طاعة أولي الأمر بين المقاصد والمفاسد

أ. د. أحمد الريسوني

قدم أصل هذا البحث في ندوة

(الفقه السياسي الإسلامي من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية)

التي نظمها مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، بالدوحة، أيام 24-26 مايو 2016

مقدمة: 

الموضوع الذي يتناوله هذا البحث موضوع قديم قِدَمَ الإسلام والفقه الإسلامي. وأصله مطروق في عامة كتب التفسير وشروح الحديث، وكتب الفقه والسياسة الشرعية وغيرها.

وللإمام ابن تيمية رسالة خاصة في الموضوع، منشورة بعنوان:(قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله وولاة الأمور) .

وفي هذا العصر صدر الكثير من الفتاوى والمقالات المبيِّنة والمؤكِّدة لوجوب طاعة أولي الأمر في جميع الأحوال. وتظهر هذه الكثرة أو الكثافة- بشكل لافت – لدى علماء السعودية ودعاتها. ونجد البعض منهم قد أفرد مسألة الطاعة هذه بمؤلف خاص، كما هو صنيع الدكتور عبد الله الطريفي صاحب كتاب (طاعة أولي الأمر) .

ويبقى التوجه البارز في تناول الموضوع – قديما وحديثا – هو تعظيم أمر الطاعة وتهويله، مع اقتضاب عابر – أو إعراض مقصود – في بيان عن شروطها وحدودها وتجاوزاتها وموانعها ومبطلاتها…

وقد ظهر في التسعينيات من القرن العشرين الميلادي المنصرم تنظيم يعتبر نفسه سلفيا، ينادي بالطاعة الاستسلامية المطلقة لولاة الأمور ويغالي فيها، ويحرم تحريما تاما أي نقد لهم أو اعتراض عليهم مهما بلغوا في انحرافهم وظلمهم وإجرامهم. هذا التيار ولد ونشأ في المملكة العربية السعودية، ثم امتد – أو مُدِّد – إلى عدد من البلدان العربية… ويعرف أتباعه في الساحة الإسلامية باسم “الجاميين” أو “المداخلة”، نسبة إلى شيخهم الأول محمد أمان الجامي، وتلميذه وخليفته ربيع المدخلي.

ومعلوم أن ما عانى ويعاني منه المسلمون من صور الاستبداد والعسف والجور ومجافاة الشرع، كله أو جله، إنما دخل عليهم واستقر فيهم باسم وجوب الطاعة، وبسيف الطاعة لأولي الأمر بَرِّهم وفاجرهم، مع السكوت عن مفاسد المبالغة في الطاعة والتطويع، بل أيضا مع التغاضي عن النصوص المتضمنة مناهضةَ الولاة الظلمة والمفسدين، وإماطةَ أذاهم عن الطريق…

وهذه الورقة عبارة عن دراسة مباشرة لنصوص القرآن والسنة في الموضوع، وبيانٌ لما تضمنته تلك النصوص من مبادئ ومقاصد وقيود وحدود، لا ينفك بعضها عن بعض، مع التنبيه على ما شاب مسألة الطاعة وتطبيقها واستغلالها من ثغرات ومبالغات وتأويلات، حولت الطاعة الشرعية إلى طاعة بدعية، كسروية قيصرية، وحولت المقاصد إلى مفاسد، وكيف جرى ذلك، وما هي مداخله.

وعند بيان معاني النصوص ودلالاتها تعمدتُ الإكثارَ من الاستشهاد بأقوال علماء من مختلف العصور ومختلف المذاهب، حتى لا يظن ظان أن ما ذهبتُ إليه هو رأي خاص بي، أو هو قول شاذ مهجور لا يؤبه له.

وقد تناولت الموضوع في أربعة مباحث وخاتمة.

المبحث الأول: يتناول: الطاعة في القرآن الكريم.

المبحث الثاني: يتناول: الطاعة في الأحاديث النبوية.

المبحث الثالث: يتناول: الطاعة الشرعية ومقاصدها.

المبحث الرابع: يتناول: أسباب المبالغات والانحرافات التي وقعت في موضوع الطاعة، والمفاسد الناجمة عنها، ممارسة وتنظيرا.

والخاتمة، تتضمن خلاصاتٍ، ورؤيةً استشرافية للموضوع.

وبالله تعالى التوفيق

المبحث الأول

الطاعة في القرآن

عمدة هذا الموضوع وأساسه قولُه تعالى في الآية التاسعة والخمسين من سورة النساء: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، وهي الآية التي سماها ابن تيمية “آية الأمراء” .

لقد قررتْ هذه الآيةُ مبدءاً دستوريا عاما مجملا؛ وهو وجوب طاعة “أولي الأمر”، وقد جاء ذلك عقب الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله. ولم تُفصّل الآيةُ في هذه الطاعة لأولي الأمر وصِفَتِها وشروطها، ولم تحدد بالضبط من هم أولو الأمر الواجب طاعتُهم…

وقد تولى الفقهاء والمفسرون بيان تلك التفاصيل، معتمدين في ذلك على الأحاديث النبوية وقواعد الشريعة، ومعتمدين قبل ذلك على تدبر هذه الآية نفسها، مع الآية قبلها.

وقبل أن ننتقل إلى نصوص أخرى، لمزيد من التفصيلات والتوضيحات لموضوع الطاعة، نبقى أولا مع المعاني التي استنبطها العلماء من آية النساء هذه: من سياقها ونظمها.

المعنى الأول: أن الآية قَيدت أولي الأمر الواجب طاعتُهم بقيد {مِنْكُمْ}: {وأولي الأمر مِنْكُمْ}، مع أنه كان من الممكن أو المتبادر أن يقال: (وأولي الأمر فيكم)، أو: (وأولي الأمر عليكم)، أو: (وأولي أمركم). ولكن التعبير القرآني وصفَ – أو قيد – أولي الأمر الذين أمرنا بطاعتهم بكونهم {مِنْكُمْ}. قال الشيخ محمد علي الصابوني: “وفي قوله {مِنْكُمْ} دليل على أن الحكام الذين تجب طاعتهم يجب أن يكونوا مسلمين حسّاً ومعنى، لحماً ودماً، لا أن يكونوا مسلمين صورة وشكلاً” .

المعنى الثاني: أن آية الطاعة هذه، جاءت ممهَّدا لها بقوله تعالى في الآية قبلها {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}. ولذلك اعتبر عدد من المفسرين أن أولي الأمر الذين تجب لهم الطاعة هم الذين يؤدون الأمانات والحقوقَ إلى أهلها، ويحكمون بين الناس بالعدل.

فعن مكحول في قول الله: “وأولي الأمر منكم”، قال: هم أهلُ الآية التي قبلها: “إن الله يأمرُكم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها”، إلى آخر الآية” .

وقال أبو حيان في (البحر المحيط): “ومناسبتها لما قبلها: أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل، أمر الرعية بطاعتهم” .

وعليه، فقد صارت طاعة أولي الأمر مقيدة أو مشروطة بثلاثة شروط هي:

أن يكونوا منا،

وأن يكونوا مؤدين للأمانات التي بأيديهم وتحت مسؤوليتهم.

وأن يكونوا قائمين بالعدل، في حكمهم وولاياتهم.
المعنى الثالث: هو أن طاعة أولي الأمر جاءت متبوعة مباشرة بقوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}.
وهذا يعني أن منازعتهم – أو التنازع معهم – في أفعالهم واجتهاداتهم وتدابيرهم، أمر وارد ومشروع، ولا ينافي الطاعة. وأن أي شيء وقع فيه التنازع والاختلاف معهم، أو فيما بين المسلمين عموما، يجب الرجوع فيه والتماس الحكم له من الكتاب والسنة، ومن خلال العلم والعلماء بالكتاب والسنة.
والتنازع في هذه الآية معناه المخالفة والمعارضة في الرأي والتدبير، وهو أمر جائز، بل قد يكون واجبا، لما فيه من مناصحة وتبصرة لأولي الأمر. وهذا ليس من المنازعة المنهي عنها في الحديث (وأن لا ننازع الأمر أهلَه) ، التي تعني المنافسة على المنصب والولايةِ فيه، والسعيَ إلى نزع الولاية من الولاة،أو الانفصال عنهم بجزء من ديار الإسلام.
وقد لخص ابن تيمية هذه المعاني المتعلقة بطاعة أولي الأمر بقوله: “قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل. ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك (أي للأمانة والعدل) في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم” .
وقال في موضع آخر:
“فأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم، كما أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول. قال العلماء: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد موته هو الرد إلى سنته” .
وأما تحديد “أولي الأمر” هؤلاء، ومن يدخل فيهم ويأخذ حكمهم ومن ليس كذلك، ففيه أقوال، أشهرها وأقواها قولان هما:
القول الأول: أنهم الخلفاء والأمراء وسائر الحكام بمختلف تخصصاتهم ومراتبهم ومؤسساتهم، بمن فيهم القضاة في أحكامهم، وقادة الجند في جندهم…
القول الثاني: أنهم أهل العلم والفقه.
والجمهور على القول الأول، وهو موضوعنا.
قال ابن جرير الطبري: “وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب، قول مَن قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعةً، وللمسلمين مصلحة”.
ثم قال: “فإذ كان معلومًا أنه لا طاعة واجبةٌ لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} بطاعة ذَوِي أمرنا، كان معلومًا أن الذين أمرَ بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا، هم الأئمة ومن ولَّوْه المسلمين، دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضًا القبول من كل من أَمر بترك معصية الله ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه، إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحةٌ لعامة الرعيّة، فإنّ على من أمروه بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية” .
ويؤكد العلامة الهندي محمد صديق خان القِنَّوجي هذه المعاني بشكل أصرح فيقول:
“ويرى الزمخشري أن طاعة أولي الأمر جاءت مُرَتّبة على ما كلفوا به من أداء الأمانات والعدل في الحكم، فلذلك لزمت طاعتهم”. ثم قال: “لما أُمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم” . أي أنهم يطاعون تمكينا لهم من القيام بما أمروا به من أمانات وعدل.
وعلى هذا مضى النسفي فقال:”ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق. فإذا خالفوه فلا طاعة لهم، لقوله عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وحُكي أن مَسلَمة بنَ عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم: ألستم أُمرتم بطاعتنا بقوله {وأولي الأمر منكم} فقال أبو حازم: أليس قد نُزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق بقوله {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}…” .
واشترط الحافظ العراقي لطاعة الولاة أن تكون أوامرهم ونواهيهم وقراراتهم مبنية على العلم، ونص على تحريم طاعتهم إذا أمروا بما لا يقتضيه العلم، فقال: “شرطُ طاعة الأمراء: أن يأمروا بما يقتضيه العلم… فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمت طاعتهم” .

الطاعة المنهيُّ عنها في القرآن

أمراء الغصب والجور لا مدخل لهم في الطاعة الشرعية

قال جار الله الزمخشري: “والمراد بــ”أولى الأمر منكم”: أمراءُ الحق، لأن أمراء الجور: اللَّهُ ورسولُه بريئان منهم، فلا يُعطَفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يُجمع بين اللَّه ورسوله والأمراءِ الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهى عن أضدادهما؛ كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أُمرتم بطاعتنا في قوله: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)؟ قال: أليس قد نُزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)؟…

وكيف تَلزم طاعةُ أمراء الجور وقد جمع اللَّه الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أنْ أمَرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم، وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة” .

وقال نظام الدين النيسابوري عند تفسير الآية الكريمة{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]، قال: “فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكما، ولا تنفذ أحكامه إذا وليَ الحكم، ولا تقبل شهادته، ولا خَبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فُتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة، وإن كان بحيث لو اقتُدي به لم تفسد صلاته” .

وإلى هذا ذهب محمد صديق القنَّوجي فقال: “وأولو الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وأمراء الحق ولاة العدل؛ كالخلفاء الراشدين ومن يقتدي بهم من المهتدين، وكل من كانت له ولاية شرعية، لا ولاية طاغوتية” .

وقد أشار الحافظ العراقي إلى هذا المعنى في شرحه لحديث الصحيحين «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني». وفي رواية أخرى: «ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني». قال العراقي: “قوله في الرواية الأخرى «أميري» يحتمل أن يراد به من باشر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولايته، مع أن الحكم لا يختص به، فكل أمير للمسلمين عدلٍ فحكمه كذلك، وهو داخل في عموم قوله في الرواية الأخرى «الأمير». وتخصيص أميره عليه الصلاة والسلام بالذكر، لأنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث. ويحتمل أن لا يراد بذلك تخصيص من باشره عليه الصلاة والسلام بالتولية، بل كل أميرِ عدل ولِـيَ بحق، فهو أميرُه؛ لأنه بأمره تولى وبشريعته قام” .

فهؤلاء هم المستحقون للطاعة الشرعية، المعطوفة على طاعة الله وطاعة رسوله. وأما أمراء الغصب والجور والفساد، فلا طاعة لهم إلا على وجه الضرورة. ومعلوم أن “الضرورات تبيح المحظورات”.

وسأعود إلى هذا الجانب في مبحث: “الطاعة البدعية ومفاسدها”.

القرآن الكريم أمر بطاعة ولاة الأمور، وقرنها بطاعة الله ورسوله باعتبارها امتدادا لها، ورتبها على أداء الولاة لأماناتهم وقيامهم بالعدل بين الناس. ثم حدد المرجعية المعتمدة عند التنازع والاختلاف، وهي: كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

ومقابل ذلك، نهى وحذر من طاعة الرؤساء والسادة والكبراء واتِّباعهم، إذا هم شاقُّوا الله ورسوله، وسلكوا غير سبيل المؤمنين.

فمن ذلك قوله عز وجل عن فرعون وقومه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54]. والآية صريحة في تفسيق المنساقين إلى طاعة الطغاة المستبدين المفسدين.

وعلى منوالها جاءت آيات أخرى، مثل:

{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67].

{وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 150 – 152].

{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]

{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [القلم: 10 – 15].

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112، 113].
وهنا سيقول قائلون: إن هذه الآيات تخص طاعة الكفار والمنافقين…
والجواب: أن الكفار والمنافقين قد نهى اللهُ تعالى عن خصوص طاعتهم باسمهم وصفتهم، في مثل قوله:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة الأحزاب: 1]،

وقوله: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [سورة الأحزاب: 48].
وبالإضافة إلى الكافرين والمنافقين، نجد الله تعالى ينهى أيضا عن طاعة: المتجبرين، والمسرفين، والمفسدين، والظالمين، والمعتدين الآثمين، والكبراء المضلين. فهذه صفات أخرى غيرُ صفة الكفر، وإن كانت تتداخل معها ويستمد بعضها من بعض.
وقد تقرر في علم أصول الفقه أن تعليق الحكم بالصفة وترتيبَه عليها، يفيد أنها علة له. والصفات المذكورة كلها أعم من الكفر؛ قد يتصف بها الكافر وغيره. بمعنى أن المتصفين بهذه الصفات، الراسخين فيها، لا يُطاعون ولا يُـتَّبعون ولا يُـركن إليهم، بغض النظر عن كفرهم أو إسلامهم أو نفاقهم.
ومما نقله ابن الأزرق في بدائعه: “موعظة الحسن لابنِ هُبَيْرَة ، بعد أن سأله عن الكتاب يَرد عليه من سلطانه بِمَا فيه مخالفة، هل له سَعَة فِي تَقديم الطَّاعَة له؟ فقال: الله أَحَق أَن تُطِيعهُ، وَلَا طَاعَة لَهُ فِي مَعْصِيّة الله. فَاعْرض كتاب أَمِير المُؤمنِينَ على كتاب الله، فَإِن وجدته مُوَافقا لَهُ فَخذ بِهِ، وَإِن وجدته مُخَالفا فَأَبْعَده. يَا ابْن هُبَيْرَة: اتَّقِ الله، فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِيك رَسُول من رب الْعَالمين يزيلك عَن سريرك، ويخرجك من سَعَة قصرك إِلَى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وَتَقْدُم على ربك، وتنزل على عملك. يا ابن هُبَيْرَة: وَإِن الله ليمنعك من يزِيد ، وَإِن يزِيدا لَا يمنعك من الله. وَإِنِّي لأحذرك بَأْس الله الَّذِي لَا يُرَدُّ عن الْقَوْم الْمُجْرمين. انتهى الْمَقْصُود مِنْهُ” .
فكون الحاكم مسلما، لم يمنع الحسن البصري رضي الله عنه من تحذير الأمير ابن هبيرة من خطورة ما ينتظره، إذا هو أطاع رئيسه وتابعه فيما يخالف الحق والعدل، كما لم يمنعه من تذكيره بتحذير القرآن من عواقب القوم المجرمين، يشير بذلك إلى الآية الكريمة {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [يوسف: 110].
وفي قوله تعالى عن بيعة النساء (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)،روى الإمام الطبري في تفسيره “قال ابن زيد: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نبي هو خيرته من خلقه،ثم لم يستحلّ له أن يأمر بأمر إلا بشرط. لم يقل: (ولا يعصينك) ويترك، حتى قال:(في معروف): فكيف ينبغي لأحد أن يُطاع في غير معروف، وقد اشترط الله هذا على نبيه؟” .
وقد تساءل الزمخشري عن السر في تقييد عدم المعصية (أي الطاعة) لرسول الله بأن تكون في معروف، مع أن النبي المعصوم لا يأمر إلا بمعروف، فقال: “فإن قلتَ: لو اقتصر على قوله وَلا (يَعْصِينَكَ)، فقد عُلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بمعروف؟ قلت: نبه بذلك على أنّ طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب” .
و تتميما لما قاله الزمخشري أضيف: إن البيعة لرسول الله كانت بصفة النبوة أولا، وبصفة الإمامة ثانيا. فإذا كانت بيعة الرسول – نبيا وقائدا – قد قيدت فيها الطاعة بالمعروف، فما بالك بمن دونه من الأئمة والأمراء؟ وكيف بمن عرفوا منهم بفسادهم وظلمهم وطغيانهم؟

المبحث الثاني:

الطاعة في الأحديث النبوية

القرآن الكريم – كما تقدم – أمر بطاعة أولي الأمر في آية واحدة، أما في السنة فقد وردت أحاديث كثيرة ومفصلة في هذا الموضوع.

وفيما يلي جملة من أحاديث الباب، كلها من الصحيحين والموطأ ، مع استخلاص لأهم معانيها وأحكامها المتعلقة بموضوعنا. وأما مقاصدها ومراميها، وما يقع في فهمها أو تطبيقها من إشكالات، فسأعود لبيانها – مع غيرها – في المبحثين الثالث والرابع، إن شاء الله تعالى.

• الحديث الأول:

عن أميمة بنت رقيقة قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة نبايعه على الإسلام، فقلنا يا رسول الله: هلم نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا،ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فيما استطعتن وأطـقتـن. قالت: فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة .

في هذا الحديث: أن الطاعة إنما تكون بالمعروف، أي ما يكون سائغا متعارفا عليه، وليس بمستنكر ولا مستقبح، لا في شرع الأنبياء، ولا في عرف الفضلاء..

وفيه: أن الطاعة إنما تكون فيما يُستطاع ويدخل في الوسع.

• الحديث الثاني:

عن عبد الله بن عمر، أنه قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، يقول لنا: فيما استطعتم .

في هذا الحديث – كما في سابقه، وكما في أحاديث وروايات أخرى – تأكيدُ أن الطاعة تكون في حدود الوسع والطاقة.

• الحديث الثالث:

عن جرير بن عبد الله قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني: فيما استطعت، والنصحِ لكل مسلم .

في هذا الحديث زيادةُ البيعة على النصح لكل مسلم، بمن في ذلك النصح لأولي الأمر.

• الحديث الرابع:

عن عبادةبنالصامت قال:بايعنا رسولاللهصلىاللهعليهوسلمعلىالسمعوالطاعةفيالمنشطوالمكره،وأنلاننازعالأمرأهله،وأن نقوم – أو نقول- بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم .

تضمن هذا الحديث:

أن الطاعة بالمعروف تلزم، سواء أعجبَنا ذلك ونشطنا لأدائه، أو استثقلناه وكرهته نفوسنا. فالطاعة الواجبة لا تخضع للمزاج والرغبة.

والنهيَ عن منازعة الحكام فيما هم أهله وأصحابه (وألا ننازع الأمر أهله)؛ وذلك بالسعي إلى انتزاع ولايتهم وأخذها منهم، أو اقتطاع جزء منها.

وفيه: أن البيعة على السمع والطاعة لا تمنع من القيام بالحق وقوله في جميع الأحوال، سواء لولاة الأمور، أو لغيرهم. وهو ما عبر عنه الحديث السابق بالنصح لكل مسلم. بل إن التمسك بالحق قولا وعملا، وإسداء النصح لولاة الأمر، جزء من عناصر البيعة، ولا ينبغي أن يَمنع منه لوم لائم أو تخويفه، سواء كان خليفة أو أميرا، أو دون ذلك.

الحديث الخامس:

عن عبادة بن الصامت… قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه. فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ».

الجديد في هذا الحديث هو:

أن الطاعة تكون في حال اليسر وحال العسر، ما دامت بالمعروف، وفي المستطاع.

وأن الطاعة تكون وتستمر حتى لو حظي غيرُنا بالإيثار والتفضيل علينا، بعطاء أو بمنصب أو مزية، ما دام ذلك داخلا ضمن قاعدة “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”، ولم يدخل ضمن دائرة الظلم والمنكر البين، الذي يجب إنكاره كسائر المنكرات.

وفيه: أن الخروج على الإمام لا يجوز إلا إذا صدر منه ما يعتبر كفرا واضحا قام عليه البرهان. والكفر هنا قيل: هو الكفر العقدي، وقيل: مراد به المعصية الظاهرة التي لا شك فيها.

الحديث السادس:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السمع والطاعة حق، ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة .

هذا الحديث قرر قاعدة أخرى من قواعد الطاعة والعلاقةِ بين الحاكم والمحكومين؛ وهي أن الطاعة تقف وتحرم إذا كان فيها معصيةٌ لله تعالى، ومخالفةٌ لشرعه. وقد وردت في تقرير هذه القاعدة وتوكيدها أحاديث أخرى.

الحديث السابع:

عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. فقيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلَّوْا .

تضمن هذا الحديث جملة أحكام تتعلق بالتعامل مع الولاة هي:

أن ما يصدر منهم من المنكر، يجب إنكاره عليهم، كسائر المنكرات. وأن الذمة لا تبرأ إلا بالإنكار عليهم لمن قدر عليه.

ومن عجز عن الإنكار عليهم بلسانه وبيانه، فلْيَكرهْ ولْيُنكرْ بقلبه.

وأن من رضي بمنكرهم، فلم ينكره لا بقلبه ولا بلسانه، فهو آثم معهم.

ارتكاب الولاة لبعض المناكر، لا يجيز قتالهم والخروج عليهم بالسيف، ما داموا يؤدون الصلاة ويقيمونها في الناس.

الحديث الثامن:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة .

في هذا الحديث أن الأمير الشرعي تجب طاعته مهما يكن أصله ونسبه ولونه ووضعه الاجتماعي.

الحديث التاسع:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لقد أتاني اليوم رجل، فسألني عن أمر ما دَرَيتُ ما أرد عليه، فقال: أرأيتَ رجلا مؤديا نشيط يخرج مع أمرائنا في المغازي، فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها؟ فقلت له: والله ما أدري ما أقول لك، إلا أنا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فعسى أن لا يعزم علينا فيأمر إلا مرة حتى نفعله. وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه، وأوشكَ أن لا تجدوه. والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثقب شُرب صفوه وبقي كدره .

يفيد هذا الحديث:

أن طاعة الأمراء، وإن كانت واجبة، فليست مطلقة ومرسلة، بل تحتاج إلى تمييز وتثبت فيما نُؤمر به. ولذلك جاء هذا السائل يسأل عن حالات ذكرها: هل تلزم فيها طاعة الأمراء أم لا.

ويؤكد مشروعيةَ هذا التردد والسؤال قولُ الصحابي الجليل ابن مسعود: “ما درَيتُ ما أردُّ عليه”. وقولُه للسائل: “والله ما أدري ما أقول لك”. ثم قوله بعد ذلك: “وإنّ أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه”. فهو ينصح مَن أُمر بشيء مشكوك في مشروعيته ولزومه، أن يتقي الله أولا فيما سيُقْدم عليه، خشية الوقوع في معصية، وثانيا أن يسأل من له علم بالأمر، ليتبين هل يطيع فيه أو لا يطيع.
وقال الحافظ ابن حجر: “والحاصل أن الرجل سأل ابنَ مسعود عن حكم طاعة الأمير، فأجابه ابن مسعود بالوجوب، بشرط أن يكون المأمور به موافقا لتقوى الله تعالى “.

الحديث العاشر:

عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا. فجمعوا له ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا. ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار. فكانوا كذلك، وسكن غضبه وطفئت النار.

فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:«لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» .

في هذا الحديث:

أن الصحابة رفضوا فعلا طاعة أميرهم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو من أمَّره عليهم، وأمَرهم بالسمع والطاعة له بعينه، وذلك لَـمَّا أمرهم هذا الأمير بشيء غير معقول ولا مقبول، مع أنه ليس معصيةً ظاهرة منصوصا عليها، بل إن الفهم الظاهريَّ للأمور يشهد له.

وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد صوابية الامتناع عن طاعة هذا الأمير، وأكد قاعدة: “إنما الطاعة في المعروف”.

وفوق هذا كله: فقد وجه – عليه السلام – تحذيرا شديدا لمن هَـمُّوا بطاعة الأمير فيما أمرهم به من دخول النار… وهو تحذير موجه لكل ذوي “الطاعة العمياء للأمراء”.

المبحث الثالث

الطاعة الشرعية ومقاصدها

تقسيم الطاعة إلى طاعة شرعية وطاعة بدعية – أو: طاعة سُنّية وطاعة بدعية – هو على غرار تقسيم الفقهاءِ الطلاقَ إلى طلاق سني وطلاق بدعي. وهذا التقسيم يسري على كل التصرفات؛ فما وقع من التصرفات – المشروعة بأصلها – على وفق ما وَضَع له الشرعُ من القيود والحدود فهو سني شرعي، وما كان على خلافها فهو بدعي غير شرعي.

وفي هذا المبحث أتناول الطاعة السُّـنية الشرعية، مبينا مقاصدها ومصالحها…

وفي المبحث الذي يليه أتناول الطاعة البدعية الفرعونية، ومفاسدها ومحاذيرها، وبراءة الشرع منها.

طاعة أولي الأمر.. لماذا؟

هذا السؤال قد يُعَدُّ اليوم سؤالا متجاوزا، وقد يكون جوابه – أو بعض جوابه – تحصيلَ حاصل. ولكنه لم يكن كذلك يوم أن جاء الإسلام وبدأ ينتشر ويستقر في قبائل العرب. لقد كان معظم عرب الجزيرة يعيشون ويتحركون ويتصرفون في حرية وطلاقة وأنَفة، بلا قيد ولا منع، ولا آمر ولا أمير. وكان هذا حال عرب الحجاز بصفة خاصة، وهم الذين بُعث فيهم رسول الله أولَ ما بُعث: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا…} [الشورى: 7]، {مَا كَانَ لِأَهْل الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّهِ…} [التوبة: 120].

قال الإمام الشافعي رحمه الله: “من كان حول مكة من العرب، لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف أن تعطي بعضَها بعضا طاعة الإمارة. فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة، لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُمروا أن يطيعوا أولي الأمر، الذين أمَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا طاعة مطلقة، بل طاعة يستثنى فيها لهم وعليهم “.

وقال الحافظ العراقي في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني»،قال: “… والسبب في الأمر بطاعتهم اجتماعُ كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم. ويُستنتج من ذلك أن من أطاع الأمير فقد أطاع الله؛ لأنه أطاع الرسول. ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. وقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]. وفي الصحيح عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية … ومعناه: أن عبد الله بن حذافة أمرهم بأمر فخالفه بعضهم وأنف، على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطاعة. فنزلت الآية بسبب ذلك» .

ومعنى هذا أن الدين الجديد كان يقوم بعملية ترويض لقوم لم يعتادوا طاعة بعضهم بعضا ولا يرضون بها. فكان لا بد من تدريبهم وتعويدهم الأوضاعَ الجديدة، وهي أوضاع يحكمها شرع، ويقوم على تنفيذ الشرع – في كثير من جوانبه – ولاةٌ وأمراء.

وقد سلَّموا – بقدر من السلاسة – أن يطيعوا الله ربهم، ثم سلَّموا بدرجة ثانية أن يطيعوا رسولَ الله، باعتباره مُبلغا عن الله، مع أن كثيرا من العرب كانوا يأبون الطاعة والانقياد حتى للنبي المرسل، ما دام مجردَ بشَر مثلَهم. وهذا ما حكاه القرآن الكريم عن عرب ثمود مع نبيهم صالح (وهم من الحجازيين القدامى)، فقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 33، 34]

المهم أن عرب البعثة المحمدية الذين أسلموا قبلوا طاعة الله أولا، ثم قبلوا ما في ضمنها من طاعة رسول الله. ثم كان لا بد أن يتقبلوا ويتحملوا ما في ذلك من تكاليف جديدة وتقييدات جديدة، لا قبَل لحياتهم بها، كما قال شاعرهم المخضرم أبو خراش الهذلي، يصف الوضع الجديد بعد الإسلام، وما فيه من تكاليف وضوابط:

فليس كعهد الدار يا أمَّ مالكٍ … ولكنْ أحاطت بالرقاب السلاسلُ

وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلٍ … سوى الحقِّ شيئا واستراح العواذلُ

وكما قال شاعر آخر – هو أبو حية النميري – عن امرأة اسمها رميم، حين لاحت له بسحرها وجمالها، ولكن حدود الإسلام منعته من التصدي لها والتحرش بها، فقال:

رمتني وستر الله بيني وبينها … ونـحن بأكناف الحجاز رميمُ

ألا رُبَّ يومٍ لو رَمتني رميتُها… ولكنَّ عهدي بالنضال قـديمُ

قال في الشرح: “وأراد بستر الله الإسلام. فيقول: نظرت إلى رميم، فكأنها رمتني بسهم، ونحن مقيمون بأكناف الحجاز، والإسلام حاجز بيني وبينها، يمنع من مغازلتها ومراودتها…” .

لقد تأقلم العرب تدريجيا – وفي مقدمتهم عرب الحجاز- مع القيم الجديدة والتشريعات الجديدة التي جاء بها الإسلام. ولقد كان من أثقل التكليفات على نفوسهم وعادتهم: إعطاء الطاعة والامتثال لغير الله ولغير رسول الله.

ومعلوم أن الإسلام جاء يؤسس لنقلة حضارية،وشريعة نافذة، ومجتمع منظم، ودولة قوية. وأن الإسلام دين أمة وجماعة ومجتمع ودولة، وليس دين أفراد وانفراد. ومن بدَهيات هذا ولوازمه: وجودُ مؤسسات وقيادات يُسمع قولها ويطاع أمرها.

حقا، فإن الحرية فطرة متأصلة ونعمة غالية، جديرة بالرعاية والصيانة، ولكنْ ليس بالحرية وحدها يحيى الإنسان، وليس بالحرية وحدها يتقدم ويتحضر ويترقى. بل إن الحرية الطليقة من كل التزام ومن كل نظام ومن كل تقييد، تهدم أو تقلص فرص التعاون والتكامل بين الناس.بل إنها قد تؤدي إلى نقض الحرية نفسها. فلذلك كان لا بد مما ليس منه بد.

ومن جملة “ما ليس منه بد”: طاعة أولي الأمر الشرعيين، والتعاونُ معهم في كل ما يقيم الشرع ويحقق المصالح الدينية والدنيوية، والتقيدُ بقيودهم، في نطاق قاعدة “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”. فكل المشاريع والأعمال الكبرى، تحتاج إلى وجود أولي الأمر، وإلى دعمهم ورعايتهم لها. وكذلك درء المفاسد والمخاطر الكبرى، الداخليةِ والخارجية، لن يكون إلا بهم ومعهم.

كما أن ولاة الأمر لن تقوم لهم قائمة ولن يكون لهم أثر يذكر، إلا بطاعة الرعية لهم وتعاونها معهم.

فلذلك انتقل الإسلام بأتباعه من طاعة الله ورسوله، إلى طاعة أولي الأمر، وجعل طاعة الرسول من طاعة الله {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، وطاعةَ الأمير من طاعة الرسول.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) .

لقد أحدثت فكرة طاعة أولي الأمر، أي الدولة بكل مؤسساتها ومسؤوليها، نقلة ثقافية سياسية مغايرة لما كان عليه الناس في الجاهلية. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) . قال القاضي عياض: “أي: على هيئة ما مات عليه أهل الجاهلية، من كونهم فوضى لا يدينون لإمام” .

فأهل الجاهلية كانوا يعيشون ويموتون، وليس لهم ارتباط لازم بأمير ولا بدولة ولا رئيس دولة. فنبه الحديث على أن من مات على هذا النحو، فقد مات على نمط أهل الجاهلية.

وما دام التصرف السلطاني – أو الرئاسي، أو الأميري، أو القضائي – منوطة بالمصلحة، ويراعي المصالح: الأَولى فالأَولى، ويقدم الأعم والأهم على ما دونه، وينفذ ذلك بلا هوادة، فإنه حتما سيكون أحيانا غير مُرضٍ ولا موافق لبعض الأفراد، فيضيق من حريتهم، أو ينال من أموالهم. وقد يستدعي الأمرُ معاقبة بعضهم، أو منعهم من شيء ما، أو تكليفهم بكلفة ما، دون غيرهم… ففي هذه الأحوال وأمثالها تجب الطاعة أيضا، وهي المقصودة بقوله صلى الله عليه وسلم (من كره من أميره شيئا فليصبر)؛ فكل الناس يكرهون تقييد مصالحهم وتصرفاتهم، وكل الناس يكرهون أخذ شيء من أموالهم، وكل الناس يكرهون فرض تكاليف عليهم، وخاصة إذا نزل ذلك ببعضهم دون بعض. فجاء الشرع الجديد يقول: من أصابه شيء من ذلك، ومن كره شيئا من ذلك، فما له وما عليه إلا أن يصبر ويمتثل. فهذه مقتضيات التعايش المشترك، وهذه مقتضيات العيش في ظل شريعة وفي ظل دولة، إنها دولة القانون والنظام والتحمل التضامني.

وكل هذا يستثقله الناس عامة، وكان أشدَّ استثقالا عند العرب، وخاصة منهم عرب الحجاز، لكونهم لم يعتادوه. ولكن لا بد مما ليس منه بد…

وحرصا على تخليص الناس من الأنفة الجاهلية وآثارها العملية، زيدت لهم جرعة أخرى في طاعة أولي الأمر،فقال عليه السلام:”اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة” . فلم تعد طاعةُ الأمير تعني – كما هو السائد – طاعةَ زعيم حسيب نسيب، ذي مال وبنين، وسطوة ومهابة، بل تعني طاعةَ الأمير أيّ أمير، من غني أو فقير، أو أبيضَ أو أسود. فالأمير بصفاته وقدراته الذاتية، لا بماله ولونه وجاهه.

وقد نقض القرآن الكريم معيار الجاه والمال في الولاة والحكام، فيما حكاه عن بعض بني إسرائيل: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّاللَّهَ قَدْبَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواأَنَّىيَكُ ونُلَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَاوَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 247]

لقد جاء الإسلام بإبطال الثقافة التمييزية الطبقية، التي تُعْطي الحقوق والواجبات، وتوزع المناصب والمقامات، وتقيم أو تعطل الحدود والعقوبات، بناء على معايير الغنى والفقر، والنسب والحسب، وعلى أساس: شريف أو وضيع، قوي أو ضعيف، منَ العلْية أو من السوقة…

فجاء الإسلام يقرر: أن الأمير المطاع يمكن أن يكون من هؤلاء جميعا، وأن المأمور المطيع أيضا هم هؤلاء جميعا.{يَاأَيُّهَاالنَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍوَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًاوَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَاللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

وقال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى. أبلَّغت؟» .

وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء النموذج الأول والأرفع لأولي الأمر، ومفهوم الطاعة الشرعية، وهو الذي جسده الخليفة الأول أبو بكر الصديق. وذلك ما أعلنه فور مبايعته إماما للمسلمين، بقوله:”… أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله” .

قال ابن كثير: “وهذا إسناد صحيح” .

وقد روى الخطيب البغدادي – وغيره – هذه الخطبة التاريخية الجليلة بسنده فقال: “حدثني محمد بن علي الصوري،أخبرنا عبدالرحمن بن عمر التجيبي بمصر، أخبرنا أبوعمر محمد بن يوسف الكندي، حدثني عمي الحسين بن يعقوب،حدثني أحمدبن أب ييحيى بن الوزير ، قال حدثني فتيانب نأبي السمح،حدثني مالك بن أنس،عن هشام بن عروة،عن أبيه،أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب بعد  وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد،فإن يوُليت أمركم،ولست بخيركم،ألا وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذكذا.

أيها الناس إنما أنا متَّبِع،ولست بمبتدع، فإن أناأحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني، أقول قولي هذا،وأستغفرالله لي ولكم.

قال مالك: لايكون أحد إماماً أبداً إلاعلى هذاالشرط” .

ويرى الشيخ ابن عاشور أن طاعة أولي الأمر إنما هي لتمكينهم من تحقيق العدل الذي أُمروا أن يحكموا به، قال”لما أمرالله الأمةبالحكم بالعدل عقَّب ذلك بخطاب هم بالأمر بطاعة الحكام ولاة أمورهم؛لأن الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرع لهم وعلى تنفيذه،وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أن الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف،ولهذا قال عليٌّ: حق علىا لإمام أن يحكم بالعدل ويؤدي الأمانة،فإذا فعل ذلك فحقٌّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا” .

فهذه هي الطاعة التي جاء بها الشرع وحث عليها؛ طاعة لها شروط وحدود، طاعة توحد المجتمع وتجمع كلمته، طاعة يتعاون فيها الحاكم والمحكوم على إقامة الشرع وتحقيق العدل.

المبحث الرابع

الطاعة البدعية ومفاسدها

منذ بداية العهد الأموي انتقلت عاصمة الدولة الإسلامية من المدينة المنورة بالحجاز إلى دمشق بالشام. ثم إلى بغداد بالعراق، مع حكم العباسيين. ولنقلْ: إن الدولة الإسلامية التي تأسست بالحجاز قد نُقلت إلى الشام والعراق. وهذه نقلة كبيرة وعميقة كان لها ما بعدها، ولم تكن مجرد انتقال مكاني إداري.

أما النقلة الثانية للدولة الإسلامية وللجماعة الإسلامية، فهي أن عرب الحجاز، والعرب عموما، سرعان ما أصبحوا مجرد أقلية، في بحر الدولة الإسلامية وشعوبها المختلفة.

لقد كانت الأمة الإسلامية في بدايتها عربية حجازية، ثم دخل فيها العرب الآخرون، أعني عربَ الشمال والجنوب والخليج.وهؤلاء العرب كانت لهم علاقات ومخلطات مع جيرانهم ذوي الإمبراطورياتوالتقاليدِ والطقوس الملوكية المعروفة، أعني الروم والأحباش والفرس. وتأثراً بهؤلاء،صار للعرب المتاخمين لهم ممالك وتقاليد وألقاب ملوكية تتشبه بالجيران الكبار .

لما جاء الإسلام، ثبّت أقدامه أولا في الحجاز غرب الجزيرة العربية، ثم امتد إلى بقية أنحاء الجزيرة شمالا وجنوبا وشرقا. ثم ما لبث أن اكتسح كل شعوب المنطقة وممالكها،فأصبحت جزءا لا يتجزأ من الكيان الإسلامي. وطفق الملوك والأمراء المسلمون – الأمويون ومَن بعدَهم – يحاكون ويتبنَّوْن عددا من أنماط الحكم والسياسة، لدى الفرس والروم، وخاصة منها ما كانيُمَكِّنهم من القوة والمنعة والتنعم وتوطيد الـمُلك وتأمينه.

فبسبب هاتين النقلتين الكبيرتين السريعتين، تأَتَّى “نجاح” الانحرافات والاختلالات السياسية التي استهوت حكام المسلمين، فبدأ – تدريجيا – تجاوز حدود الطاعة الشرعية، والدخول في مسارات الطاعة الفرعونية، مع ما واكب ذلك من آراء وتنظيرات متأثرة بها، طوعا أو كرها.

وفي وقت مبكر وقف الصحابي الجليل عبدالرَّحْمَنِ بن أبي بكرالصديق، في وجه الأمويين، وحذرهم وحذر المسلمين من هذا التوجه، وذلك لما بدأ أمير المدينة مروان بن الحكم يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية، فقال له:”إنمايريدون أن يجعلوها كسروية أو هرقلية” …

هالة التعظيم والترهيب

أعني تعظيمَ الملوك والأمراء وتعاظمها، والمبالغةَ في تمجيدهم وتضخيم هالتهم ومظاهر قوتهم، على غرار القياصرة والأكاسرة. ولعل هذه هي أمُّ الآفات التي ابتُلي بها المسلمون في معظم حكامهم، فهي التي استلزمت المبالغة في طاعتهم والرهبةِ منهم، وهي التي دفعتهم إلى الاستبداد والطغيان… مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو سيد الخلق وأعظمهم بحق وحقيقة، وهو المعصوم بعصمة الله له، قد نهى أصحابه أن يقوموا له أو يقوموا من خلفه، أو يعاملوه كما يعامِل الأعاجمُ ملوكهم وجبابرتهم. وكذلك كان خلفاؤه الراشدون من بعده.

لكن بعد النقطتين المذكورتين، أخذ تعظيمُ الخلفاء والأمراء، وتضخيمُ هالتهم ورهبته… أخذ ينتفخ ويتعزز، وأخذ مفهوم الطاعة يكتسي حُللا ملوكية فرعونية، إلا من رحم الله…

والحقيقة أن الإرهاصات الأولى لهذا التوجه ظهرت منذ إمارة معاوية على الشام. فقد روى ابن كثير: “لما قدم عمر بن الخطاب الشامَ، تلقاه معاويةُ في موكب عظيم،فلما دنا منه عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟قال: نعم يا أميرالمؤمنين.

قال: هذا حالك،مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟قال: هو ما بلغك من ذلك.

قال: ولـمَتفعلهذا؟لقد هممتُ أن آمركب المشي حافيا إلى بلاد الحجاز.

قال:ياأميرالمؤمنين:إنَّا بأرضٍ جواسيسُ العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلط انما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم به،فإنأمرتني فعلت،وإننهيتني انتهيت.

فقال له عمر: يا معاوية،ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس ،لئن كان ماقلتَ حقا إنه لرأي أُريت،لئن كان باطلا إنه لخديعة أديت.

قال: فمرني يا أميرالمؤمنين بما شئت،قال: لا آمرك ولا أنهاك” .

وكيفما كان الأمر فيما كان ذكره الأمير معاوية، وما أجاب به الخليفة عمر، فإن النزاعات القيصرية الكسروية لم تقف عند هذا الحد الذي هو كـ”رواجب الضرس”: يحتمل ويحتمل، بل استمرت في التضخم و الاستفحال، حتى بلغت عند بعض الحكام حدا لا يكاد يختلف في شيء عما كان عليه القياصرة والأكاسرة، بل ربما نجد ما هو أسوأ. وبذلك تلاشى أو اضمحل المفهوم الشرعي والضوابط الشرعية لطاعة أولي الأمر.

ومن المعلوم أن إقامةَ الهالة القيصرية الكسروية وإدامتَها، لا تناسبها الطاعةُ الشرعية، المقرونة بالضوابط والقيود، وبحرية الرأي والاعتراض، وإنما يناسبها الشعار الفرعوني{مَاأُرِيكُمْإِلَّامَاأَرَىوَمَاأَهْدِيكُمإِلَّاسَبِيلالرَّشَادِ} [غافر: 29]. وهكذا بدأ الخلفاء والأمراء يَضيقون بالرأي المخالف ويُضيّقون عليه، ويمضون فيما “يصلح لهم” دون سواه.

من الأمثلة المبكرة لذلك، ما أخرجه الإمام البخاري، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأولُ شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناسِ، والناسُ جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم،فإن كان يريد أن يقطع بعث اقطعه،أو يأمربشيء أمربه،ثم ينصرف.

قال أبوسعيد: فلم يزل الناس علي ذلك، حتى خرجتُم عمرو ان وهو أمير المدينة، في أضحى أو الفطر. فلما أتينا المصلى إذ امنب رٌبنا هكُـثَـيـِّ بنال صلت، فإذا مرو ان يريد أن يرقيه قبل أن يصلي،فجبذت بثوبه فجبذني،فارتفعف خطب قبل الصلاة.فقلتله: غيرتم والله. فقال: أباسعيد، قد ذهب ماتعلم .فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إنا لنا سلمي كونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة” .

وفي صحيح مسلم، أن الصحابي عائذَبنَعمرو دخل على الأمير الأموي المعروف عبيدالله بن زياد ليحدثه وينصحه، ففال له:”أيْ بني،إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنشر الرِّعاءِ الحطمةُ  ،فإيا كأن تكون منهم». فقال له:اجلس،فإنما أنت من نُـخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.  فقال:وهل كانت لهم نخالة؟إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم” .

وإنْ ضرب ظهرك وأخذ مالك؟

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قلت: يارسول الله،إناكنا بِشرٍّ،فجاءالله بخيرفنحنفيه،فهل من وراء هذا الخير شر؟قال: «نعم»،قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟قال: «نعم»،قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟قال: «نعم»،قلت: كيف؟قال: «يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي،ولايستنون بسنتي،وسيقوم  فيه مرج القلوب هم قلوب الشياطين في جثمان إنس»،قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» .

الشطر الأخير من هذا الحديث: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» يثور حوله جدل كثير، من حيث تصحيحه أولا، ومن حيث فهمه ثانيا.

وقد صار هذا الشطر من الحديث عمدة وشعار الأنصار الطاعة البدعية الظالمة.

فأما تصحيحُ الحديث من عدمه، فلا أخوض فيه ولا أنقل فيه شيئا. وأكتفي الآن بما عليه السواد الأعظم من المحدِّثين، الذين يصححونه، وفي مقدمتهم الإمام مسلم رحمه الله.

وأما من حيث المعنى، فالناس فيه فريقان:

الفريق الأول: يفهم من الحديث أن من ابتُلي بأمير أو إمام ظالم، يأخذ ماله ظلما، ويضرب ظهره ظلما، فالواجب هو أن يستسلم لذلك ويصبر عليه، وأن يبقى على طاعته لذلك الأمير.

الفريق الثاني: يفهم من الحديث أن الأمير إذا أوقع على أحد عقوبة عادلة مستحقة، أو أخذ شيئا من ماله، بوجه من الوجوه المشروعة أو المحتملة في الشرع، فعليه أن يذعن لذلك ويصبر عليه، وألا يتمرد أو يقطع طاعته لولي الأمر. وأما في حال الظلم الصريح فلا طاعة، بل الواجب إنكار المنكر وتغييره بقدر الاستطاعة.
وأنا لا يسعني إلا أن أكون مع هذا القول الثاني…
وفيما يلي بيان ذلك وأدلته.

القول الثاني هو الموافق لعدد لا يحصى من قطعيات الشرع: من الآيات والأحاديث والقواعد والمقاصد…بينما القول الأول يُلجئ أصحابه إلى إهدار كل تلك النصوص والمقاصد والقواعد الشرعية. فالنصوص الآمرة بالعدل والإحسان والحق والبر والرحمة، الآمرةُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذِ على يد الظالم، وكذلك النصوص المحرِّمة للظلم عامة، والمحرمة لدمائنا وأموالنا وأعراضنا، وكذلك النصوص القاضية بالقصاص في الأبدان وبالضمان في الأموال… كل هذه القطعيات وغيرها، توضع في مهب الريح، أو في سلة المهملات عند أصحاب الرأي الأول، بناء على خبر آحاد أولا، وبنا على مجرد فهمٍ يلوح لهم ببادئ الرأي ثانيا. بينما القول الثاني يوافقها ويحفظها، ولا يهدر هذا الحديث، بل يفسره في ضوئها وفي وئام معها. وهذا هو منهج الرشاد والسداد، ومسلك الراسخين في العلم، أعني الجمعَ بين الأدلة الشرعية ما وُجد له سبيل، بدل ضرب بعضها ببعض، وبدل نقض جموعها بأحدها.

في القول الثاني سوء ظن بالشرع وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإساءة بالغة إليهما. ونحن مأمورون بحسن الظن واجتناب سوء الظن ببعضنا و عامة الناس، فكيف بالظن بالله ورسوله؟ كيف استساغ أصحابناواستسهلوا الظن بأن الشرع الذي نعرفه، يأتي بإهدار كرامتنا وأبداننا وأموالنا، ويأمرنا أن نقبل ذلك ونساعد عليه، وأن نمكِّن للظلم والظالمين؟ اسمعوا ما يقوله العارفون بالله وشريعته: “فإن الشريعة مبناه اوأساسها على الحِكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد.وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمةإلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتَمَّ دلالة وأصدقها” .

قال أبو العباس القرطبي في شرحه لحديث:(على المرء المسلم السمع والطاعة): “ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة. ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية. فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولا واحدا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرا: وجب خلعه على المسلمين كلهم. وكذلك: لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين؛ كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنعَ من ذلك. وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنى، ولم يمنع منهما، لايُختلف في وجوب خلعه. فأما لو ابتدع بدعة، ودعا الناس إليها؛ فالجمهور على أنه يخلع. وذهب البصريون إلى أنه لا يخلع، تمسكا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)، وهذا يدل على استدامة ولاية المتأول وإن كان مبتدعا. فأما لو أمر بمعصية مثل أخذ مال بغير حق أو قتل ٍأوضرب بغير حق، فلا يطاع في ذلك، ولا ينفذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما، ولاماله، بأولى من دم الآخر، ولا مالِه. وكلاهما يحرم شرعا؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما، لا للآمر، ولا للمأمور؛ لقوله: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)؛كما ذكرهالطبري، ولقوله هنا : (فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). فأماقوله في حديث حذيفة: (اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك)؛ فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد،وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك. ويحتمل أن يكون ذلك خطابا لمن يُفعل به ذلك بتأويل يسوغ للأمير بوجه يظهر له، ولايظهر ذلك للمفعول به . وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، ويصح الجمع، والله أعلم” .

يزعم أصحاب القول السيء أنهم يأخذون بظاهر الحديث. ولذلك أسوق لهم قول إمام الظاهرية والناطقِ باسمهم. قال ابن حزم رحمه الله: “… أما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر، فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَامُ ذَلِك بِحَق. وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ. وَإِن امْتنع من ذَلِك، بل من ضرب رقبته إِن وَجب عَلَيْهِ، فَهُوَ فَاسق عَاص لله تَعَالَى. وَأِمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل، فمَعاذَ الله أَن يَأْمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصبرِ على ذَلِك. برهَان هَذَا قَول الله عز وَجل {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان}. وَقد علمنَا أَن كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُخَالف كَلَام ربه تَعَالَى؛ قَالَ الله عز وَجل {وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا}، فصح أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ وَحي من عِنْد الله عز وَجل، وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا تعَارض وَلَا تنَاقض. فَإِذا كَانَ هَذَا كَذَلِك، فيقينٌ لَا شكّ فِيهِ يدْرِي كل مُسلم أَن أَخذ مَال مُسلم أَو ذمِّي بِغَيْر حق، وَضرْبَ ظَهره بِغَيْر حق، إِثْم وعدوان وَحرَام. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم). فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا وَلَا اخْتِلَاف من أحد من الْمُسلمين، فالمسلم إذا ترك ماله للأخذ ظلما، وظَهْرَه للضرب ظلما، وَهُوَ يقدر على الِامْتِنَاع من ذَلِك بِأَيّ وَجه أمكنه، مُعاون لظالمه على الْإِثْم والعدوان، وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن” . و”قال أبومحمد: فحرام علىك لمن أُمر بمعصية أن يأتمر لها، فإن فعل فهو فاسق عاصٍ لله تعالى، وليس له بذلك عذر.وكذلك الآمر فينفسهب مالم يبح الله تعالى له،فهو عاص لله تعالى فاسق، ولاعذر للمأمور في طاعته، بل الآمر والذي يؤمر سواء في ذلك” .

وإذا أردنا أن نكون ظاهريين، دون أن نظن بالله ظن السوء، فالحديث فيه وجه آخر من وجوه الظاهر، وهو قراءته بالبناء للمجهول، أي:”تَسمع وتطيع للأمير، وإن ضُرب ظهرُك،وأُخذمالُك”، وهي قراءة معتمَدة للحديث. فعلى هذه القراءة: لا يكون الأمير المطاع هو نفسه الذي يضرب الظهر ويأخذ المال أو يأمر بذلك أو يوافق عليه، وإنما غيره من رعيته أو من بعض المحسوبين عليه. وكل ما هنالك أنه لم يتمكن من القيام بواجبه في منع هذا الظلم عن بعض أفراد رعيته. وهذا معناه: أنه حتى في مثل هذه الظروف وما فيها من فتن وتعديات، يجب الإبقاء على طاعة الأمير، ففيها بقيةٌ من خير ومصلحة. وهذا أيضا أولى من أن نُسارع إلى قول يفسد الأمير، أو يزيده فسادا وغيا، ويجعلُ منه “حاميها حراميها”، ثم نقول للناس: أطيعوه وأسلموه ظهوركم وأموالكم، فهو “مجرم شرعي على سنة الله ورسوله”.

إذا كان الحديث موضوعُ الكلام قد ورد في صحيح مسلم، ففي صحيح مسلم أيضا حديثٌ آخرُ يُبطل قول القائلين بقبول ضرب الظهر وأخذ المال. فعن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب؛ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . قال ابن رجب الحنبلي: “فجهادُ الأمراءِ باليد: أنْ يُزيلَ بيده ما فعلوه مِنَ المنكرات، مثل أنْ يُريق خمورَهم، أو يكسِرَ آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يُبطل بيده ما أمروا به مِنَ الظُّلم، إن كان له قُدرةٌ على ذلك. وكلُّ هذا جائزٌ، وليس هو من باب قتالهم، ولا مِنَ الخروج عليهم الذي ورد النَّهيُ عنه، فإنَّ هذا أكثرُ ما يخشى منه أن يقتل الآمر وحده. وأما الخروج عليهم بالسَّيف ، فيخشى منه الفتنُ التي تؤدِّي إلى سفك دماءِ المسلمين” . فكيف يَلزمنا مجاهدةُ منكراتهم الواقعةِ على غيرنا، ثم يَلزمنا الاستسلامُ لها، إذا وقعت في ظهورنا وأموالنا؟ ما لكم كيف تحكمون؟

مفاسد أخرى للطاعة البدعية:

أصحاب الطاعة البدعية – سواء من الولاة أو من مواليهم – لا يرضون حتى يجعلوها طاعة مطلقة. ومعلوم أن “الطاعة المطلقة مفسدة مطلقة”. وهذا هو الواقع الذي يعيش تحته معظم المسلمين.

لقد بولغ في أمر الطاعة البدعية نفسها، حتى أصبحت قولا ضمنيا بعصمة أولي الأمر. وذلك أن عددا من ولاة أمورنا يمنعون منعا باتا أي اعتراض عليهم، وأي تخطئة لقراراتهم، وأي نقد لسياساتهم. ويأتي أولياؤهم – أو مَواليهم – ليمتدحوا ويمجِّدوا كل أخطائهم، وكل خطاياهم، وكل كوارثهم.ولو جئتَهم بكل بَواح من الضلالات والمفاسد والموبقاتوالكفريات، لأوجدوا له تأويلا ومخرجا مشَرِّفا، ولجعلوا منه عملا بطوليا وإنجازا تاريخيا. ولو تجرأ أحد – من غير الموالي- على النقد والاعتراض لأمطروه بتهم الخروج عن واجب الطاعة، وبعدم الاحترام لأولي الأمر، وبالتسبب في الفتنة، وتهديد الأمن والاستقرار… وكل هذه سياسات وأفكار بدعية ما أنزل الله بها من سلطان. وحسبها من الشر والضرر أنها تفسد حتى الولاة الصالحين المصلحين، وتحرمهم فوائد النقد والمعارضة والترشيد، وتغرقهم وتحاصرهم بالتملق والنفاق والخداع والتلبيس.

أما شرعنا فليس فيه عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل واحد دونه يؤخذ منه ويرد عليه. والمصلحة الحقيقية للحاكم والمحكوم معا، تكمن في الصدع بالحق والحقيقة، وكشف الأخطاء والعيوب، وفي حرية الرأي وحرية النقد وحرية الاعتراض على الولاة والخلفاء. والنصوص في ذلك بالغة مبلغ المعلوم من الدين بالضرورة. وحسبنا قوله تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59].

فليس من الطاعة الشرعية لأُولي الأمر تقديم الإطراء والنفاق والخداع لهم. كما أن نقدهم ومصارحتهم ومعارضة ما يستوجب المعارضة في أقوالهم وأفعالهم ليس فيه أي انتقاص للطاعة الشرعية ولا أي تنافٍ معها، بل هو الواجب نصا واستصلاحها.

الخاتمة:

لقد أوضحتُ في مختلف مباحث هذه الورقة أن طاعة أولي الأمر المنصوصَ عليها والمأمورَ بها في القرآن الكريم والسنة النبوية، قد شكلت طفرة حضارية للقبائل العربية، التي انتقلت بذلك من عصر الشتات والتغالب والقبيلة العرفية، إلى عصر الأمة والشريعة والدولة المنظمة الموحدة.

ولقد جاءت تلك الطاعة محفوفة وموجهة بجملة من القيود والحدود والمقاصد…

ولكنَّ انتقال عاصمة الدولة الإسلامية ومركزِ ثقلها من المدينة المنورة إلى الشام والعراق، فتحالباب لجملة من التغيرات السياسية السلبية، أكثرها مستمد ومستوحى من المرجعية القيصرية والكسروية، التي زاحمت المرجعية الإسلامية في مجال السياسة والحكم.

وفي هذا السياق بدأت المبالغة والإفراط في طاعة أولي الأمر، والدفع بها لتصبح طاعة مطلقة ليس لها قيود ولا حدود، وتصبح عنوانا للاستبداد والفساد.

وليس لنا اليوم من مخرج سوى الجهاد العلمي والفكري والسياسي، لأجل العودة بالطاعة الشرعية إلى طبيعتها وإلى مقاصدها وضوابطها.

ويأتي في مقدمة ذلك إطلاقُ حرية الفكر والتعبير والنقد، التي تشكل في حد ذاتها ضمانة للتوازن والترشيد ومنع الإفراط والشطط في استعمال السلطة والتحكم.

وبما أننا في عصر التقنين والمؤسسات الدستورية، وفي عصر اعتماد الوثائق القانونية المفصلة والمدققة، وهو ما أصبحت جميع الدول الإسلامية تأخذ به،

وعملا بالقاعدة الفقهية الذهبية العُمَرية : “تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور”،

فقد أصبح من الضرورات الشرعية تقنين مسألة الطاعة تقنينا تاما مفصلا، يرفع التنازع فيها، ويمنع الاستبداد باسمها، بما في ذلك ما يتعلق برئيس الدولة وصلاحياته وحدوده ومحاسبته، ومتى وكيف يمكن عزله، أو إبطال طاعته في أي شطط يقع فيه.

قائمة المصادر والمراجع

أحكام القرآن للإمام الشافعي، جمع الحافظ أبي بكر البيهقي – راجعه وقدم له محمد زاهد الكوثري – نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة – 1370ه/1951م.

أسد الغابة، لابن الأثير الجزري- دار الفكر- 1409هـ – 1989م.

إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض اليحصبي السبتي، تحقيق يحيى إسماعيل – نشر دار الوفاء 1319هـ/1998م.

أعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية -نشر دار الجيل ببيروت / 1973.

البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي- تحقيق صدقي محمد جميل – نشر دار الفكر – بيروت/ 1420ه ــ

بدائع السلك في طبائع الملك، لابن الأزرق – تحقيق الدكتور علي سامي النشار – نشر وزارة الإعلام العراقية – الطبعة الأولى.

البداية والنهاية، لابن كثير – تحقيق علي شيري – دار إحياء التراث العربي – الطبعة الأولى: 1408، هـ – 1988م.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري – تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي – نشر دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان – الطبعة: الأولى، 1422 هـ – 2001 م.

جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي – تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس- مؤسسة الرسالة بيروت -الطبعة السابعة، 1422هـ – 2001م.

الدلائل في غريب الحديث لقاسم العوفي السرقسطي – تحقيق محمد بن عبد الله القناص -نشر مكتبة العبيكان، الرياض – الطبعة الأولى، 1422 هـ / 2001م.

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – دار المعرفة ببيروت – د. ت.

شرح ديوان الحماسة، لأبي علي المرزوقي الأصفهاني – تحقيق غريد الشيخ – نشر دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى، 1424 هـ – 2003م.

صحيح الإمام البخاري – تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي – نشر دار السلام بالرياض/1419.

صحيح الإمام مسلم – طبعة دار الجيل ودار الآفاق الجديدة بيروت – د.ت.

صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني – نشر دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الأولى – 1417ه/1997م.

طاعة أولي الأمر، لعبد الله الطريفي – نشر دار المسلم للنشر والتوزيع بالرياض، د ت.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان تحقيق: الشيخ زكريا عميرات – دار الكتب العلمية، بيروت – الطبعة الأولى – 1416هـ .

فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني – دار المعرفة بيروت – 1379.

فتح البيان في مقاصد القرآن لمحمد صديق خان القِنَّوجي- نشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، بلبنان – 1412هـ /1992م.

الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم – مكتبة الخانجي بالقاهرة د. ت.

قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله وولاة الأمور، لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – تحقيق عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر – نشر جهاز الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني، المملكة العربية السعودية – الطبعة: الثانية، 1417هـ

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، لجار الله الزمخشري – نشر دار الكتاب العربي ببيروت – الطبعة الثالثة/ 1407هـ.

الكلم الطيب، لابن قيم الجوزية، بيروت – الطبعة الأولى: 1419 هـ – 1998م.

المحلى بالآثار، لابن حزم الظاهري الأندلسي – طبعة دار الفكر – بيروت – د. ت.

مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات النسفي – تحقيق يوسف علي بديوي – نشر دار الكلم الطيب، بيروت الطبعة: الأولى، 1419 هـ – 1998م.

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ناشر: دار الساقي – الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م.

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لأبي الفرج ابن الجوزي – تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا – نشر دار الكتب العلمية، بيروت – الطبعة: الأولى، 1412 هـ – 1992 م.

منهج أهل السنة والجماعة في السمع والطاعة، قرار لهيئة كبار العلماء بالسعودية – نشر وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية.

الموطأ للإمام مالك بن أنس – تحقيق محمد مصطفى الأعظمي – نشر مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية – أبو ظبي – الطبعة الأولى – 1425هـ / 2004 م.

اترك تعليق

  1. يقول جزاك الله خيرا:

    جزاك الله خيرا

  2. يقول khazaal khattab:

    جزاك الله خيرا

  3. يقول أيمن صالح:

    صحيح مسلم 2/ 944:
    عن يحيى بن حصين، عن جدته أم الحصين، قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا، ثم سمعته يقول: «إن أمر عليكم عبد مجدع – حسبتها قالت – أسود، يقودكم ‌بكتاب ‌الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا».
    انظر إلى القيد في لزوم الطاعة: “يقودكم بكتاب الله تعالى”. وكل ما ورد مطلقا عن هذا القيد يحمل عليه لأن المطلق يحمل على المقيد.

  4. يقول دكتور محمد رضا بن حسن اللواتي:

    استغرب كثيرا ان يتجاوز مثل هذا البحث القيم ومن شخصية مرموقه مثل البروفيسور أحمد الريسوني
    آل بيت النبوة ..
    أجد في ذلك تجاوزا لرسول الرحمة وأمام الهدى عليه الصلاة والسلام .

  5. يقول Yasmeen essam:

    بارك الله لك ونفع بك وجعله الله في ميزان حسناتك يارب
    هذا البحث يجب أن ينشر في كل مكان في دول العالم الإسلامي خاصة في هذا الوقت الحرج الذي تمر به الأمة الإسلامية