قراءة في سلسلة: الشهود الحضاري للعلامة د. عبد المجيد النجار

سلسلة كتبها أ.د. عبد المجيد النجار

وقرأها أ.د. رفيق عبد السلام (*)

د. رفيق عبد السلام - الأكاديمي التونسي

أ.د. رفيق عبد السلام – الأكاديمي التونسي

صدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت كتاب للباحث التونسي المتخصص في الدراسات الإسلامية عبدالمجيد النجار بعنوان «الشهود الحضاري للأمة الإسلامية». ويشمل الكتاب ثلاثة أسفار كبرى، الأول بعنوان «فقه التحضر الإسلامي» والثاني بعنوان «عوامل الشهود الحضاري» والثالث بعنوان «مشاريع الإشهاد الحضاري». وتتأطر الأجزاء الثلاثة ضمن إشكالية النهوض الحضاري الإسلامي والآليات الموصلة لذلك في ظل الأوضاع التاريخية الراهنة للمسلمين. وقد تضمنت خاتمة المشروع عرضا نقديا لأهم تجارب النهوض الإسلامي خلال القرون الثلاثة الأخيرة.

يتناول الجزء الأول من البحث الأسس الفلسفية والأخلاقية الكبرى التي يتأسس عليها ما أسماه النجار بمشروع «التحضر الإسلامي»، فالحضارة لكي تكون موصوفة بمعاني الإسلامية – على ما يقول المؤلف – يجب أن تتأسس على ثلاثة شروط رئيسية كبرى:

أولا: أن تقوم على مبدأ الاستخلاف الشامل في بعديه العقائدي والشرعي.

ثانيا: أن تلتزم مبدأ الشهادة على الناس لأن الحضارة الإسلامية – على نحو ما يذكر النجار – هي حضارة

 إنسانية في أساسها التكويني والمقصدي، حضارة تنشد خدمة الإنسان، وتتجه إليه بالترقي الأخلاقي والعمراني سواء في ذاته الفردية أو الاجتماعية.

ثالثا: مبدأ التسخير أو ما اسماه الكاتب بالارتفاق الكوني والذي يعني في دلالته العامة أن

التحضر الإسلامي يقوم على تعامل استثماري نفعي لمخزونات الكون ولكن وفق تسديد خلقي قوامه علاقة رفق ولطف بالكون لا علاقة إتلاف أو تدمير أو تلويث.

أما الجزء الثاني من البحث فيتناول عوامل الشهود الحضاري التي يعتبرها الكاتب شروطا موصلة لسبل التجدد والنهوض الإسلاميين والتي يختصرها في خمسة عوامل رئيسية:

أولا: الإحاطة الدقيقة بمعطيات الواقع الإسلامي بغية الوقوف عند العوامل الكابحة لطاقة النهوض الإسلامي وشد المسلمين إلى حال الخمول والتثاقل الحضاري.

ثانيا: ترشيد الأساس التصوري العقدي حتى يكون أصلا مسددا في مجال النظر، ودافعا للعمل سواء للفرد أو للمجتمع عامة.

ثالثا: إصلاح الفكر من خلال إصلاح مناهج العقل الإسلامي حتى تكون قائمة على جملة من الخصال الدافعة للفاعلية الحضارية، ومن ذلك الشمولية والواقعية والتوحيد والروح النقدية.

رابعا: توافر شرط ما أسماه النجار بالنفير الحضاري، قاصدا بذلك العمل التأطيري الباعث للنشاط والمجدد للحركة. خامسا سلطان العمل والإنجاز والمقصود بذلك بعث السلطان الاجتماعي ممثلا في المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومجالات الانتظام الأهلي المستقل إلى جانب المؤسسات السياسية من أحزاب وهيئات رسمية وحكومية القائمة على الشأن الإسلامي العام.

أما الجزء الثالث من البحث فكان تحت عنوان: مشاريع الشهود الحضاري، وقد تناول فيه بالدرس والتحليل مختلف التجارب الإصلاحية التي قامت بين المسلمين، الهادفة إلى اكتساب التحضر الإسلامي، وقد قسمها الباحث إلى ثلاثة روافد أساسية.

أولا: المشروع السلفي الذي يقوم على مطلب العودة إلى منابع الوحي مباشرة ومدافعة ما طرأ في حياة المسلمين من البدع والحوادث والانحرافات، مع الحث المستمر على الاجتهاد وتجديد النظر ومسالك العمل، وقد أدرج ضمن هذا المبحث كلا من الحركة الوهابية والسنوسية والمهدية.

ثانيا: المشروع الإصلاحي التحرري الذي يبتغي تحرير الأمة من عوامل الوهن والخمول الحضاري تحريرا ينحو منحى الشمولية الجامعة فكرا وسياسة واجتماعا وإرادة، وذلك بإعادة صلتها بمنبع الوحي ليكون موردها في الاعتقاد والتشريع ودفع صائلة الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية المسلطة عليها، مع محاولات دؤوبة في الاستفادة من الفكر وأدوات التمدن الغربي، وقد تراوح ذلك عند أعلام هذا التيار بين الاكتفاء بالأخذ بالعلوم والصنائع الغربية وبين ضروب من الاستنساخ الذي طال مجالات الفكر والمنظور الفلسفي. ركز رموز هذا التيار – كما يقول النجار – على عوامل التربية والتأهيل الفردي مع استعمال وسائل النشر والكتابة ولكن مع ما يشبه الإهمال التام لأدوات العمل الجماعي المنظم، ويدرج النجار ضمن هذا التيار كلا من الطهطاوي وأحمد خان وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وعبدالحميد ابن بديس.

ثالثا: تيار الإحياء الشامل ويقوم هذا التيار – كما يقول الكاتب – على إحياء إيماني شمولي لنفوس المسلمين بما يعيد صوغ شخصية الفرد والجماعة صوغا يجدد الفكر ويحرر بواعث العزم والإرادة وتخلص المسلمين من دواعي التراخي والانهزام النفسي في إطار موقف متوازن من الغرب، موقف يدعو إلى الانتفاع من علومه وصنائعه وأدواته التنظيمية مع توخي موقف نقدي من أبعاده الثقافية وأصول نظمه الاجتماعية. أما من حيث المنهج فقد قام هذا التيار – كما يقول النجار – على الاستنفار الشامل لقوى الفرد والمجتمع. وقد عرض المؤلف في هذا المشروع حركتين من حركات النهضة الإسلامية، الحديثة هما: حركة الإخوان المسلمين وحركة الجماعة الإسلامية، مشخصا تجربة كل من الحركتين الفكرية والتنظيمية في النهوض الحضاري الإسلامي، ثم وقع التعقيب عليهما فيما حققا من مكاسب وأهداف تتعلق بالنهضة الحضارية الإسلامية.

وقد ختم النجار هذا الجزء بخلاصة تعقيبية تناول فيها بالتقويم والنقد مجمل مشروعات النهوض الإسلامي وذلك بمقايستها من حيث مناهجها وأساليبها بالمبادئ الإسلامية الكبرى الموجهة للحضارة الإسلامية على النحو الذي عرضت فيه في الجزء الأول، وكذلك بموازنتها بالعوامل التي من شأنها أن تدفع إلى النهضة الحضارية الإسلامية، وقد خلص المؤلف في نهاية هذا المبحث إلى جملة من الاستنتاجات عن مواطن النجاح والقصور في تلك المشروعات التي كانت تبتغي النهوض الإسلامي، مع التوجيه إلى ما عساه أن يدفع بالأمة الإسلامية اليوم إلى تفعيل مسيرتها في سبيل استئناف سبل النهضة الحضارية الإسلامية وتجاوز الوهدة التاريخية التي أصابت البنيان الإسلامي.

بشيء من التقييم السريع يمكن القول إن أهمية هذا المشروع الذي خطه النجار تتمثل في عنصرين رئيسين:

فضيلة أ.د. عبد المجيد النجار، صاحب السلسلة وكاتبها

أولا: بيان الأسس الفكرية والأخلاقية الكبرى المؤسسة لمشروع النهوض الإسلامي وفي مقدمة ذلك مفهوم الاستخلاف الإسلامي في وجهيه الوجودي والفلسفي الذي أولاه الكاتب أهمية خاصة في مؤلفه الجديد كما سبق له أن افرده مؤلفا تحت عنوان (خلافة الإنسان بين الوحي والعقل). ومن المعلوم في هذا الصدد أن نظرية الاستخلاف الإسلامي خضعت لضربين من المعالجات الفلسفية والدينية عند القدماء والمحدثين. الأولى هي المعالجة الروحانية الحلولية التي كانت لها ارتساماتها الواضحة في ديانات وفلسفات الشرق الأقصى، وهي معالجة نزعت منزعا حلوليا لا يميز بين عالم الإنسان والطبيعة والأرواح الخفية، وقد كان لهذه الفلسفات الحلولية تسربات واضحة في بعض اتجاهت الفكر الإسلامي ذات الملمح الأغنوصي الباطني ومن ذلك أهل التصوف والحلول العرفاني. أما المعالجة الثانية فهي التي نزعت منزعا حلوليا ماديا تقوم على إذابة المعنى الديني في عالم الضرورة الطبيعية، وإذابة الوجود الإلهي المتعالي في الوجود الإنساني المحايث على نحو ما نشهده في فلسفات الحلول المادي المعلمن في مجرى الفكر الفلسفي الغربي الحديث، وخصوصا في فلسفة سبينوزا في القرن السابع عشر ومن بعده الفيلسوف الألماني هيجل في القرن التاسع عشر إذ عمل كل منهما على تحويل وجهة التراث اليهودي المسيحي نحو حلولية مادية صارمة المعالم. ففي مقابل ذلك يؤسس النجار – كما هو شأن المفكرين الإسلاميين – نظرية الاستخلاف الكوني على معنى الإنابة الإنسانية على مقتضي قيم الحرية والمسئولية، وهي حرية موصولة بالله دونما حلولية معطلة للفاعلية الإنسانية ولا حاجبة للحضور الإلهي في عالم الخلق والأمر.

ثانيا: يتميز هذا المشروع الطموح بطابع تركيبي ونقدي عميق، ويبدو ذلك جليا من خلال سعي النجار الى تفحص مجمل تجارب النهوض الإسلامي الحديث على امتداد القرنين الماضيين بسعة أفق مستقرئا الخط العام لحركة الإصلاح الإسلامي ومميزا بين المكاسب والمنجزات وبين العثرات والسقطات المطلوب تداركها، وهو بهذا المعنى ليس مجرد بيان نظري منعزل عن حركة الواقع ومشاغل العصر بل هو فكر حي يبتغي تسديد العمل وتصويب الانجاز ضمن خط النهوض الإسلامي.


(*) د. عبد المجيد النجار، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعات تونس والجزائر، والأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ود. رفيق عبد السلام، أكاديمي تونسي، دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ودارس للفسلفة والعلوم الاجتماعية، والمقال منقول عن موقع جريدة الوسط البحرينية.

اترك تعليق