ما حكم أولئك الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام؟

بقلم: الشيخ محمد الغزالي(*)

إنه لخليق بنا قبل التعرض للجواب على هذا السؤال أن نسأل نحن أنفسنا:

ما حكم الذين لم يُبلِّغوا دعوة الإسلام؟

إن الدعاء إلى الإسلام ليس نداء إلى حلقة مزاد أو حفل ترفيه أو مباراة رياضية! ليس نداء إلى نافلة يأتيها من شاء ويدعها من شاء، وهو مِن قبل ومِن بعد مطمئن إلى ما عنده، مستكمل العدة لمواجهة مستقبله، شاعر بأن شيئا مهما لا ينقصه! كلا.. كلا.

إن الدعوة إلى الإسلام إرشاد إلى أنفَسِ حق في الوجود، وتوجيهٍ إلى خير الدنيا والآخرة معا، وإنقاذ من أسباب الهلاك التي يهدد المرء في عاجلته وترتقبه في آجلته، إن الدعوة إلى الإسلام تمكين للأمم من معرفة سبيل تكتنفها الهدايات والرحمات، وتمتلئ بآثار النبيين السابقين، ويتحصن الناس فيها من إغواء الشياطين: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ ‌أَكْثَرَ ‌النَّاسِ ‌لَا ‌يَعْلَمُونَ}.

ومن ثم فإن الذين يقدرون على إسداء هذا الصنيع للعالم ثم يضنون به، والذين يستطيعون رفع هذا المنار ثم يحجبون أشعته عن الحائرين والمستبصرين – هم عند الله أشد الناس جرما وأحقهم بالبوار، {إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، {إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

والآية الأخيرة شرحت بعض أسباب الكتمان، وحجب الحق عن الأنظار، وهو حب الدنيا، وتشهي لذاذاتها، وإيثار الراحة في ظل الصمت على الجهد في ظل المصارحة وإظهار حكم الله.

والواقع أن كل مسلم مطالب بالإيمان، وبحراسته ضد العدوان، وبترغيب الناس فيه بالعمل وباللسان، ومطالب كذلك بكره الباطل وعداوة ما يستوي العامة والخاصة في إدراك قبحه، كالزنا والربا والكذب والبذاء، وهذا هو محور الركن الركين في الإسلام، ركن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

أما ما دقَّ عن أنظار الجمهور من أمور الخلاف وضروب الجدل فهو متروك لأهل الذكر، يتناولونه بما لديهم من سعة في العلم، وإحاطة بفروعه.
غير أن أمر الدعوة هان لدى المسلمين – خصوصا في فترات الانكسار من تاريخهم – فاضطرب ميزان الخير والشر، ثم استفحل الخطر فأمسى الضلال يركض في كل ناحية لا يجد عائقا ولا ساخطا، وبذلك ركدت ريح الدعوة إلى الله، وكادت معالمها تضمحل في سطوة الفساد.

الحقيقة المرة أن أمة الدعوة إلى الله فرطت في جنب الله، ولم تخلف رسولها العظيم في طبيعة الإشعاع والإسعاد التي اقترنت ببعثته، والتي جعلت منه ﷺ صبحا يجتاح الظلمات بجيش من السنا لا آخر له.

ونتساءل بعد ذلك: ما حكم الذين شردوا عن ذلك الصراط المستقيم، وضلوا عن هذا الدين الكريم؟ وما حكم أولئك الذين لم تبلغهم دعوة محمد ﷺ، وإنْ بلغتهم فهي مستكرهة لا تُغري بإيمان، ولا تفسح صدرًا لإسلام؟

إن هؤلاء كثير، ففي العالم اليوم ما يزيد على ألفي مليون إنسان، كم تظن عدد المنتسبين إلى الإسلام بينهم؟ قرابة خمسمائة مليون! أما البقية الضخمة ففيها ألف مليون “وثني” و”شيوعي” لا صلة لهم بالسماء، ولا يتبعون أحدا من الأنبياء!
وهناك نحو خمسمائة مليون “نصراني” يخلطون في عقائدهم بين التوحيد والشرك، وتَصرفُهم في أنحاء الأرض فلسفاتٌ خُلقية ومذاهب تشريعية لا يضبطها إيمان سليم، بل لا يمكن حساب أصحابها بين المتدينين إلا على تجوُّز بالغ.

والمسلمون المنضوون تحت عَلم النبوة الأخيرة فيهم جماهير ترث الإسلام اسما فحسب، وتتبع في حياتها ما بثه الأوروبيون من أنظمة وقوانين موضوعة، أغلبها من إملاء الهوى، واتباع الشيطان.

ونحن عندما نبحث أحوال الأمم الكثيفة التي لم تدخل الإسلام ونفكر في مصيرها عند الله لابد أن نضع نصب أعيننا الحقائق التالية:
إن هناك ألوفا مؤلفة تعتبر في حكم من لم تبلغه الدعوة أصلا، وإنْ مرَّت على بعثة الرسول صاحب الدعوة أربعة عشر قرنا؛ فهي إما أن تجهل كل شيء عن محمد ﷺ، وقرآنه وسائر تعاليمه، وإما أن تعلم من فلك مفتريات روجها أعداء الإسلام وحشوها بما في أدمغتهم من أكاذيب، ولعلها معذورة في صدودها عن ذلك الدين لأنها لم تتلق الحق من أصحابه، ولم تسمع لهم قيلا، وهؤلاء يشبهون أهل الفترة من العرب الذين سبقوا البعثة، وقد يقال فيهم: {‌وَمَا ‌كُنَّا ‌مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}.

غير أنه يضاف إلى ما سبق شيء آخر، وهو أن الله زود الإنسان بعقل يحسن به التفكير والحكم والنقد والرد، وجعل في طاقة هذا العقل أن يتعرف على الخالق، وأن يطمئن إلى وحدانيته، كما زود الإنسان بقلب يعرف به الخير والشر، ويرضى به العدل، ويسخط به الظلم، وبهذه الخصائص الإنسانية يكلف الإنسان – ولو لم يأته نبي – أن يبتعد عن الإلحاد والشرك، وأن ينفر من الظلم والفساد.

وربما لم يُطالب بجملة العبادات التي يبينها المرسلون، لكنه مكلف بأركان الحقيقة العظمى في حياة البشر، وهى اليقين في إله واحد وفِعلِ الخير جهد الاستطاعة، قال تعالى: {وَإِذْ ‌أَخَذَ ‌رَبُّكَ ‌مِنْ ‌بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}.

وهذا الميثاق لا يعني إلا الفطرة التي ركزها الله في الأنفس، ورد أعذار الغافلين عن ندائها، المقلدين لآبائهم في الضلال برغم إقامتها وإمكان استجابتها .
ولمَّا كان الناس متفاوتين في يقظتهم النفسية والفكرية، ومدى استعدادهم الذي جبلوا عليه، فإن حسابهم على ما قدموا موكول إلى بارئهم وحده، وهو جل شأنه الذي يقدر تفريطهم بحسب ما آتاهم، {لَا ‌يُكَلِّفُ ‌اللَّهُ ‌نَفْسًا ‌إِلَّا ‌مَا ‌آتَاهَا}.

وهناك أقوام على مواريث من ديانتي موسى وعيسى كبعض الموحدين من اليهود والنصارى الذين قام لديهم من الثقة ما جعلهم يعتقدون أنهم محقون، وأنهم يؤدون ما يرضي رب العالمين! وقامت كذلك على بصائرهم حُجُب جَهَّلَتْهُمْ بالقرآن، وحرمتهم من نوره.

وحكمهم: إذا آمنوا بالله على نحو صحيح وعملوا الصالحات في حدود ما يعرفون أنهم لا يعذبون، ما لم يشب إيمانهم تثليث أو تجسيم أو حلول أو اتحاد. وذلك كنفر من مفكري الشرق والغرب، يؤمنون بإله واحد منزه، ويتقربون إليه بسلامة الضمير وإحسان العمل، بيد أنهم لا يعرفون محمدا ﷺ، لأن أحدا لم يعرفهم به، ولم يشرح لهم أصول دينه، وهم يرون المرسلين جميعا – وبينهم عيسى بن مريم – رجالا طيبين يستحقون الإجلال والشكر لما قدموا من خير للناس.

وما تقول في فيلسوف أوروبي يُشرح له طرف من الإسلام، فيقول: إذا كان هذا هو الإسلام فنحن جميعا مسلمون. إن الكفر الحقيقي أن يعرض الحق على رجل فيستبينه ويتمكن من اعتناقه ومع ذلك يعرض عنه لمأرب أخرى.
ومع تيقننا من أن الإسلام الصحيح ليس له باب إلا هذا الرسول الكريم محمد بن عبد اللهﷺ، فنحن ننظر إلى المحرومين من اتباعه في نطاق الإنصاف الذي تعلمناه من رسالته ﷺ.

ومن الخير أن نذكر هنا شرحا وافيا للموضوع كله للإمامين الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا في أثناء تفسير الآية (62) من سورة البقرة: {‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَالَّذِينَ ‌هَادُوا ‌وَالنَّصَارَى ‌وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

قال صاحب المنار: [أحاط القضاء في الآية السابقة باليهود، فلم يدع منهم حاضرا ولا غائبا، فألزم الذل باطنهم، وكسا بالمسكنة ظاهرهم وبوأهم منازل غضبه، وجعل أرواحهم مساقط نقمة، فذلك الله الذي يقول: {وَضُرِبَتْ ‌عَلَيْهِمُ ‌الذِّلَّةُ ‌وَالْمَسْكَنَةُ ‌وَبَاءُوا ‌بِغَضَبٍ ‌مِنَ ‌اللَّهِ}.سجلت الآية عليهم هذا العذاب الشديد بما كسبت أيديهم واستشعرت قلوبهم من كُفر بآيات الله، وانصراف عن العبرة، واستعصاء على الموعظة، وخروج عن حدود الشريعة، واعتداء على أحكامها. اقترف ذلك سلفهم، وتبعهم عليه خلفهم، فحقت عليهم كلمة ربك.

فلو قرَّ الخطاب عندها، ولم يتلها من رحمته ما بعدها، لحق على كل يهودي على وجه الأرض أن ييأس، وأن لا يبقى عنده للأمل في عفو الله متنفس، بل لكان ذلك القنوط لازما لكل عاص، قابضا على نفس كل معتد، لا فرق بين اليهود وغيرهم.فإن سبب ما نزل باليهود إنما هو عصيانهم واعتداؤهم على حدود ما شرع الله لهم. وسنن الله في خلقه لا تتغير، وأحكامه العادلة فيهم لا تتبدل، لهذا جاء قوله تعالى: {‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا}. إلخ بمنزلة الاستثناء من حكم الآية السابقة.

وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنا لجميع من تمسك بهدى نبي سابق وانتسب إلى شريعة سماوية ماضية، ليدل على أن الجزاء السابق وإن حُكِي على أنه من خطأ اليهود خاصة، لم يصبهم إلا لجريمة قد تشمل الشعوب عامة وهى الفسوق عن أوامر الله وانتهاك حرماته.فكل من أجرم كما أجرموا سقط عليه من غضب الله ما سقط عليهم. وعلى أن الله جل شأنه لم يأخذهم بما أخذهم لأمر يختص بهم على أنهم من شعب إسرائيل أو من ملة يهود، بل: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}.

وأما أنساب الشعوب، وما تدين به من دين، وما تتخذه من ملة، فكل ذلك لا أثر له في رضاء الله ولا غضبه، ولا يتعلق به رفعة شأن قوم ولا ضعتهم، بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيري الدنيا والآخرة إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى بأن يكون التصديق به سطوعا على النفس من مشرق البرهان، أو جيشانا في القلب من عين الوجدان، فيكون الاعتقاد بوجوده وصفاته خاليا من شوب التشبيه والتمثيل، ويكون اليقين في نسبة الأفعال إليه خالصا من وساوس الوهم والتخييل، ويكون المؤمن قد ارتقى بإيمانه مرتقي يشعر فيه بالجلال الإلهي.

فإذا رفع بصره إلى الجناب الأرفع أغضى هيبة وأطرق إلى أرض العبودية خشوعا، وإذا أطلق نظره فيما بين يديه مما سلطه الله عليه شعر في نفسه عزة بالله، ووجد فيها قوة تصرفه بالحق فيما يقع تحت قواه، لا يعدو حدًّا ضرب له، ولا يقف دون غاية قدر له أن يصل إليها، فيكون عبدا لله وحده، سيدا لكل شيء بعده.

كتب ما تقدَّم الأستاذ الإمام بقلمه إذ اقترحت أن يكتب تفسير الآية كما قرره في درسه، وإنني أتمه على المنهج الذي جريت عليه فأقول: هذا هو الإيمان المرضى عند الله تعالى الذي يكون أصلا لتهذيب أخلاق صاحبه، ومصدر الأعمال الحسنة في مسلكه. وللإيمان إطلاق آخر، وهو التصديق بالدين في الجملة (أي الإيمان بالله، وبأن ما جاء به فلان النبي مثلا هو صحيح غير مكذوب على الله تعالى).

ويدخل فيه أهل الفرق الضالة من كل دين من الأديان السماوية، فهو إطلاق صحيح لغة وعرفا كما تقدَّم في تفسير قوله تعالى: {‌وَمِنَ ‌النَّاسِ ‌مَنْ ‌يَقُولُ ‌آمَنَّا ‌بِاللَّهِ ‌وَبِالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ ‌وَمَا ‌هُمْ ‌بِمُؤْمِنِينَ}.
أي: إنهم يصدقون بأن للعالم إلها، وبأن بعد الموت بعثا، ولكن هذا الإيمان ليس مطابقا في تفصيله للحق المقبول، ولا للإذعان الذي له السلطان الأعلى على النفوس في تزكيتها وتهذيبها وحملها على الأعمال الصالحة.

وهذا الإطلاق هو الذي عناه الأستاذ الإمام بقوله: (لا أثر له في رضا الله ولا غضبه) إلخ. وهو كون الدين جنسية لمن ينتسب إليه، فقوله تعالى: {‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا}. مراد به المسلمون الذين اتبعوا محمدا ﷺ، والذين سيتبعونه إلى يوم القيامة، وكانوا يسمون (المؤمنين) و(الذين آمنوا).

وقوله: {وَالَّذِينَ ‌هَادُوا ‌وَالنَّصَارَى ‌وَالصَّابِئِينَ}. يراد به هذه الفرق من الناس التي عُرفت بهذه الأسماء أو الألقاب من الذين اتبعوا الأنبياء السابقين، وأطلق على بعضهم لفظ (يهود)، و(الذين هادوا)، وعلى بعضهم لفظ (النصارى)، وعلى بعضهم لفظ (الصابئين).
{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَّوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا}، وهذا بدل مما قبله، أي مَن آمن منهم بالله إيمانا صحيحا، وتقدم شرحه ووصفه آنفا، وآمن باليوم الآخر كذلك، وقد تقدم تفسيرهما في أوائل السورة، وَعمِلَ عَملاً صَالحاً تصلح به نفسه وشؤونه مع مَن يعيش معه، وما العمل الصالح بمجهول في عرف هؤلاء الأقوام، وقد بينته كتبهم أتم بيان.

{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. أي أن حكم الله العادل فيهم سواء، وهو يعاملهم بسنة واحدة لا يحابى فيها فريقا ولا يظلم فريقا، وحكم هذه السنة أن لهم أجرهم المعلوم بوعد الله لهم على لسان رسولهم، ولا خوف عليهم من عذاب الله يوم يخاف الكفار والفجار مما يستقبلهم، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم، وتقدم هذا التعبير في الآية (38) مع تفسيره.

فالآية بيان لسنة الله تعالى في معاملة الأمم تقدمت أو تأخرت، فهو على حد قوله تعالى: {لَيْسَ ‌بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}. فظهر بذلك أنه لا إشكال في حمل {‌مَنْ ‌آمَنَ ‌بِاللَّهِ ‌وَالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ} إلخ على قوله: {‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا} إلخ .

ولا إشكال في عدم اشتراط الإيمان بالنبي ﷺ، لأن الكلام في معاملة الله تعالى لكل الفرق أو الأم المؤمنة بنبي ووحي بخصوصها، الظانة أن فوزها في الآخرة كائن لا محالة لأنها مسلمة أو يهودية أو نصرانية أو صابئة مثلا، فالله يقول: إن الفوز لا يكون بالجنسيات الدينية، و إنما يكون بإيمان صحيح له سلطان على النفس، وعمل يصلح به حال الناس.

ولذلك نفى كون الأمر عند الله بحسب أماني المسلمين أو أماني أهل الكتاب، وأثبت كونه بالعمل الصالح مع الإيمان الصحيح. أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن السُّدّي قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودًا.

وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبيناﷺ بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم، وقد أُمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ ‌بِأَمَانِيِّكُمْ}، الآية.

وروى نحوه عن مسروق وقتادة. وأخرج البخاري في التاريخ من حديث أنس مرفوعا: «لَيْسَ الإيمانُ بالتَّمَنِّي، وَلكنْ مَا وَقَرَ في الْقَلْب وَصدَّقَهُ الْعَمَلُ، إن قَوْماً أَلْهَتْهُمْ أمَانيُّ المْغْفرَة حَتَّى خَرَجُوا منَ الدُّنْيَا وَلاَ حَسَنَةَ لَهُمْ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُحْسِنُ الظّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَبُوا، لَوْ أَحْسَنُوا الظَّنَّ لأحْسَنُوا الْعَمَلَ».

والحكمة في عناية الله تعالى بالنعي على المغترين بالانتساب إلى الدين أيَّا كان ظاهرة؛ فإن هذا الغرور هو الذي صرفهم عن العمل به اكتفاء بالانتساب إليه وجعله جنسية فقط، وترك العمل لازم أو ملزوم، لعدم الفقه في الدين، أي عدم فهم حكمه وأسراره، وتبع هذا في الأمم السابقة ترك النظر فيما جاء به النبي ﷺ؛ لأن المغرور بما هو فيه لا ينظر فيما سواه نظرا صحيحا لا سيما إذا كان مخالفا له.

وذكر الأستاذ الإمام في تفسير هذه الآية مسألة أهل الفترة، والخلاف المشهور فيها: وهو أن جمهور أهل السنة يقول: إنهم ناجون؛ لأنه لا تكليف إلا بشرع، وهؤلاء لم تبلغهم دعوة. ومَنْ قال: إن بالعقل يدرك الواجب والمحرم والاعتقاد الصحيح والباطل. عَدَّهم غير ناجين. وهذا رأى المعتزلة وجماعة من الحنفية. وجمهور الأشاعرة على أنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالشرع.
ثم إن محل النظر في أهل الفترة من كان منهم كالعرب الذين ما كانوا يعتقدون نبوة أنبياء ولا يجدون لديهم شيئا من أحكام دينهم خالصا من الشوائب سالما من النزعات الفاسدة. شهود لوجو

وأما مثل اليهود فلا يصح أن يُسَمَّوا أهل فترة، فإنهم على نسيانهم حظا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا، قد بقى جوهر دينهم معروفا لم يُغَش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها. والله تعالى يقول: {وَعِنْدَهُمُ ‌التَّوْرَاةُ ‌فِيهَا ‌حُكْمُ ‌اللَّهِ}.
وكذلك المسيحيون لا يُسَمَّون أهل فترة، لأن عندهم في التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح، وروح الدعوة موجودة عندهم. ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا، ولا يأخذون بتلك الأحكام، ولا عذر لهم يحول دون العقوبة.

وأما الصابئون فإن كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما في كثير من التقاليد كالمعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد، فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم وإن كان الخلط عندهم أكثر، والبعد عن الأصل أشد، حتى إنهم اعتقدوا تأثير الكواكب، وأحاطت بهم البدع من كل جانب.
على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى؛ فإن عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة تؤثر عن المسيح عليه السلام، والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوا وطمعا وإسرافا في حظوظ الدنيا.

ويقال: إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين، ولكن قد اختلط عليهم الأمر، كما اختلط على الحنفاء من العرب، إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب.
فإن كانوا أقرب إليهم فلهم حكمهم، وإلا فهم كاليهود والنصارى يسألون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب حتى يأتيهم هدى آخر كأن تبلغهم دعوة الإسلام، فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون.

ذلك، وقد علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر، أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شيء صحيح من شرائعهم، فهم يؤمنون بهم إيمانا إجماليا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم وإسماعيل، ولا يعرفون من دينهما شيئا خالصا كما تقدم آنفا.
وحجة الأشاعرة على عدم مؤاخذتهم آيات كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ‌حَتَّى ‌نَبْعَثَ ‌رَسُولًا}. وقوله: {لِئَلَّا ‌يَكُونَ ‌لِلنَّاسِ ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌حُجَّةٌ ‌بَعْدَ ‌الرُّسُلِ}.

وذهب كثير منهم إلى الاكتفاء ببلوغ دعوة أي نبي في رُكْنَي الدين الركينيْن، وهما الإيمان بالله وباليوم الآخر. فمن بلغته وجب عليه الإيمان بهذين الأصلين، وان لم يكن النبي مرسلا إليهم. وذهب جمهور الحنفية وكذلك المعتزلة إلى أن أصول الاعتقاد تدرك بالعقل، فلا تتوقف المؤاخذة عليها على بلوغ دعوة رسول، وإنما يجيء الرسل مؤكدين لما يفهم العقل، موضحين له ومبينين أمورا لا يستقل بإدراكها، كأحوال الآخرة، وكيفيات العبادة التي ترضي الله تعالى.

وأوَّلوا آية: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ‌حَتَّى ‌نَبْعَثَ ‌رَسُولًا}. قالوا: إن المراد بالتعذيب هو الاستئصال في الدنيا بإفناء الأمة واستذلالها، والذهاب باستقلالها، وينافيه ما يدل عليه استعمال {وَمَا كُنَّا} من إرادة نفى الشأن الدال على عموم السلب، ولهم في كتبهم أدلة ومناقشات ليس هذا من مواضعها.

وعن الإمام الغزالي: أن الناس في شأن بعثة النبي ﷺ أصناف ثلاثة: مَن لم يعلم بها بالمرة – أي كأهل أمريكا لذلك العهد – وهؤلاء ناجون حتما. (أي إن لم تكن بلغتهم دعوة أخرى صحيحة). ومَن بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في أدلتها إهمالا أو عنادا أو استكبارا، وهؤلاء مؤاخذون حتما، ومَن بلغته على غير وجهها أو مع فقد شرطها، وهو أن تكون على وجه يحرك داعية النظر؛ وهؤلاء في معنى الصنف الأول. هذا معنى عبارته المطابقة لأصول الكلام.

(وأقول) عبارته في كتاب (فيصل التفرقة) في هذا الصنف هي:

وصنف ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم محمد ﷺ، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا منذ الصبا أن كذابا مدلسا اسمه محمد ادعى النبوة كما سمع صبياننا أن كذابا يقال له المقفع (لعنه الله) تحدى بالنبوة كاذبا. فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول؛ فإن أولئك مع أنهم لم يسمعوا اسمه لم يسمعوا ضد أوصافه. وهؤلاء سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب.

وأقول في حل معنى الآية على هذا: إن أهل الأديان الإلهية – وهم الذين بلغتهم دعوة نبي على وجهها وبشرطها – إذا آمنوا بالله واليوم الآخر على الوجه الذي بَيَّنه نبيهم وعملوا الأعمال الصالحة فهم ناجون مأجورون عند الله تعالى.
وإذا آمنوا على غير الوجه الصحيح كالمشبّهة والحلولية والاتحادية وغيرهم فلا ينالهم من هذا الوعد شيء، بل يتناولهم الوعيد المذكور في الآيات الأخرى.
وكذلك حال الذين يؤمنون بأقوالهم دون أعمالهم؛ فإن الإيمان الصحيح هو صاحب السلطان الأعلى على القلب والإرادة التي تحرك الأعضاء في الأعمال، فإن نازعه في سلطانه طائف من الشهوة فإنه لا يلبث أن يقهره : {إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌اتَّقَوْا ‌إِذَا ‌مَسَّهُمْ ‌طَائِفٌ ‌مِنَ ‌الشَّيْطَانِ ‌تَذَكَّرُوا ‌فَإِذَا ‌هُمْ ‌مُبْصِرُونَ}.

ثم أزيد الآن على ما تقدم:أن كل هذه الأقوال والتفصيلات إنما هي في المؤاخذة على اتباع دعوة الرسل وعدمها. ولا يعقل أن يكون من لم تبلغهم الدعوة بشرطها أو مطلقا ناجين على سواء، وأن يكونوا كلهم في الجنة كأتباع الرسل في الإيمان الصحيح والعمل الصالح.

إذْ لو صح هذا لكان بعث الرسل شرا من عدمه بالنسبة إلى أكثر الناس. والمعقول الموافق للنصوص أن الله تعالى يحاسب هؤلاء الذين لم تبلغهم دعوة ما بحسب ما عقلوا واعتقدوا من الحق والخير ومقابلهما].

انتهى.

ويظهر أن بعض القارئين فهم من كلام الإمامين الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا أنهما يصححان إيمان أهل الكتاب ويحكمان لهما بالنجاة على الإطلاق. وهذا غلط بعيد، ما كان ينبغي أن يسبق إلى ذهنٍ رشيد!
فالكلام الذي نقلناه يعطى بعض اعتبار لأناس لم تبلغهم الدعوة على وجه صحيح، أما الذين وصلتهم رسالة محمد ﷺ، وتمكنوا من إدراكها على نحو مستقيم ثم انصرفوا عنها دون تصديق لها وإذعان، فهيهات أن يسلكوا في عداد المهتدين الناجين.

ولكي يُحكَمَ على اليهودي أو النصراني بأنه مؤمن حقا يجب أن ينضم إلى إيمانه بكتابه إيمان بالذي أُنزل على محمد ﷺ، وذلك كما قال الله : {‌وَإِنَّ ‌مِنْ ‌أَهْلِ ‌الْكِتَابِ ‌لَمَنْ ‌يُؤْمِنُ ‌بِاللَّهِ ‌وَمَا ‌أُنْزِلَ ‌إِلَيْكُمْ ‌وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
فإذا اختلفت بين هذه الكتب عقائد ومبادئ كان حكم القرآن أرجح، وهداه أولى بالاتباع. ولا يصح مع تكذيب محمد ﷺ إيمان بالله ولا عمل صالح؛ فإن معرفة الله كما صورها موسى وعيسى عليهما السلام، وكما يليق بجلال الله، وكما تتنزه عن الأوهام والأخطاء – لا طريق لها إلا القرآن الكريم.

أي إن التجسيم والشرك والاتحاد وغير ذلك تتنافى مع صحة اليقين، ولا يصح مع وجودها إيمان. ثم إن المؤمن الخالص العارف بربه معرفة صحيحة لا يتصور فيه أن يكفر بمحمد ﷺ؛ إذ كيف يكفر به، وإيمانه مساو لما عند هذا الرسول الكريم؟ ومصدق لما جاء به؟! ثم هل يعد تكذيب المصلحين عملا صالحا؟!
إن من المستحيل الحكم بالخير لرجل من أهل الكتاب يكذب محمدا ﷺ بعد ما علم أن الرسول حق وجاءته البينات.
وإنما نحن نلتمس العذر – كما أوضحنا – لمن حُرموا نعمة التبليغ.

ذلك والقرآن إذ أثنى على أهل الكتاب فهو لا يسوق هذا الثناء عاما، بل يخص منهم أولئك الذين صدقوا رسوله الخاتم، وقبلوا ما جاء به.
واسمع مديحه للنصارى وتنويهه بما في أفئدتهم من رحمة: {لَتَجِدَنَّ ‌أَشَدَّ ‌النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}.
فمن هؤلاء النصارى؟ وما موقفهم من الرسول وقرآنه؟ {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}.

هؤلاء هم الذين يُسلكون في عداد المؤمنين. أما المكذبون لمحمد، المناوئون لرسالته، الخاصمون لأمته، فهيهات هيهات.
والقارئ يستبين مما تمهد أن الناس ثلاثة نفر: مؤمن، وكافر، وجاهل.
فالمؤمن: هو الذي آمن بالله وحده، وصدق بجميع أنبيائه، وأسلم وجهه لله وهو محسن، مستهديا في طريقه إلى ربه بأنوار الوحي الذي تنزل من عند الله على رسول العالمين، الجامع لما تفرق من حكمة بين الأنبياء السابقين، وهو محمد بن عبد الله ﷺ! ونحن نجزم بأن هذا المؤمن ناج لأن الله أخبرنا بذلك فقال: {إِنَّ ‌اللَّهَ ‌يُدْخِلُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}.

والكافر: هو الذي عرضت عليه هذه الحقيقة عرضا لا يشوبه لبس، ولا يخالطه تحريف ولا تشويه ، فعقلها كما جاءت من عند الله ، ومع ذلك آثر جحدها، واختار إنكارها، ورفض الإذعان لها، مع استطاعته أن يهدى قلبه، ويرضى ربه. فذلك كافر نجزم بأنه هالك بائر.
{ذَلِكَ ‌بِأَنَّهُمُ ‌اتَّبَعُوا ‌مَا ‌أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
{أَلَمْ ‌يَأْتِكُمْ ‌رُسُلٌ ‌مِنْكُمْ ‌يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}.

{أَلَمْ ‌نَكُنْ ‌مَعَكُمْ ‌قَالُوا ‌بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.
وتاريخ الأمم التي دمر الله عليها – كما يحكيه لنا القرآن الكريم – هو تاريخ أقوام بلغتهم الدعوة جلية نقية، فكذبوا المرسلين، على طول ما وعظتهم وكثرة ما نصحتهم. فلما لم يبق لهم عذر، ولم تتصل لهم حجة نزل بهم العقاب.
{إِنَّا ‌قَدْ ‌أُوحِيَ ‌إِلَيْنَا ‌أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}.

{تِلْكَ ‌الْقُرَى ‌نَقُصُّ ‌عَلَيْكَ ‌مِنْ ‌أَنْبَائِهَا ‌وَلَقَدْ ‌جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}.
{أَفَتَطْمَعُونَ ‌أَنْ ‌يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
{‌وَمَنْ ‌أَظْلَمُ ‌مِمَّنِ ‌افْتَرَى ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}.

أما الجاهل: فهو رجل لم تبلغ دعوة الحق مسامعه ليستجيب لها أو يرتد عنها، فهو يعيش حسب ما قيض له من أفكار، أو ما ارتبط به من وارثات. ونحن إذا تأملنا في هذا الصنف من الناس نجدهم أقساما شتى، بين رعاع وخاصة، بين أذكياء وهمل، وبين كتابين ووثنيين، إلخ.
وإصدار حكم جامع أو إيضاح مصير مشترك يضم أولئك جميعا أمر عسير؛ ففيهم من يُسِّرت له بقايا وحى صالح، فهو يعمل بها مخلصا، ولو عرف غيرها لسارع إليه، وفيهم من نضج فيه كمال الفطرة فهو يحترم العقل، ويرعى الحقوق، ويتجنب الدنايا، وفيهم الغفل الذي يعطى قياده من امتلكه ويسير خلف غيره لأنه لا يحسن إلا التقليد! وفيهم الذي يسخر بجزء من الدين ويستعد للسخرية من سائر أجزائه إذا عُرضت عليه، وفيهم من ينكر عالم الغيب جملة وتفصيلا، ويقر بعالم الشهادة وحده، وفيهم من يملك قدرة البحث والتنقيب ولكنه يعطلها تكاسلا.. إلخ.

ومن ثم قلنا: إن هؤلاء الذين لم توقظهم من غفواتهم النفسية والعقلية دعوة الإسلام لا يعدون كفارا بها. كيف وهم لم يُوَصَّلْ لهم القول، كي يدخلوا في نطاق الآية: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
وأغلب الظن أن وزر هؤلاء يقع على الأمة الإسلامية، الأمة التي فرطت في رسالتها وتنكرت لمواريثها، وحرمت العالم من النور الذي شرفها الله به.

انظر إلى قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}. هذه الآية تبين حكم الله فيمن يجهل دينه.
فإنه لمَّا احتدم النزاع بين الإسلام الواضح الوفي المسالم وبين ناكثي العهود وبغاة السوء من خصومه المتربصين به، وشاء الله عز وجل أن ينزل هؤلاء على قواعد الأدب الصارم، وأن يلغى المعاهدات التي طالما عبثوا بها – لم يجعل العقاب يتناول الجميع؛ ففيهم ناس خالو الذهن من العوام، أو من المخدوعين المغرر بهم، أو الجهال بحقيقة الدعوة وإن بلغهم شيء عنها.

الواحد من هؤلاء يحب أن يسمع كلام الله كما نزل من عنده، دون تحريف ولا تزيد ولا نقص. فإذا وعاه لم نكلفه فورا بالإيمان، بل يجب أن نوصله إلى المكان الذي يملك فيه جأشه، ويطمئن فيه على نفسه وحرماته، ويبنى حكمه على ما يعرض عليه وهو في حرية وعافية؛ ذلك أن هذا وأمثاله معذورون في بُعدهم عن الإسلام: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}.

فإن آمن بعد هذه الفرص المتاحة فهو منا، وإن كفر واعتزل تركناه، وإن كفر واعتدى قاتلناه؛ إننا لا نشترى خصومة من يجهلنا، ولا نعتبر علينا من ينأى بكفره عنا.
* * *
وقد يفيد في بيان ما قلناه عن الذين لم تبلغهم الدعوة أن نثبت هنا كلاما حسنا للدكتور عبد الحليم محمود من رسالته (أوروبا والإسلام)، قال:
[.. ما الذي يمنع الغربيين من الدخول في الإسلام زُرافات ووحدانا؟ إن الإسلام واضح جليّ، وإن تعاليمه سهلة ميسورة تنسجم مع العقل والمنطق؛ فما السر في عدم أخذ الأوروبيين بهذا الدين وعدم اعتناقهم له في سرعة بالغة وفي كثرة هائلة؟! الواقع أن العوامل التي تمنع الأوروبيين من اعتناق الإسلام كثيرة قوية.

ومن المؤسف أن بعض هذه العوامل يرجع إلى المسلمين أنفسهم! لنتحدث أولا عن العوامل الخارجية:
1 – أول هذه العوامل الكنيسة:
لقد أتقنت الكنيسة فن التنظيم، فلا ارتجال فيها لخطة، ولا اضطراب لسياسة، كل شيء فيها مُعَدٌّ مرتب مدروس، بُحِثَ عن رَوِيَّة وأُعِدَّ إعدادا تاما.. وكان مما أعدته مشروعان كبيران: أحدهما: للتبشير بين أتباع الأديان الأخرى. والثاني: لصد الهجوم عن الديانة المسيحية نفسها من مختلف النقاد، حتى يقنع بها أتباعها.

أما فيما يتعلق بالتبشير، فإن من الضرورات الأولى لديهم أن يعرف المبعوث لغة المرسل إليهم، وأن يدرس عاداتهم وتقاليدهم وديانتهم ومواطن الضعف فيهم والوسائل التي تجذبهم، وأن يعلم – فضلا عن ذلك – بعض مبادئ الطب والخدمات العامة، ويعلم قبل ذلك وبعده طريقة الهجوم على الديانة المتوطنة، وأسلوب الدعوة للديانة المسيحية.

وأما صد الهجوم على المسيحية فيقوم على شيء خطير يعنينا – نحن المسلمين – أن نعرفه وهو الدراسة المستمرة المتجددة لأحدث الوسائل في تشويه الديانات الأخرى، وقد برعوا في نشر الأضاليل عن كل دين حتى تتكون لدى الجمهور المسيحي فكرة أنه لا حقيقة لإيمان ما وراء ما تقدمه الكنيسة لروادها!

وما نشر من أضاليلهم عن الإسلام لا يحصر ولا يعد، إنها أضاليل تنشر متتابعة متكررة، وتتردد في صور مختلفة، وينتهي بها التكرار والترديد إلى ظنها حقيقة لا شك فيها. وتبلغ بهم الصفاقة أن يعكسوا الحقائق عكسا تاما، فالدين الإسلامي مثلا – وهو دين التوحيد الخالص، ودين التنزيه التام – يشيعون عنه أنه دين عبادة الأوثان!!
ويكررون ذلك في مختلف الأمكنة والأزمنة ، وينتهي المسيحيون أنفسهم إلى الاعتقاد بأن هذا الدين إنما هو عبادة الأوثان. وهكذا تسير الدعاية تضليلا وتشويها وعكسا للحقائق.

ومن أهم الوسائل أيضا لتحصين المسيحية ما يسمونه نظام الحرمان، وهو نظام بمقتضاه يسهل على الكنيسة أن تحرم قراءة أي كتاب ترى فيه خطرا على المسيحية، سواء كان هذا الكتاب هجوما عنيفا على المسيحية أم دعاية بارعة للإسلام أم نمطا ممتازا من الإهابة بسعة الأفق وتحرير الفكر.

وقد استعملت الكنيسة هذا الحق في شأن كثير من الكتب الجديدة، واستعملت هذا الحق أيضا ضد كثير من الكاتبين، وكان موقفها من كل كاتب لا يمكنها أن تستولي عليه بوسائل الرغبة والرهبة، أن تحرم قراءة كتبه، وأن تحرمه هو من رحمة السماء.

2 – أما الأسباب التي ترجع إلى المسلمين فهي لا تقل خطرا عن الأولى:
إن أية دعوة مهما بلغت من السمو لا يمكن أن تجتذب إليها الأنظار ما لم يكن لها جهاز دعاية، الأحزاب لا تقوم بغير الدعاية، بل البضائع لا تروج بغير دعاية، وقد أخذت الدعاية في العصر الحديث مكانا يجعلها في الدرجة الأولى من الخطر حتى أصبحت علما يُدرس، وهيئات تدعم، ويعرف ذلك المسلمون جيدا، يعرفه تجارهم، ورجال الأحزاب منهم، ويعرفه كل مثقف، ولكنهم لا يعملون به فيما يتعلق بنشر الإسلام!

أين دعاتنا في الشرق أو في الغرب؟ أين مبعوثونا؟ أين المبشرون منا..؟ لا شيء من ذلك مطلقا. ومن المعروف أن مبعوثي الحكومة، ومبعوثي الأزهر إلى الأقطار الخارجية، إنما بعثوا لتعليم الحساب والخط والإملاء واللغة العربية في مدارس إسلامية ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية!
ليس لنا في الخارج قط مبعوثون لتعليم الإسلام! وإذا كان الدين الإسلامي ينتشر فإنما ينتشر بقوته الذاتية، رغم الهجوم عليه، ورغم العقبات التي تعترض طريقه. ولنقارن ذلك كله بالبعثات التبشيرية، ومن أمامها ومن خلفها المستشفيات والملاجئ والمدارس والمعاهد، والمال يُغدَق، والوظائف تُهيأ.

ولنتصور كفتى ميزان: إحداهما لا شيء فيها، وتلك هي كفة المسلمين بالنسبة للإسلام. والأخرى فيها كل شيء، وتلك هي كفة المسيحيين بالنسبة للمسيحية..
وسبب آخر تحدث عنه “جمال الدين الأفغاني”، وكان يرى أنه أقوى الأسباب، ذلك هو حالة المسلمين، وكثيرا ما قال “جمال الدين” إن الغربيين يستمدون فكرتهم عن الإسلام من مجرد رؤيتهم للمسلمين، فإنهم يرون المسلمين متخاذلين ضعفاء أذلاء مستكينين، فرقت بينهم الأهواء والشهوات، وقعدت بهم الصغائر، وانصرفوا عن عظائم الأمور، وأصبحوا مستعبدين مستذلين.
ولو كان الإسلام دينا قويا لما كان المسلمون هكذا، ينظر الغربيون إلى المسلمين في العصر الحاضر، وينسون شيئين: ينسون أن المسلمين في العصر الحاضر غير مستمسكين بالإسلام، وتكاد الصلة بينهم وبينه تكون اسمية. وينسون عظمة المسلمين وقوتهم أيام كانوا مستمسكين بالإسلام، وأيام أن كانت الدنيا لهم..

ولعل المسلمين يعودون إلى دينهم كما نزل صافيا نقيا، ويستمسكون به فيكونون مرآة حقيقية يتمثل فيها الإسلام الحنيف، وآداب الإسلام كفيلة بأن تجعل من المسلم رجلا قويا مهذبا كريم النفس، ولكن المسلمين ابتعدوا كل البعد عن الإسلام، فكانوا شر دعاية له].

انتهى.
———
(*) من كتابه: مع الله.. دراسات في الدعوة والدعاة، الفصل الأول.

اترك تعليق