توظيف مقاصد الشريعة: آفات وملاحظات

بقلم/ الأستاذ الدكتور أحمد الريسوني(*)

   إن توظيف مقاصد الشريعة أمر لا غنى عنه كما قال الإمام الشاطبي: “المقاصد أرواح الأعمال”.

هناك انزلاقات متعمدة أو غير متعمدة في استعمال مقاصد الشريعة قد تصل إلى الاستنجاد بمقاصد الشريعة لمجرد إقصاء الشريعة بطريقة مستترة.

هذه الانزلاقات قد تكون بدون سوء نية ناتجة عن جهل وقصور.

يقول الإمام الشاطبي في الاعتصام: “أكثر زلل المجتهدين يكون حين الغفلة عن مقاصد الشريعة”. وكيف الحال بمن دون المجتهدين؟. ولذلك هناك مجموعة من الآفات تَحدُث عند توظيف مقاصد الشريعة.

 

■ الآفة الأولى: التخوض من دون تخصص:

  هذه آفة سائدة تقع بسبب نقصان في الزاد العلمي: (القرآن والسنة وأصول الفقه واللغة العربية).

هذه الآفة من البديهيات، ومن ليس له تخصص يتلاعب، وتصدر هذه من إسلاميين، ودعاة، وحداثيين، وغيرهم. يخوضون في مقاصد الشريعة من غير تأهيل، وتخصص علمي، وعندما تعرض أعمالهم سيكونون أضحوكة أمام الناس، وأمام أهل الاختصاص.

فالشرع طب والفقه طب والمقاصد طب.

الشريعة طب وتطبيب.

ويقال: “يفسد الأديانَ نصفُ فقيه، ويفسد الأبدانَ نصفُ طبيب”.

وكذلك عندما يكون الإفتاء باسم المقاصد دون علم، وتمكن، وإحاطة، وتخصص.

والكثير من الناس يظن أنه إذا قرأ كتابا في المقاصد يصبح عالمًا مقاصديًّا.

يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: “فلا يُسمح للناظر في هذا الكتاب نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريّانَ من علوم الشريعة أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مُخْلد إلى التقليد والتعصب للمذهب”.

إن التخصص في مقاصد الشريعة يكون بعد عشرين أو ثلاثين سنة بعد الدراسة في الفقه والفتوى.

مقاصد الشريعة هي مقاصد القرآن، والحديث، والعقيدة، ومقاصد الفقه وأصوله، ومقاصد الأخلاق.

 

■ الآفة الثانية: التقصيد والتعليل بدون حجة ولا دليل:

إن معرفة مقاصد الشريعة علم، و كيف تعرف عللها وحكمها؟ هذا مبحث كبير جدا. فالإمام الشاطبي ختم كتاب المقاصد بـ “فصل” قال فيه: “ولكن لا بد من خاتمة تكر على كتاب المقاصد بالبيان، وتعرف بتمام المقصود فيه بحول الله، فإن للقائل أن يقول: إن ما تقدم من المسائل في هذا الكتاب مبني على المعرفة بمقصود الشارع، فبماذا يعرف ما هو مقصود للشارع مما ليس بمقصود؟”.

وكذلك العلماء الأصوليون في باب القياس بحثوا في فروعه: “بماذا تُعرف علل الأحكام”.

وطرحوا أسئلة لكشف العلل:

☆ لماذا حرم الله تعالى العلاقات الجنسية؟.

☆ لماذا أباح الله تعالى الزواج؟.

☆ لماذا فرض الله تعالى المهر؟.

فالتعليل هو الجواب عن [لماذا] له مسالك تعين العلماء على كيفية الإجابة، وكيفية معرفة العلل؛ وعندما لا يتم الاعتماد على المسالك يتحدث الناس في الشريعة بطرق فوضوية وغير علمية ولا منهجية.

إن قاعدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “من أين لك هذا؟”، والتي يستعملها مع ولاته يجب إستعمالها مع المستنجدين بالمقاصد، فالعلم الذي لم تطبق فيه هذه القاعدة ليس بعلم.

وعندما يكثر القول عن المقاصد لابد أن نرفع شعار (من أين لك هذا؟) في وجه الجميع؛ لأن مقاصد الشريعة لابد أن تخرج من الشريعة.

 

■ الآفة الثالثة : الاعتقاد بأن قول المجتهدين من المقاصد ولا حاجة إلى النصوص  (تجاوز النصوص إلى المقاصد):

هناك ظاهرة  الاعتماد على المجتهدين وعلماء فيما يذهبون إليه من مقاصد ويتركون النصوص.

إن العالم ينبغي أن يكون مقاصديًّا بقدر ما يكون نصوصيًّا.

وهنا اتجاه آخر  يعتمد على حروف النص وألفاظه وجوانب النص، دون الوقوف على جوهر النص ومقصده.

ومن يجهل مقاصد النصوص لا علاقة له بمقاصد الشريعة.

النصوصي لابد أن يكون مقاصديًّا، والمقاصدي لا بد أن يكون مُعتمدًا على النصوص.

وعلى سبيل المثال بعض الناس من يرى الإباحة شيئًا يعتمد على المقاصد، وأن المقاصد هي الباب للتفلت من نصوص الشريعة.

 

■ الآفة الرابعة: تسريب مقاصد الشريعة الاستعمارية تحت اسم مقاصد الشريعة الإسلامية:

وهو قول يقضي بأن المقاصد تأتي من المناخ العام، فيلتقط بعض السياسيين والإعلاميين ما هو رائج في الجو السياسي أو الثقافي، ويكتبون فوقه مقاصد الشريعة، ولكن مقاصد الشريعة الاستعمارية الآن الكثير منها ذهب وبقي بعضها.

المعركة الآن ثقافية أكثر منها تشريعية، ويتم ترويج المقاصد الاستعمارية باسم مقاصد الشريعة الإسلامية.

على سبيل المثال:

☆ مفهوم الحرية:

في السابق كان مفهوم الحرية يرتبط بحقوق الإنسان في التعبير والتفكير والمعيشة، واليوم يراد بالحرية إباحة العلاقات الهمجية تحت مسمى الحريات الفردية والعلاقات المحرمة، وهذه شريعة استعمارية، ومقاصد استعمارية.

☆ مفهوم السلام:

_أصبح له معنى جديد: هو نسيان فلسطين ونسيان جرائم إسرائيل.

_شيوع ثقافة السلام والتي تعني: أن الشعوب المستضعفة عليها أن تنسى حقوقها.

 

الآفة الخامسة : المصلحة المفترى والمعتدى عليها:

الحداثيون واللادينيون يواجهون الشريعة بالمصلحة، وأي شيء فيه عقبة شرعية يواجهونه بالمصلحة، والمصلحة توظف لخدمة الأهواء والشهوات، وفي الشريعة فإن كبح الشهوات وضبطها  يعد من أعظم مقاصد الشريعة، مع عدم مصادمتها ولا مصادرتها، بل توجيهها وتوظيفها في طريقها الصحيح.

فالمصلحة عند الحداثيين تحتمل كل معنى، ولا تحتمل أي معنى.

المقصود بالمصلحة في الشريعة (الدنيا والآخرة والاخلاق والكرامة والمالآت).

 

لمطالعة المحاضرة كاملة من هذا الرابط:


(*) أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سابقا، والمقال هو خلاصة محاضرة ألقاها فضيلته في الرباط بالمغرب، في 28 ذي القعدة 1444هـ الموافق 17 يونيو 2023م.

اترك تعليق

  1. يقول محمد سعدالله ذنون:

    حفظكم الله ورعاكم ونفعنا بعلمكم دكتور أحمد الريسوني

  2. يقول علي عثمان:

    ما شاء الله المقال مفيد جدا جزاكم الله خيرا

  3. يقول zoritoler imol:

    Hey! Someone in my Myspace group shared this website with us so I came to give it a look. I’m definitely enjoying the information. I’m bookmarking and will be tweeting this to my followers! Terrific blog and superb style and design.