:

أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه.

ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع.

“وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ”

وإنَّما كان القليل الدَّائم خيراً من الكثير المنقطع، لأنَّ بدوام القليل تدوم الطَّاعة والذِّكر والمراقبة والنيَّة والإخلاص والإقبال عَلَى الخالق سبحانه ويثمر القليل الدَّائم بحيث يزيد عَلَى الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.

وهذا معنى الحديث “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ..” أن الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه، وقيل لبشر: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها ،

سئل الشبلي: أيما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة – أي في رمضان وفي غير رمضان ” رَوَاهُ مُسلم.

لهذه النصوص والآثار السابقة يتبيَّن لنا بجلاء أن عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت ثم قرأ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير الآجال ومواقيت الأعمال ثم تنقضي سريعا وتمضي جميعا والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باق لا يزول ودائم لا يحول هو في جميع الأوقات إله واحد ولأعمال عباده رقيب مشاهد فسبحان من قلب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم يسبغ عليهم فيها فواضل النعم ويعاملهم بنهاية الجود والكرم

ما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه وهو راج خائف المحب لا يمل من التقرب بالنوافل إلى مولاه ولا يأمل إلا قربه ورضاه.

ما للمحب سوى إرادة حبه … إن المحب بكل أمر يضرع

كل وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره وكل ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته وواحسرتاه على قلب بات في غير خدمته.

من فاته أن يراك يوما … فكل أوقاته فوات

وحيثما كنت من بلاد … فلى إلى وجهك التفات

إليكم هجرتي وقصدي … وأنتم الموت والحياة

أمنت أن توحشوا فؤادي … فآنسوا مقلتي ولات

  1. محبة ما يحبه الله تعالى:

وذلك لأن كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعا فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به.

هناك أصناف من الناس تُضمر في نفسها كرها لتشريع الله  وتستثقل التكاليف الشرعية وفيها خيرهم لو يعلمون، بل تنفر عند ذكر الله وحده ، جل في علاه ،

اسمع ما يقول تعالى عن هذه الشريحة “وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن

دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون “الزمر/45. وقال سبحانه :” ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ

اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ

الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ”غافر/12 “وقال جل مذكورا وعز مرادا :”كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ”محمد/9  وقال تعالى “فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ *فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ “التوبة:81+82}  وقال :”ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ {26} فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ {27} ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ {28} أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ”محمد:26-29}‏

وقال:”لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ”التوبة/48}

وقال تعالى:” أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ” المؤمنون {70}

وقال :”لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ” الزخرف {78}

والفرائض قد يأتي بها المرء خوفا من العقوبة ، ولكن النوافل لا يأتي بها إلا من كان محبا راجيا رحمة ربه وعلى هذا فالصائم لهذه الستة آت بما يُحب الله تعالى متحبب إليه عز وجل .

  1. التحقق بوجه من أوجه الخيرية في الأمة والتي يحبها الله تعالى:

في حديث أخرجه الترمذي مرفوع: عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ قَالَ وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ قَالَ الَّذِى يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ”وفسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل[10] وقد قال تعالى :” فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ”الشرح:7-8، ‏والعائد إلى الصيام سريعا بعد فراغ صيامه شبيه في المعنى بقارىء القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد والله أعلم

  1. خاتمة:

في الختام من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها وأحسن منها بعد الحسنة تتلوها وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من الضعفة وربما أهلكت سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات وتعوذوا به من تقلب لقلوب ومن الحور بعد الكور وما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة وأوحش منه فقر الطمع بعد غنى القناعة ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذل وغني قوم بالذنوب افتقر.

لاترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام فالرضاع إنما يصلح للأطفال لا للرجال ولكن لا بد من الصبر على مرارة الفطام فإن صبرتم تعوضتم عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب من ترك شيئا لله لم يجد فقده عوضه الله خيرا منه: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70] وفي الحديث: “النظر سهم مسموم من سهام إبليس من تركه من خوف الله أعطاه إيمانا يجد حلاوته في قلبه” خرجه الإمام أحمد

الشيخ إذا عاود المعاصي بعد انقضاء رمضان فهو أقبح وأقبح لأن الشباب يؤمل معاودة التوبة في آخر عمره وهو مخاطر فإن الموت قد يعاجله وقد يطرقه بغتة وأما الشيخ فقد شارف مركبه على ساحل بحر المنون فماذا يؤمل. هذا وبالله التوفيق ومنه وحده العصمة من الزلل والخطأ والخلل في القول والعمل.


(*) من علماء الأزهر الشريف، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

[1]  ضعيف الجامع حديث رقم: 3527 “.(هَب) عن ابن عباس[الألباني]

[2]  ‏صحيح مسلم كتاب الصيام باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرّر به أو فوّت به حقاً أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم.

[3]  رواه البخاري (3560) ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك وأحمد

[4] رواه أحمد (19167) والترمذي والطبراني وابن خُزيمة. قال الترمذي [هذا حديث مرسل] وقد اختُلِف في عامر بن مسعود هل هو صحابي أم تابعي، فالبخاري والترمذي وابن معين اعتبراه تابعياً، وابن منده وابن عبد البر وابن حِبَّان أوردوه في أسماء الصحابة فهو مختلَفٌ فيه، وما اختلف فيه المُحدِّثون يصحُّ الاستدلال به.

[5]  ضعيف الجامع حديث رقم: 2316 [الألباني]

[6]  ضعيف الجامع حديث رقم: 2315 [حكم الألباني]

[7] الترمذي (4/552) ، الحاكم (4/356) ، وهو عند أبي يعلى (11/421) (6542) ، والشهاب القضاعي في “مسنده” (2/31، 32) ، والطبراني في “الأوسط” (4/192) .

 [8]  أبو داود (2415)، والنسائي 4/ 130، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (4819)

([9]) الخلوف: بضم الخاء المعجمة، هو التغير في الفم، من باب (قعد). قال عياض: قيدناه عن المتقنين بالضم، وأكثر المحدثين يفتحون الخاء، وهو غلط، وقد عده الخطابي في (غلطات المحدثين) فانظره ص44، وفتح الباري (4/105).

[10] المسند الجامع (9/ 405) ضعيف الجامع حديث رقم: 163[الألباني]

اترك تعليق

  1. يقول Fermin:

    bonus casino real online casino games real cash online
    casino casino blackjack

  2. يقول Adolph:

    casino free bonus online casino slots real money free online
    casinos that pay real money win real money casino online

  3. يقول البرفيسور شتيح بن يوسف .. الجزائري الأغواطي:

    كلام من ذهب…في أخبار من ذهب.. جزيت شيخنا ووقيت وكفيت

  4. يقول Bradley:

    casino slots online real money play real casino games online win real money casino online casino games that pay

  5. يقول Tosha:

    online casino signup bonus no deposit best online casinos gambling online casino online us casinos

  6. يقول Enriqueta:

    real casino online real money casino no deposit bonus real online casino games real money casino games for money

  7. يقول Marilyn:

    free online casinos that pay real money best online casino online casino for real money gambling games online

  8. يقول Jeanett:

    best real money casino online casino world play online fish casino real money online casino free cash

  9. يقول Jina:

    online casino usa real money top online casinos play casino games for real money no deposit casino real money

  10. يقول Heather:

    free slots casino gossip slots vegas 7 slots bigslotscasinos

  11. يقول Juliann:

    china shores free slots free ceaser slots games williams interactive slots slots online real money

  12. يقول Chelsey:

    free penny slots casino slot free online slots bonus house of fun free online slots

  13. يقول Clayton:

    casino slots online svierge casino online slots best time to play slots infinity slots on facebook

  14. يقول Johnathan:

    monopoly slots free play slots for free online no downloads jorhen games slots games free

  15. يقول Philipp:

    play slots for free online no downloads free online
    casino 8pm news slots free slots for pc

  16. يقول Lien:

    birds of prey free slots play kon ami slots free casino slot machine free poker slots vodes

  17. يقول Paige:

    online slots for real money slots free games live casino slots
    lona cats slots free play

  18. يقول Reginald:

    sim slot aftershockcasino free video slot machines games real casino inferno slots login

  19. يقول Merrill:

    jackpotjoy ruby slots casino winning slots on facebook home free penny slots 777