وجوب الإنفاق على أهل غزة .. هل في المال حقٌّ سوى الزكاة؟ – دراسة

بقلم أ.د. عطية عدلان(*)

هل يجب على الأغنياء في أموالهم شيء آخر إذا كانوا قد أدوا الزكاة؟ أم إنّه ليس على الأغنياء بعد أدائهم للزكاة إلا ما كان ساكنًا في دائرة الاستحباب والندب؟ وهل إكرام الضيف وإعارة المتاع وإطعام الجائع وكساء العاري وفك العاني وغير ذلك يعد من الواجبات كالزكاة؟ أم ليس على الغنيّ في ماله شيء سوى الزكاة إلا أن يطَّوع؟ هذه الأسئلة وغيرها تفرعت عن سؤال كبير: هل في المال حقٌ سوى الزكاة؟

    هذه القضايا تُثار في أزمنة تكثر فيها الحروب، ويشيع فيها الفقر، وينزل بالناس ظلم كبير بسبب هذه الحروب وما تجلبه من دمار وخراب للديار، والإسلام العظيم قد اشتمل على كل ما فيه حل لمشكلات البشرية إلى يوم الدين، ولا يُتَصور قط أن توجد نازلة مهما كان نوعها وتصنيفها إلا وللإسلام فيها حكم علمه من علمه وجهله من جهله، فما هو حكم الإسلام في تلك الحالات التي يتوقع نزولها بالمسلمين في ظل حالات عدوان غاشم مثل العدوان الصهيونيّ على غزة؟ ولعل من ضرورات المنهجية الصحيحة أن نبدأ بعلاج القضية الأم التي تتفرع منها كل القضايا التابعة لها.

هل في المال حق سوى الزكاة؟

سؤال أَلْقَى في الوسط الفقهي والفكريّ حجرًا ثقيلا؛ حرك المياه الراكدة وأثار فيها كثيرا مما رسب في القاع من تساؤلات لها اعتبار كبير، وكأنّ ما أرساه القرآن في الضمير المسلم من معاني الإخاء والبر والإحسان قد جعل المسلمين يواجهون مصاعب الحياة ومتاعب العيش بضمائر حية يقظة وثقافة تضامنية تكافلية وافية؛ ما كان له بالغُ الأثر في إثارة أسئلة عديدة كان أهمها هذا السؤال: أفي المال حق سوى الزكاة؟ وقد أفاض الفقهاء في البيان، فكان بيانهم وما سبقه من تفجير للسؤال أعظم شاهد على الرقيّ الفكري والنضج الفقهيّ والرشد التشريعي، وأوضح برهان على عناية الشريعة بحل المشكلات التي يمكن أن يتعرض لها مسلمون في أيّ صقع من الأصقاع.

    بداية أبادر بإقصاء الروايتين المتعارضتين الواردتين عن فاطمة بنت قيس؛ لضعفهما واضطرابهما، إحدى الروايتين تجيب عن السؤال بالإثبات والأخرى بالنفي، الرواية الأولى: عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته – تعني النبي صلى الله عليه وسلم – يقول: «ليس في المال حق سوى الزكاة»([1])، والرواية الثانية: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»([2])، فأمّا الحديث الأول فقد “رواه ابن ماجه والطبراني … وفيه أبو حمزة ميمون الأعور راويه عن الشعبي عنها وهو ضعيف”([3])، وأمّا الحديث الثاني الذي رواه الترمذي فقال فيه الدار قطني: “يرويه أبو حمزة ميمون، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس … وَكِلَاهُمَا ضعيفان”([4])، هذا إضافة للاضراب الظاهر، فلأجل النفي في الأول والإثبات في الثاني “حكم بعض المحدّثين باضطرابه”([5])، والقول بضعف الروايتين منتشر بين العلماء بصورة تمنع الاجتراء على تصويب إحداهما.

    وإزاحة الروايتين الضعيفتين المضطربتين يفيد كثيرا في تصور القضية تصورا صحيحا، فالظاهر للناس أنّها قضية خلاف، لكن فيما يبدو أنّ ظلال الروايتين أكسبها هذه الصفة التي أراها غير صحيحة ولا واقعية؛ لذلك وجدنا الحديث عنها متفرق في مواضع شتى من كتب الفقه وليس مركزًا في موضع واحد إلا فيما نَدُرَ، فَتُذْكر عند اختلاف العلماء في الإعارة أهي مندوبة دائما أم تجب أحيانا، وعند الضيافة والقِرَى للغريب، وعند مناقشة كثير من الحقوق التي هي من قبيل (الماعون) الذي تَوَعَّدَ الله مانِعَهُ بالويل، والخلاف الذي يُذْكَرُ هو بين الجمهور وبين بعض العلماء، فأمّا جمهور العلماء وفيهم الأئمة الأربعة وجماهير فقهاء الأمصار فهم على القول بأنّه ليس في المال حق سوى الزكاة إلا أن يكون تطوعا، بينما قال جماعة “منهم الشعبى والحسن وعطاء وطاووس ومسروق وغيرهم: إن فى المال حقوقاً سوى الزكاة؛ من فك العانى، وإطعام المضطر، والمواساة فى العسرة، وصلة القرابة”([6])، وبه قال ابن حزم وابن تيمية.

    وقد أسهب ابن حزم في الانتصار لهذا الرأي فكان مما قال: “وعن ابن عمر أنه قال: في مالِكَ حقٌ سوى الزكاة. وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر أنهم قالوا كلُّهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع أو فقر مدقع فقد وجب حقُك، وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة – رضي الله عنهم – أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء؟ فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة لا مخالف لهم منهم، وصح عن الشعبي، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة … فإن قيل: فقد رويتم من طريق ابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عباس قال: من أدى زكاة ماله فليس عليه جناح أن لا يتصدق، ومن طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] نسختها: العشر، ونصف العشر، فإن رواية مقسم ساقطة لضعفه؛ وليس فيها ولو صحت خلاف لقولنا؟ وأما رواية عكرمة فإنما هي أن لا يتصدق تطوعا؛ وهذا صحيح؟ وأما القيام بالمجهود ففرض ودِينٌ، وليس صدقة تطوع”([7]).

    والحقيقة أنّ الأمر أهون من ذلك بكثير، فجماهير العلماء أقوالهم في اتجاه التأسيس لأصل لا يخالف فيه ابن حزم ولا ابن تيمية ولا غيرهما ممن قالوا “إنّ في المال حقًا سوى الزكاة”، هذا الأصل هو أنّ حقّ الله المتعلق بالمال هو الزكاة وحسب، فمن أدّى زكاة ماله فليس للدولة حقٌّ في مطالبته بشيء إلا أن تكون ضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة، وتكون استثناء من الأصل، ذلك لئلا تتسلط الدولة على أموال الرعية تحت شعارات مختلفة وبذرائع شتى، وهذا الأصل يأتي في اتجاه تحرير المال وتقوية الملكية الخاصة لهذا المال، وهو اتجاه قوي وظاهر في الشريعة، ولا ينازع فيه أحد من الفقهاء.

أما الاتجاه الثاني الذي تبناه بقوة ابن حزم وابن تيمية وغيرهما فلا تعارض بينه وبين الاتجاه السابق، لأنّه يؤسس لأصل آخر وهو وجوب التكافل والتضامن بين المؤمنين؛ بما يُغَطِّي مساحات الاختلال التي تقع في بعض الأحيان ولا تغطيها الزكاة، إضافة إلى المساحات المجاورة للمساحات التي تغطيها الزكاة وتتعلق بحقوق الإعانة والكفالة وإغاثة الملهوف، فهذان اتجاهان قويان يحققان التوازن الذي يختل لأسباب مثل الحروب، الأول: تحرير المال وتعزيز الملكية الخاصة وكفّ يد الدولة عن إيجاد ذريعة للتدخل وفرض المكوس الظالمة، والثاني: تحقيق التضامن والتكافل بين المسلمين وتحقيق التراحم والتعاون على البر والتقوى، والفارق الدقيق بينهما هو أنّ الزكاة حق في المال بسبب أنّه مال، فمن هذه الجهة ليس فيه حق سوى الزكاة، أمّا الحقوق الأخرى فهي حقوق في المال لأسباب أخرى لا علاقة لها بكونه مالا.

    يقول ابن تيمية في كلمات كفلق الصبح: “وأما الزكاة فإنها تجب حقا لله في ماله، ولهذا يقال: ليس في المال حق سوى الزكاة، أي ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال؛ كما تجب النفقات للأقارب والزوجة والرقيق والبهائم، ويجب حمل العاقلة ويجب قضاء الديون ويجب الإعطاء في النائبة ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري فرضا على الكفاية؛ إلى غير ذلك من الواجبات المالية، لكن بسبب عارض”([8])، ويقول في موضع آخر بنَفَسٍ آخر قريب من ذاك النّفَس: “فالزكاة هي الواجب الراتب التي تجب بسبب المال؛ بمنزلة الصلاة المفروضة، وأما الثلاثة فوجوبها عارض، فَقِرَي الضيفِ واجبٌ عندنا، ونص عليه الشافعي، وصلة الأرحام واجبة بالإجماع كنفقة الأقارب وحمل العاقلة وعتق ذي الرحم المحرم … وكذلك الإعطاء في النائبة مثل الجهاد في سبيل الله وإشباع الجائع وكسوة العاري”([9]).

    ومن هنا نفهم ما ورد عن كثير من العلماء من تأييدهم ودعمهم لفكرة وجود حقوق على المسلم سوى الزكاة في سياق تقريرهم للأصل القائل: ليس في المال حق سوى الزكاة، فهذا الإمام أبوبكر ابن العربيّ المالكيّ يقول: “وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم”([10])، وهذا الإمام الجصاص أيضا بعد أن يقرر أنّ الحق الواجب في المال بسبب كونه مالا هو الزكاة وحسب: “إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو الجائع المضطر والعاري المضطر أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه”([11]).

    ويقول ابن حجر الهيثمي في شرحه للمنهاج: “ففي السير من المنهاج من فروض الكفاية دفع ضرر المسلمين، ككسوة عار وإطعام جائع – إذا لم يندفع بزكاة وبيت المال- وفي التحفة: وضرر أهل الذمة والأمان، ويُلحق بالإطعام والكسوةِ ما في معناهما كأجرة طبيب وثمن أدوية .. إلخ”([12])، ويقول البهوتيّ في شرحه لمتن الإقناع: “وإطعام الجائع ونحوه كسقي العطشان، وإكساء العاري، وفك الأسير واجب على الكفاية إجماعا مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة”([13])، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسيّ: “قوله تعالى: (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) هو الزكاة، إذ لا فرض في المال سواها، ووراء ذلك ربما وجبت حقوق مثل النفقات وضروب المواساة”([14])، فجميع هذه النقول تؤكد أنّ جماهير العلماء الذين قالوا بأنّ المال ليس فيه حق سوى الزكاة يؤكدون في ذات الوقت أنّ ثمّ حقوقًا في المال تجب لأسباب أخرى.

    من هنا يتبين لنا أنّ الخلاف الذي يصوره الاستقراء الظاهر لأقوال العلماء دون تحليل ونظر خلافٌ موهوم، وأنّ أقوالهم متآلفة، وأنّ الفقهاء كان لهم في النظر إلى هذه المسألة اتجاهان متآلفان متكاملان ليس بينهما تنافر ولا اختلاف، اتجاه تحرير المال وتأكيد الملكية الخاصة وغَلّ يد الدولة عن التغول على حقوق الملاك للمال، واتجاه في تقرير الحقوق التضامنية التكافلية التي تنشأ عن التراحم بين المؤمنين وعن مقتضيات الأخوة الإيمانية والإخاء الإنسانيّ.

    والأصل الأول – الذي أسسه الاتجاه الأول – عليه من الأدلة ما تقوم به الحجة ويبلغ به البيان منتتهاه، من ذلك الأحاديث الصحيحة المتوافرة الدالة – فيما دلت عليه – على أنّ من أدى ركن الزكاة فليس عليه غيرها إلا أن يطّوع، منها هذان الحديثان المتفق عليهما: الأول: عن طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»([15])، والثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»([16]).

    وهناك إلى جوار ذلك أحاديث أقل رتبة من تلك في صحتها ولكنها بمجموعها تفيد ما تفيده، أحاديث تفرقت في مواقعها واتفقت فيما تؤديه من المعنى، وهو أنّ الزكاة إذا أُدِّيَتْ فليس على من أداها عبء ولا وزر، من هذه الأحاديث ما رواه الدارقطنيّ والحاكم: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَسَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»([17])، قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وكذلك ما رواه البيهقي والحاكم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ أَذْهَبْتَ عَنْكَ شَرَّهُ»([18])، قال الحاكم هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وكذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ»([19]).

    والأصل الثاني – الذي أسسه الاتجاه الثاني – عليه من الأدلة ما يورث الطمأنينة والرضى، من ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث الوفيرة والنصوص المستفيضة الغزيرة التي تقرر في مجموعها حقوقا لا تقوم بها الزكاة ولو تضاعفت.

من ذلك هذه الآيات الكريمات: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177)، (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام: 141)، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19).

    وقد ذكر الله في آية البقرة إيتاء المال على حبه، وذكر كذلك إيتاء الزكاة، وفصل بين أنواع البر في الآية بواو العطف التي تقتضي المغايرة؛ فدل ذلك على أنّ هذه الحقوق شأن غير الزكاة، فهذا هو مكمن الاستدلال بالآية على التفريق بين الأمرين([20])، فإمّا أن يُقالَ بأنّهما واجبان مختلفان وفرضان متغايران لا يمنع أحدهما من الآخر، وهذا هو الراجح الصحيح، وإمّا أن يقال إنّ إيتاء الزكاة هنا مجمل بينته فريضة الزكاة التي نسخت كل ما عداها من حقوق تتعلق بالمال، وإمّا أن يقال إنّ الحقوق تشتمل على ما هو واجب كالزكاة وما هو مندوب كإيتاء المال ذوي القربى، فأمّا القول بالنسخ فدعوى مرفوضة؛ لأنّ النسخ رفعٌ لحكم من أحكام الله تعالى فلا يكون إلا بدليل، ولأنّه تخصيص لواجب من الواجبات التي فرضها الله ورسوله بزمن معين بلا بينة ولا برهان([21])؛ لذلك لا يصار إلى ادعاء النسخ إلا إذا امتنع الجمع، والجمع هنا ممكن، ولا دليل هنا على النسخ، وأمّا القول بأنّ إيتاءَ المالِ ذوي القربى وسائرَ مَن ذكر الله في الآية من المندوبات فهذا – من جهة – معارضٌ لسياق الآية الذي اندفع بكليته كالسيل الدافق في اتجاه بيان الفرائض الكبرى من الإيمان بالله واليوم الآخر وسائر أركان الإيمان، ومن الصلاة والزكاة والوفاء بالعهود والصدق وسائر أسهم الإسلام، ومن جهة أخرى فإنّ الآية جاءت في سياق الردّ على أهل الكتاب وبخاصة اليهود الذين بدلوا أصول دينهم ثم تمسكوا بأمور شكلية فأنكروا على المسلمين تغيير القبلة؛ فالآية متجهة إلى ذكر الأصول وبيان الأسس والقواعد؛ فبطل الاحتمالان ولم يبق إلا الاحتمال الأول القائل بأنّ إيتاء المال لمن ذُكِروا واجب آخر غير الزكاة، وهو الصحيح الذي يجب المصير إليه.

    وقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام: 141)، نزل في مكة، أي قبل تشريع الزكاة أصلا، ومهما قيل من أنّها إشارة إجمالية لما فصلته فريضة الزكاة بعد ذلك، أو أنّ هذا كان واجبا نسخته فريضة الزكاة بعد ذلك؛ تبقى كل هذه الأقوال مجرد احتمالات لا تقوى على الإطاحة بواجب تَقَرَّرَ بنص القرآن وبصيغة الأمر المستلزمة للوجوب، وهو ما دعا كثيرا من العلماء للقول بأنّ هذا واجب غير الزكاة، يكون عند الحصاد، بإعطاء المعوزين وإبناء السبيل المطلعين على الحصاد والمستشرفين لخيراته، ثم تكون الزكاة المفروضة عند التصفية، فالذهاب إلى هذا القول أكثر أماناً من المجازفة بتأويل أو ادعاء نسخ بلا دليل ولا برهان، وما دمنا قد أقصينا الروايتين الواردتين عن فاطمة بنت قيس فليس ثم ما يحملنا على المجازفات.

    وقول الله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19)، قال زيد بن أسلم: ليس ذلك بالزكاة، ولكن ذلك مما ينفقون من أموالهم بعد إخراج الزكاة، والمحروم: الذي يُصابُ زرعُهُ أو ثمرُه أو نَسْل ماشيتِهِ، فيكون له حقّ على من لم يصبه ذلك من المسلمين، كما أنّ المحروم هو من تعفف عن المسألة فحرم من عطاءات الناس، وهو كذلك الذي لا سهم له في الغنيمة، وغير ذلك من الصور التي تتجدد وتتغير بحسب الأحوال([22]).

    أمّا الأحاديث فمنها: عن أبي الزبير عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا، وَأَخْفَافِهَا، …) الحديث، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا، وَمَنِيحَتُهَا وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ»([23])، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ ….)([24]).

    وأختم بما قاله ابن حزم، فقد امتشق حسام البرهان وامتطى صهوة البيان وانطلق يقرر هذا الأصل الكبير على هذا النحو الباهر وبهذه الخصوبة المشبعة: “وفرضٌ على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم … فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة؛ وبرهان ذلك: قول الله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}[الإسراء: 26]، وقال تعالى: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36]، فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك؟ وقال تعالى: {ما سلككم في سقر} {قالوا لم نك من المصلين} {ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 42 – 44]، فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة، وعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» … ومن كان على فَضْلَةٍ ورأى أخاه المسلم جائعا عريان ضائعا فلم يُغِثْهُ فما رحمه بلا شك … عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل»، وهذا إجماع الصحابة … ومن طريق أبي موسى عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أطعموا الجائع وفكوا العاني»، والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدا … قال عمر بن الخطاب: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين) هذا إسناد في غاية الصحة والجلالة … عن محمد بن علي بن أبي طالب أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: (إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فَمَنَعَ الأغنياءُ؛ فحقٌ على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه؟ … وعن عائشة أم المؤمنين والحسن بن علي وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع أو فقر مدقع فقد وجب حقك، وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة – رضي الله عنهم – أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء؟ فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة لا مخالف لهم منهم”([25]).

    فهذا الفقه المعتمد على نصوص قرآنية ونبوية وعلى فهم لمقاصد الشريعة يؤكد أنّ الواجب والمفروض الذي هو حق لأهل غزة مجاهديهم ومرابطيهم ومنكوبيهم واجب لا ينحصر في زاوية الزكاة المفروضة في مال الأغنياء، وإنّما يتسع ويمتد ليتجاوز المقدار المحدد في الزكاة، فالإنفاق على أهل غزة واجب وراء واجب الزكاة، وما يستحقه أهل غزة ومن شابههم فيما وقعوا فيه أوسع من مجرد مقدار الزكاة في الأوقات التي لا تكفي فيها الزكاة لرأب الصدع وسد الحاجة وإزالة الفاقة. والله تعالى أعلم.


(*) د. عطية عدلان، أستاذ الفقه وأصوله، ورئيس مركز محكمات للدراسات والبحوث – اسطنبول.

الهوامش:

([1]) سنن ابن ماجه (1/ 570)

([2]) سنن الترمذي ت شاكر (3/ 39)

([3]) التلخيص الحبير ط العلمية (2/ 356)

([4]) علل الدارقطني (15/ 376)

([5]) المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (1/ 9)

([6]) إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 498) بتصرف

([7]) المحلى بالآثار (4/ 282-283)

([8]) مجموع الفتاوى (7/ 316)

([9]) مجموع الفتاوى (29/ 185- 188)

([10]) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (1/ 88)

([11]) أحكام القرآن للجصاص 3/136

([12]) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (4/ 18)

([13]) كشاف القناع عن متن الإقناع (2/ 273)

([14]) أحكام القرآن للكيا الهراسي (4/ 389)

([15]) متفق عليه صحيح البخاري (1/ 18) صحيح مسلم (1/40)

([16]) متفق عليه صحيح البخاري (2/ 105) صحيح مسلم (1/ 44)

([17]) سنن الدارقطني (2/ 496) المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 547)

([18]) المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 547) السنن الكبرى للبيهقي (4/ 141)

([19]) سنن الترمذي (3/ 5) سنن ابن ماجه (1/ 570)

([20]) ر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 546) – شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1553)

([21]) ر: نيل الأوطار (8/ 178)

([22]) ر: تفسير الطبري = جامع البيان (22/ 418)

([23]) صحيح مسلم (2/ 684)

([24]) صحيح البخاري (1/ 124)

([25]) المحلى بالآثار (4/ 281-283)

اترك تعليق