رسالة دكتوراه في السنن الإلهية من إعداد الباحث:  إبراهيم حداد

احتضنت كلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان يوم الأربعاء 20 شعبان 1443 ه، موافق 23 مارس2022م، مناقشة اطروحة لنيل درجة الدكتوراه، في “العلوم العقدية والفكرية في الغرب الإسلامي” ، والأطروحة من إعداد الطالب الباحث: ابراهيم الحداد، في موضوع ” الفكر السنني عند ابن خلدون ( ت 808 ه): دراسة وتحليل”، وتكونت اللجنة المناقشة من الأساتذة الأساتذة:

الأستاذ الدكتور : الأمين اقريوار رئيسا

الدكتور : رشيد كهوس مشرفا

الدكتور : بنعمر لخصاصي عضوا

الدكتور : عبد القادر أحنوت عضوا

الدكتور : عبد العزيز القاسح عضوا

وقد حصل الطالب على ميزة مشرف جدا، مع التوصية بالطبع والتنويه بعمل الباحث.

نص التقرير الموجز:

الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين:

وبعد : تقرير الأطروحة حاولت اختصاره وفق المراحل والخطوات الآتية:

أولا : سياق البحث

إن خير ما تصرف إليه الهمم، وتبذل فيه الأعمار والأنفاس، وتشد إليه الرحال، العلم بسنن الله في خلقه، الدالة على كمال عظمته وقدرته وعلمه، والمعرفة بنظام وجوده وقوانينه، والمخبرة عن مساره ومآلاته وتحولاته، والحاكمة على آجاله وعمره، فإن للأمم أعمارا كأعمار الأشخاص.

وقد تضمن القرآن الكريم الخالد المعجز، قبسات سننية، وآيات وعبرا دالة ومعبرة، وذلك من خلال أخباره وقصصه، وأمثاله وحكمه، وآياته الناطقة بعدله وكمال ميزانه الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة، وما كان ربك بظلام للعبيد.

وبذلك يكون القرآن الكريم قد رسخ مبادئ العدل والميزان، وأسس معالم الهداية والاستقامة، وسنن الرشد والحضارة والوراثة، وألزم الناس بالعمل والاستمساك بها، وحذر من مغبة التفريط فيها ومجاوزتها ومغالبتها.

 وهذه السنن بمثابة العهود والمواثيق الحاكمة على سلوك المجتمعات والأمم، بناء وحضارة وقوة ومجدا، أو اندحارا وتخلفا وتحللا وسقوطا.

ولما كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، ونالت حق الشهادة ، والقيادة والوراثة، كان الواجب عليها تثوير معاني القرآن، واستنطاق آياته، واستنباط عبره، وتلمس معانيه الكلية، وسننه الحاكمة؛ لقيادة البشرية إلى نور العدل والإيمان، والخير والصلاح والفلاح.

وقد بعث الله نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لتجسيد هذه المعالم، وتأكيدها ، وحمايتها وحراستها، والتحذير من الإخلال بها، وقد استوعب الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان، هذه النجوم المضيئة، والسنن الربانية، وأقاموا العمران البشري، والحضارة الإسلامية الرشيدة على وفقها ومنوالها، حتى بلغوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت بأخبارهم الركبان، وعرفهم القاصي والداني.

وإذا كانت آيات الكتاب ناطقة وشاهدة بالميزان السنني الذي يحكم الفعل البشري، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، تبين، وتؤكد، وتقرر وتوضح، ترسيخا لهذا المنهج وتأكيدا لمعانيه، وبناء لمفاهيمه، وتفسيرا لقوانينه ونظمه، فإن المشكلة تكمن في المخاطب والمتلقي الذي كثيرا ما تصاب بصيرته بالعمى، وبصره بالغشاوة، وإرادته وهمته بالكسل والخمول، ومجتمعه بالانحسار والانقباض ، وقادته بالظلم والاستكبار والطغيان ، حتى ليحس أصحاب الفطر السوية، والقلوب النقية، والعزائم الفتية، والإرادة الصلبة، أن الأمة ذاهبة إلى غير رجعة، وأن الموت آت لا محالة، فينتشر اليأس في القلوب، وتفتر العزائم، وتتقاعس الهمم، ويتراجعون عن العمل، وتنقبض أيديهم عن السعي.

وعندما تسود وتنشر هذه العلل والأمراض، يبعث الله عزوجل لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، ويعرفها بمسالك نهوضها، وعوامل استقامتها ورشدها، ومن هؤلاء الأعلام الذين أزالوا ما علق بالأمة من الأفكار الميتة، والأوهام والأساطير القاتلة، الإمام ابن خلدون، الذي قدم رؤية وفلسفة سننية تكشف عن علل الأمة وأزماتها، وعوامل تخلفها ونكوصها وتقاعسها، وسنن إصلاحها.

ثانيا : أهداف البحث : يسعى هذا البحث إلى تحقيق الآهداف الآتية:

   محاولة الإسهام في صياغة فكر سنني خلدوني منضبط، قادر على تفسير وتعليل ظواهر العمران البشري، والاجتماع الإنساني، وكاشف عن السنن الإلهية والقوانين الربانية الحاكمة له، واقتضى ذلك، بيان المصادر المؤثرة في فكر ابن خلدون ونظرياته، وخاصة القرآن الكريم الذي فجر العلوم والمعارف، ووضع الأصول والنظريات الكلية، وإذا استطعنا بيان سلطة القرآن الكريم وسطوته على فكر ابن خلدون، نكون قد وضعنا اللبنة الأولى؛ للكشف عن طبيعة المنظومات السننية الكلية الحاكمة على العمران البشري.

   نشر الوعي السنني، والدعوة إلى العمل به، والسعي إلى تطبيقه، وذلك يقتضي جمع أطرافه ومفرداته وشعبه، وضم بعضها إلى بعض، في نسق مترابط، وانسجام؛ ليشكل خارطة طريق، يعرف بطبيعة الأزمة التي تمر بها الأمم والمجتمعات، ويحدد معالم الخروج منها، والأخذ بأيديها إلى النجاة والفلاح والصلاح.

ثالثا : بواعث اختيار البحث:

من أهم البواعث الأساسية التي جعلتني أقلب النظر، وأعمل الفكر في التراث الخلدوني؛ لاكتشاف نظريته السننية، ما يلي:

1 ــــ  أسباب منهجية: إن الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية، في الواقع أزمة منهجية ومعرفية وفكرية، فإصلاح الأفكار مدخل ضروري لإصلاح الإنسان، ومن مظاهر هذه الآزمة ما يلي:

 ـــــ مشكلة بناء الأفكار: فالأفكار تبنى كما يبنى الإنسان، في ترابط وتناغم وانسجام، لكن الناظر في بعض البحوث المنجزة حول ابن خلدون، يجدها مضطربة ومتناقضة ومتعارضة فيما بينها، وهذا يوحي بغياب الوعي بطبيعة الفكر الخلدوني السنني، الجامع للمتناثر من الأفكار، والخيط الناظم والرابط بينها، والعقد الجامع الذي يوحد بين أطرافها وأجزائها.

 ـــ الجهل بالسياق والذات : لا يمكن فهم الظواهر الاجتماعية والعمرانية والإنسانية، إلا باستحضار سياقها وملابساتها، وعوامل تشكلها، أو انحلالها واندثارها، وإلا فإن البحث العلمي سيظل بعيدا عن معرفة جوهر ( الأزمة)، وجاهلا بهوبتها وطبيعتها وكنهها، ومما يساعد على فهم طبيعة المشكلة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية في الظرفية الراهنة، والواقع الحالي، الاستنجاد بالفكر السنني الخلدوني؛ لأنه يقدم رؤية مكتملة الأركان حول طبيعة مسار الإنسان، وعوامل تقدمه وازدهاره، أو تخلفه وتراجعه وانحطاطه.

2 ــــ  أسباب عمرانية وحضارية:

وتتمثل فيما يلي:

ـــــ الإسهام في صياغة رؤية حضارية عمرانية سننية خلدونية، تسهم في فهم إشكالات واقعنا المعاصر، والقدرة على وضع معالم للخروج منها، خاصة وأن المرحلة الزمنية التي عاشها ابن خلدون تتشابه مع واقعنا المعاصر في مظاهر كثيرة، كالانقسام السياسي، والتفكك الاجتماعي، وانتشار الأوبئة والأمراض الموجعة، مما يستدعي الاستنجاد بالمنظومات السننية التي شخص بها ابن خلدون واقعه.

 ــــ ضرورة استئناف النظر والبحث والتأمل في المنظومات السننية التي قدمها ابن خلدون للخروج من الأزمة، وخاصة عندما يسود الجهل والتخلف وينتشر، ويعم الشر ويستطير.

ثالثا: إشكالية البحث:

إن الناظر والمتأمل في الفكر الخلدوني، والمستحضرا للسياق التاريخي والاجتماعي الذي عاش فيه ابن خلدون، وذاق آلامه وأثقاله، وهمومه وتحدياته، لا بد وأن تتوراد عليه أسئلة وإشكالات:

 ما الذي دفع ابن خلدون إلى التفكير والبحث والتأمل في السنن الإلهية الحاكمة على المجتمعات البشرية والتاريخ الإنساني؟

 ما الإشكالية التي تؤرق ابن خلدون، وتأخذ بلبه وعقله، وتدفعه إلى الانزواء في قلعة بن سلامة متأملا وعاكفا على كتابه تاريخه النفيس، ومقدمته السننية؟

 ما التصور النظري الكلي الذي يقدمه ابن خلدون حول السنن الإلهية، مفهوما وصياغة وموارد ومسالك؟

 كيف ينظر ابن خلدون إلى التاريخ البشري والاجتماع من منظور السنن الإلهية؟ وما أهمية هذه المنظومات على فكر ابن خلدون وقدرته التحليلية والتفسيرية والتعليلية؟

  كيف وظف ابن خلدون النص القرآني في صياغته فكره الاجتماعي والسنني؟

رابعا: منهج البحث:

يشتق منهج البحث من طبيعة القضايا المعروضة، والإشكالات المطروحة، والمقاصد المتوخاة،ولما كان موضوع البحث ” الفكر السنني عند ابن خلدون”، استدعى ذلك، توظيف مناهج متعددة ومتكاملة فيما بينها، فالمنهج الاستقرائي، يروم تتبع المفردات والعناصر المؤسسة والمشكلة للسنن الإلهية في مقدمة ابن خلدون، وتحليلها، وتركيبها، وصياغتها؛ لتشكل سننا كلية جامعة، وأما المنهج الاستباطي فيهدف إلى  النظر والتأمل في المقدمة، واستخراج السنن الإلهية، واكتشافها، والبحث عن الأمثلة والتطبيقات التي تسندها وتضدها وتؤكدها، وأماالمنهج المقارن فيهدف إلى مقارنة بعض المباحث السننية، بالمذاهب والمناهج الوضعية الغربية، وخاصة في السنن النفسية.

خامسا : خطة البحث

توزعت خطة البحث حسب طبيعته ومضامينه، وإشكالاته؛ ولذلك جاءت على النحو التالي: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب:

المقدمة: وتحدثت فيها عن أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، وإشكالاته، ومنهجه، وخطته.

التمهيد: وتناولت فيها التعريف بمفاهيم الدراسة، ومفاتحها الأساسية، وتتمثل في ( ابن خلدون ـــ الفكر السنني).

وثلاثة أبواب:

الباب الأول:مصار الفكر الخلدوني ومنهجه، وهو باب يعنى بدراسة طبيعة مصادر الفكر الخلدوني ومنهجه، وقد جاء في فصلين، تناولت الفصل الأول: مصادر الفكر الخلدوني، مبينا إياه عبر ثلاثة مباحث، حاولت في الأول منها، التركيز على مفهوم العمران في القرآن الكريم، وتأثر ابن خلدون بهذه المعاني القرآنية، وأثر القرآن الكريم في صياغة الفكر الخلدوني، وتضمن المبحث الثاني الحديث عن المصدر الثاني المعتمد عند ابن خلدون في صياغة نظرياته وأفكاره الاجتماعية والعمرانية، ويتمثل في السنة النبوية، وتحدثت فيه عن أثر السنة النبوية في صياغة الفكر التربوي، والاجتماعي والسنني، والسياسي. وأما المبحث الثالث والأخير فتحدثت فيه عن الروافد الأخرى التي أسهمت في تشكيل الفكر الخلدوني وبنائه وتأسيسه، وتتمثل في: المصادر التاريخية، والفلسفية. شهود لوجو

وأما الفصل الثاني: فجاء ليجيب عن الإشكالات المتعلقة بطبيعة المنهج الخلدوني، وذلك من خلال تمهيد، ومبحثين، أما التمهيد فتحدثت فيه عن مفهوم المنهج وأقسامه، وفي المبحث الأول تحدثت عن مواقف لبعض الباحثين حول طبيعة المنهج الخلدوني، وتمثلت في موقف الجابري، وعلي الوردي، وطه عبد الرحمن، ثم في المبحث الثاني قمت بتحرير محل النزاع والاختلاف حول طبيعة المنهج الخلدوني، وذلك من خلال ذكر المنهج  والاستقرائي، والقياس الجزئي، والقياس الكلي، ثم ختمت الفصل بإبراز خصائص المنهج الخلدوني.

وأما الباب الثاني، فيمثل الحلقة الأبرز والأقوى والأظهر في الفكر السنني، وعنونته ب” الجوانب النظرية للسنن الإلهية في الفكر الخلدوني” وهو باب يعني بالتأصيل النظري للسنن الإلهية من خلال الفكر الخلدوني، وذلك من خلال فصلين: الفصل الأول: يعنى بدراسة مفهوم السنن، وصيغ التعبير عنها، والفصل الثاني، تحدثت فيه عن مواردها، ومسالك استنباطها، وخصائصها.

وأما الباب الثالث: فخصصته للحديث عن ” الجوانب التطبيقية للسنن الإلهية في الفكر الخلدوني”، وذلك عبر فصول ثلاثة، خصصت الفصل الأول للحديث عن منظومة السنن النفسية، وذلك من خلال تمهيد يكشف عن مقاصد السنن النفسية، ومبحثين يتناول أحدهما السنن الفطرية، والثاني يتحدث عن السنن الاكتسابية، وأماالفصل الثاني، تعرضت فيه للحديث عن السنن الاجتماعية، وذلك من خلال الحديث عن سنن البناء، والتغيير، والإصلاح، و وأما الفصل الثالث فوسمته ب” منظومة السنن التاريخية”، وتحثت فيه عن سنتي : أجل الدول، وسقوط الأمم والحضارات.

سادسا: خلاصات وتوصيات فكرية ومنهجية:

1 ــــ  الملاحظات والتوصيات الفكرية والمنهجية:

من خلال هذه الرحلة العلمية الماتعة، والشاقة والمتعبة، مع ابن خلدون، قارئا لكتبه، ومستنطقا لفكره السنني، وناظرا في مقاصده وأبعاده ومراميه، توصلت إلى ما يلي:

 ـــ يعد البحث في جذور الفكر الخلدوني ومصادره وموارده، ضرورة معرفية ومنهجية؛ لإبراز طبيعة نظرياته الاجتماعية والعمرانية، وعمق فكره الإسلامي، وبئيته الإسلامية.

  ـــ للقرآن الكريم الأثر الأكبر والأقوى في صياغة المفاهيم السننية والعمرانية والاجتماعية، وبيان مقاصدها وأبعادها العقدية والتوحيدية، كمفهوم العمران..

 ـــ لم ينحصر تأثر ابن خلدون بالقرآن الكريم في صياغة المفاهيم العمرانية والاجتماعية والسننية فحسب، وإنما تعدى ذلك إلى التأثر في صياغة أمهات الأقطاب الفكرية، كالفكر الكلامي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي..

 ـــ وأما السنة النبوية الشريفة، فأسهمت بحظ وافر في صياغة النظريات الاجتماعية والفكرية لابن خلدون؛ لأنها تجسد الهدى القرآني السنني، وتطبق مفاهيمه وقوانينه العمرانية والاجتماعية.

 ــ تشكل الروافد والمصادر الأخرى المعتمدة عند ابن خلدون، كالتاريخ، والفلسفة.. مكونا أساسيا ، ومقوما ضروريا في بناء فكره العمراني والاجتماعي؛ لما تحمله هذه العلوم من خبرة إنسانية، وتجارب بشرية، قائمة على التفاعل بين الإنسان، والطبيعة والوجود، وقد استطاع ابن خلدون أن يتجاوز مثالبها ومساوئها وأضرارها، بناء على منهج علمي رصين محكم.

 ــ وأما قضية المنهج، أو سؤال المنهج، باعتباره إشكالا من الإشكالات الرئيسة في الفكر الخلدوني، فإن خلاصة ما انتهينا إليه، أنه منهج مرن ومتعدد ومنفتح، فهو يوظف أساليب المناطقة، ومناهج الأصوليين، والمنطق الفطري الطبيعي؛ لأن الظاهرة الاجتماعية والعمرانية معقدة، تحتاج إلى التفكيك والتحليل والتركيب، فيقتضي ذلك ضرورة الاستدلال بمناهج متعددة ومنسجمة مع طبيعة الرؤية الإسلامية السننية.

 ــ مفاهيم المنهج الأصولي ومبائده، وقواعده ونظرياته، كان لها أثر كبير، على صياغة النظريات الاجتماعية، والكليات السننية القطعية، ومن هذه المناهج، المنهج الاستقرائي، والقياس الجزئي، والقياس الكلي، فهذه المناهج الثلاثة بمعانيها الأصولية، كان لها أثر كبير على وضوح المنهج الخلدوني وقوته وقطعيته وحجيته.

 ــ وأما الباب الثاني الخاص بالتأصيل النظري للسنن الإلهية، فيشكل في الواقع روح البحث وجوهره؛ لأنه يؤصل للسنن الإلهية انطلاقا من الفكر الخلدوني، واستدعى ذلك التتبع الدقيق، والنظر العميق في نصوص المقدمة، وتتبع معانيها ومضامينها، قصد صياغة رؤية نظرية كلية للسنن الإلهية، من حيث مفهومها، وصيغها، ومواردها، ومسالك استنباطها، وخصائصها.

 ــ وأما القسم التطبيقي، أو الباب التطبيقي، فهو في الواقع يمثل شرحا وتشريحا واختبارا للمفاهيم والنظريات المؤسسةفي الباب النظري، وذلك من خلال الحديث عن السنن النفسية، سواء الفطرية، أو المكتسبة، والسنن الاجتماعية، سواء المتعلقة، بالبناء الاجتماعي، أو الإصلاح الاجتماعي، أو التغيير الاجتماعي، والسنن التاريخية، مثل سنتي أجل الدول، والحضارات.

 ــ إن البحث في الفكر السنني الخلدوني يعد ضرورة معرفية، ومنهجية، وتربوية؛ لأنه سيسهم في الإجابة عن الإشكالات التي يمر بها العالم الإسلامي، والفوضى الفكرية التي انتشرت بين أبنائه، والفشل الذريع الذي مني به في مجموعة من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 ـــ الفكر السنني يمكن الأمة من المدافعة الراشدة والمنضبطة، أو ما يمكن تسميته ب” فقه المدافعة” للأنظمة الغربية المتوحشة.

 ـــ الفكر السنني يمكن الأمة الإسلامية، من تحقيق الاستخلاف، والشهود الحضاري.

 ــــ الفكر السنني الخلدوني لم يعط حقه من البحث والدراسة، والتحليل، والتأصيل، والتحوير والتطوير، فأغلب الدراسات والبحوث تناولت قضايا جزئية، بمناهج غريبة عن جوهر الفكر الخلدوني، وطبيعته الإسلامية السننية.

 ـــ ابن خلدون يمثل مدرسة سننية في تفسير العمران البشري، والاجتماع الإنساني، وضع ابن خلدون تصورها، ومفاهيمها الكلية، وقواعدها الضرورية، وفلسفتها وأبعادها العقدية والتوحيدية، ودعى إلى إكمال بنائها، بما يتناسب ويتلاءم مع طبيعة المشروع الذي بدأه، والهم الذي حمله، والتحديات التي واجهته ورافقت مشروعه ومشاريعه.

2 ـــ  المقترحات والتوصيات الخاصة بالمشاريع:

تشكل مقدمة ابن خلدون ثروة سننية، تحتاج إلى الدراسة والتفكيك والتحليل والبيان والتقريب، وذلك وفق خطوات منهجية، تروم تقديم دراسة شمولية مستوعبة، وتتمثل فيما يلي:أ

أ ــــ   دراسة الصطلح السنني والعمراني: إن هذا المشروع من أهم المشاريع العلمية التي نقترحها؛ لتشريح الفكر الخلدوني، واستيعاب نظرياته، فالمتأمل في البنية اللغوية والبيانية، والاستدلالية للمقدمة، يجدها قائمة على الحس السنني؛ لأنها كتبت بأنفاس سننية، وفي مرحلة زمنية تستدعي استحضار المنظومات السننية والاستنجاد بها؛ لفهم الظلام الدامس الذي حل بالعالم الإسلامي، وخاصة القطر المغربي والأندلسي الذي عاش ابن خلدون آلامه وأحزانه، وهمومه ومآسيه، ومن أهم المصطلحات السننية التي تستدعي الدراسة المصطلحية، مصطلح العمران، والاجتماع، والاستخلاف، والتسخير، والطبائع، والقياس، والاعتبار،…فدراسة هذه المفاهيم والمصطلحات تعد البوابة الأولى لفهم طبيعة الفكر الخلدوني، وخاصة بعد نضوج واكتمال منهج الدراسة المصطلحية.

ب ــــ  المشاريع المتعلقة بالجانب الفكري والمنهجي: ويمكن إجمالها فيما يلي:

 ضرورة استحضار الأبعاد والمقاصد والقوانين الكلية وجعلها هي الحاكمة، وتجريدها من سياقها وملابساتها وظروفها التاريخية، وتحويرها وتطويرها، وإعادة صياغتها بما يتلاءم ويتناسب مع الواقع المعاصر، حتى يبقى الفكر الخلدوني حيا ومناسبا يجيب عن إشكالات الواقع الراهن.

 ـــ ضرورة صياغة رؤية سننية جامعة توحد جهود العلماء والباحثين في مختلف العلوم والمعارف، فتصير العلوم الشرعية، والمادية، والإنسانية، خادمة لمقصد واحد وهو البعث الحضاري وتحقيق الشهادة على الناس.

 ـــ ضرورة صياغة نظام معرفي تربوي سنني، يربي النشء والجيل الصاعد على التفكير السنني، والمحافظة على العمران البشري.

 نوصي بإنتاج مادة إعلامية علمية سننية رصينة محكمة، تقدم التاريخ الإسلامي بمنهجية شمولية تراعي الأبعاد العقدية والحضارية، التي شكلت الهوية الإسلامية، وفي المقابل أيضا تقدم أسباب تخلفه وانحساره وتراجعه وتخلفه؛ لتكون الأسباب والسنن الإلهية هي الحاكمة، وليس الآراء والتفسيرات الشخصية المختلفة والمتعددة، هي المعتمدة.

وفي الأخير:
أحمد الله عزوجل وأشكره على نعمة التوفيق، كما أسأله سبحانه مزيدا من السداد والهداية والإرشاد.

ثم أشكر والدي الكريمين، والدي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى بمنه وفضله وكرمه، والوالدة الكريمة الصابرة المحتسبة. فالله اسأل عزوجل أن يبارك في صحتها وعافيتها، وأن يجعلها من الصالحات القانتات..

كما أشكر أيضا جميع إخواني على نصحهم وتوجيههم ومؤازرتهم للعبد الضعيف في جميع مراحل طلب العلم والتحصيل..

وأشكر أيضا اساتذتي وشيوخي الأعزاء، وعلى رأسهم فضيلة الدكتور محمد الفقير التمسماني، عميد هذه الكلية المباركة، ورئيس مركز تكوين : ( العلوم العقدية والفكرية في الغرب الإسلامي)، كما أشكر أيضا اساتذتي الكرام الذين شرفوني بالحضور، الدكتور محمد هشام اغبالو، والدكتور عبد الواحد الصمدي، والأستاذ عبد السلام العسري، والشكر أيضا لجميع الحاضرين والحاضرات كل باسمه، وجميل وسمه.

اترك تعليق