بقلم: د. محمد أكرم الندوي(*)
أوكسفورد -23/8/2026
ليس ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً عن مناسبة تجيء مع العام ثم تذهب مع أيامه، ولا خاطرا من خواطر القلب يلمع حيناً ثم ينطفئ حيناً آخر؛ وإنما هو معنى من المعاني التي ينبغي أن تجري في حياة المسلم جريان الدم في العروق، وأن تمتد فيها امتداد النور في جوانب البيت حين تفتح نافذته للشمس. فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس رجلاً من رجال التاريخ نذكره كما نذكر سائر العظماء، ثم نغلق الكتاب ونمضي؛ وإنما هو رسول الله الذي اصطفاه الله لحمل رسالته، وأقامه حجة على عباده، وهدى به من شاء من خلقه، وأخرج به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان.
وإذا كان المسلم يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي دلّه على ربه، وعرّفه طريقه، وعلّمه كيف يعبده، وأرشده إلى ما فيه صلاح دنياه وآخرته، فليس من المعقول أن يكون حق هذا الرسول الكريم علينا أن نذكره في يوم من أيام السنة، ثم نمضي في سائر أيامنا كأن شيئاً لم يكن. إن حقه أجل من ذلك، وأبقى، وأعمق؛ لأنه متصل بأصل الدين نفسه، وبالطريق الذي لا يستطيع المسلم أن يبلغ به رضوان الله إلا إذا سار فيه.
وقد اختلف المسلمون في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فذهب قوم إلى جوازه إذا اقترن بالخير وخلا من المنكرات، ورأوه صورة من صور التعبير عن الفرح بنعمة الله على هذه الأمة بمبعث نبيه صلى الله عليه وسلم، وذهب آخرون إلى منعه؛ لأن تخصيص هذا اليوم باحتفال لم يكن معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه. وقد طال في هذه المسألة كلام العلماء، وتعددت فيها أنظارهم، ولكل فريق حججه وتأويلاته.
ولست أريد أن أقف عند هذا الخلاف؛ فما أكثر المسائل التي اختلف فيها العلماء، وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يتعلموا كيف يختلفون من غير أن يتباغضوا، وكيف يبحثون عن الحق من غير أن يجعلوا البحث عنه سبباً للفرقة والخصام. وإنما أريد أن أتجاوز هذه المسألة إلى معنى أوسع منها، وأقرب إلى جوهر الدين، فأقول: لنفترض أن المسلمين قد اتفقوا جميعاً على الاحتفال بالمولد، أو اتفقوا جميعاً على تركه؛ ماذا يكون بعد ذلك؟ وهل يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد استوفى حقه منا بهذا الاتفاق أو ذاك؟
إن هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل القلب والعقل معاً.
فيا أيها المسلمون، إن حق نبيكم عليكم أعظم من أن يحصر في يوم، وأكبر من أن يستوعبه موسم، وأعمق من أن تؤديه قصيدة أو كلمة أو اجتماع. إنكم مدينون له بما هو أبعد من ذلك كله؛ مدينون له بالإيمان الذي في صدوركم، وبالقرآن الذي بين أيديكم، وبالصلاة التي تقفون فيها بين يدي ربكم، وبالطريق الذي تسلكونه إلى الله. فهو الذي جاءكم بالرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى بلغته الرسالة وأقيمت الحجة، وترك لنا من بعده كتاب الله وسنته، كأنهما مصباحان مضيئان في طريق طويل، لا يضل السائر فيهما ما دام صادق النظر، مستقيم القصد.
أفيكون الوفاء لهذا كله أن نذكر مولده مرة في العام؟
إن أعظم ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون حاضراً في حياتنا كلها؛ أن يكون حاضراً في الإيمان الذي نعتقده، وفي العبادة التي نؤديها، وفي الخلق الذي نتحلى به، وفي المعاملة التي نعامل بها الناس. أن يكون معنا حين نختار، وحين نختلف، وحين نغضب، وحين نرضى، وحين نملك، وحين نعجز. فإذا عرض للمرء أمر من أمور الحياة لم يكن أول ما يخطر بباله: ماذا أريد أنا؟ وإنما: ماذا كان يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المقام؟ وكيف كان يتصرف لو كان مكاني؟ وهنا تظهر حقيقة المحبة، وهنا يفترق الكلام عن العمل.
فإن المحبة كلمة جميلة يسهل أن يقولها اللسان، ولكنها عمل شاق إذا أراد القلب أن يصدق فيها. وقد قال الله تعالى: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ” فلم يجعل الله المحبة دعوى لا دليل عليها، وإنما جعل الاتباع برهانها ودليل صدقها. وكأن الآية تقول لنا إن الطريق إلى المحبة ليس أن نكثر من الكلام عنها، وإنما أن نسير في الطريق الذي رسمه الحبيب.
فآمنوا كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. آمنوا بالله إيماناً يملأ القلوب طمأنينة، ويجعلها لا تتعلق إلا به، ولا تخاف إلا منه، ولا ترجو إلا فضله. وآمنوا باليوم الآخر كما آمن، حتى لا تستعبدكم الدنيا، ولا تجعلوا منها غاية العمر ومنتهى الأمل. واجعلوا التوحيد الذي كان روح حياته أساس حياتكم؛ فإن الرجل قد يكثر من العبادات، ولكن إذا لم يستقم قلبه على معرفة الله وتعظيمه، بقيت العبادة صورة لا روح فيها.
وأحبوا الله كما أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. أحبوه حباً يحملكم على طاعته، ويهون عليكم في سبيله ما يثقل على النفوس من مشاق الحياة. أحبوه كما أحبّه نبيه، لا حباً يقال في المجالس، وإنما حباً يظهر حين تعرض الشهوة، وحين يشتد الغضب، وحين تدعو الدنيا إلى نفسها، فيكون أمر الله أحب إلى القلب من هوى النفس.
وأطيعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أطاعه أصحابه. اتبعوه في سنته، لا فيما يلائم أهواءكم فحسب، ولكن فيما تحتاج إليه نفوسكم من تهذيب وإصلاح. خذوا من رحمته، ومن حلمه، ومن صدقه، ومن أمانته، ومن تواضعه، ومن عدله، ومن صبره، ومن شجاعته. فإن السنة ليست أبواباً متفرقة في كتاب، ولا أحكاماً معلقة في الهواء؛ وإنما هي حياة كاملة عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، فأصبحت أفعاله وأقواله وأخلاقه بياناً عملياً لهذا الدين.
ولعل من أبلغ ما يلفت النظر في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: “ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت أو أُنزِل عليَّ فيه”، فانظروا كيف استحضر مولده! لم يكن استحضاره لمولده استحضاراً لذكرى شخصية مجردة، وإنما كان استحضاراً لنعمة عظيمة متصلة بالرسالة والوحي. ولذلك جاء التعبير عنها بالعبادة والصيام.
فإذا أردنا أن نتذكر مولده صلى الله عليه وسلم، فلنتذكر معه هذا المعنى؛ ولنجعل ذكرى المولد باعثة على العبادة، وعلى الشكر، وعلى الصلاة، وعلى قراءة سيرته، وعلى إحياء سنته، وعلى إصلاح النفس.
وما أحوجنا إلى هذا الفهم في زماننا! فإننا كثيراً ما نحب الأشياء في صورتها ولا نحب حقيقتها. نحب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون حاضراً في القصائد، ولكننا لا نريده أن يكون حاضراً في معاملاتنا. نحب أن نسمع عن رحمته، ولكننا قد لا نرحم من تحت أيدينا. نحب أن نسمع عن عفوه، ولكننا لا نعفو عمن أساء إلينا. نحب أن نسمع عن تواضعه، ولكننا نغضب إذا لم يقدّم لنا الناس ما نرى لأنفسنا من مكانة. نحب أن نسمع عن عدله، ولكننا نطلب لأنفسنا ما لا نرضاه لغيرنا، وهنا يكون السؤال محرجاً للنفس: أيكون هذا حباً للنبي صلى الله عليه وسلم، أم حباً لصورة منه لا تكلفنا شيئاً؟
إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد منا أن نحفظ سيرته فحسب، وإنما يريد أن نحيا على هديه. والسيرة ليست قصة نقرؤها لنملأ بها وقت الفراغ؛ إنها مرآة نرى فيها أنفسنا، ومدرسة نتعلم فيها كيف يكون الإنسان إنساناً. فإذا قرأنا فيها صبره، وجب أن نسأل أنفسنا عن صبرنا؛ وإذا قرأنا رحمته، وجب أن نسأل أنفسنا عن رحمتنا؛ وإذا رأينا زهده، وجب أن نسأل أنفسنا عن تعلقنا بالدنيا؛ وإذا رأينا قيامه بين يدي ربه، وجب أن نسأل أنفسنا عن صلاتنا.
وهكذا تصبح السيرة سؤالاً دائماً يلاحقنا، لا قصة تنتهي حين نصل إلى آخر صفحاتها.
وليس ثمة لحظة من لحظات حياة المسلم تكاد تخلو من صلة بالسنة. في صلاته يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفي صيامه يقتدي به، وفي طعامه وشرابه، وفي نومه ويقظته، وفي معاملته لأهله، وفي حديثه إلى الناس، وفي تجارته، وفي سفره، وفي فرحه وحزنه. بل إن الحياة اليومية كلها يمكن أن تصبح ميداناً للاقتداء إذا استيقظ في القلب ذلك الشعور الذي يجعل المسلم يسأل نفسه: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟
وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن نفهمها حين نقول: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
فليس ذكره أن يمر اسمه على اللسان ثم يمضي، وإنما أن يحضر معناه في القلب. وليس ذكره أن نرفع أصواتنا بالصلاة والسلام عليه ثم نخفض أصواتنا عن الحق، وإنما أن يكون لذكره أثر في أخلاقنا. وليس ذكره أن نملأ المجالس حديثاً عنه ثم نخلي البيوت من سنته، وإنما أن يصبح البيت نفسه صورة من صور الهدي النبوي.
إن المسلم الذي يستيقظ في الصباح فيذكر الله، ثم يسأل نفسه كيف يقضي يومه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد بدأ يومه بذكر النبي وإن لم ينطق باسمه في كل لحظة. والذي يدخل بيته فيتذكر رحمته بأهله، فيلين لهم ويعاشرهم بالمعروف، قد أحيا سنة من سننه. والذي يملك غضبه في لحظة كان يستطيع فيها أن يبطش، فيتذكر حلم النبي صلى الله عليه وسلم، قد أحيى في نفسه شيئاً من أخلاقه. والذي يستطيع أن ينتقم فيعفو، وأن يظلم فيعدل، وأن يخون فيؤدي الأمانة، فقد جعل من سيرته نوراً يهديه في الظلمات.
وهكذا لا يعود ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حادثة في التقويم، وإنما يصبح جزءاً من نسيج الحياة.
إننا لا نحتاج إلى يوم خاص كي نذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكل يوم فيه صلاة هو يوم من أيام ذكره، وكل أذان يرفع اسمه، وكل تشهد نصلي فيه ونسلم عليه، وكل سنة نحييها، وكل خلق نبوي نتخذه، وكل إنسان نرحمه، وكل مظلوم ننصفه، وكل حق نؤديه، إنما هو لون من ألوان الوفاء له صلى الله عليه وسلم.
فما أعظم أن يصبح النبي صلى الله عليه وسلم حاضراً في ضمير المسلم كما يكون الضوء حاضراً في العين! لا يشعر الإنسان به في كل لحظة، ولكنه لا يستطيع أن يرى بدونه.
إن السنة النبوية ليست شيئاً نضعه على هامش الحياة، وإنما هي من صميمها. فهل تخلو ساعة من ساعات يومنا من أمر بفريضة أو دعوة إلى فضيلة أو تنبيه إلى خلق أو انتداب إلى سنة؟ إن حياة المسلم كلها مجال للاتباع، وإن العمر كله صفحة مفتوحة أمام السنة.
ولهذا فإن من أعظم الوفاء للنبي صلى الله عليه وسلم أن نعرف سنته معرفة صحيحة، وأن نقرأ سيرته قراءة واعية، وأن نميز بين ما صح عنه وما لم يصح، وأن لا نجعل سيرته حكايات تروى فحسب، بل منهجاً يفهم ويطبق. نقرأ كيف ربى أصحابه، وكيف أقام المجتمع، وكيف جمع بين العبادة والعمل، وبين القوة والرحمة، وبين العدل والإحسان، وبين حق الله وحقوق الناس.
وإذا كان الاحتفال بالمولد موضع خلاف بين المسلمين، فإن ثمة أموراً أوسع من هذا الخلاف وأجمع للقلوب: الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومحبته، والصلاة والسلام عليه، وتعظيمه، واتباع سنته، وتعلم سيرته، وتعليمها للأبناء، والاقتداء بأخلاقه. هذه معان ينبغي أن تجمع ولا تفرق، وأن توحد ولا تمزق.
فلا ينبغي أن تتحول مسألة في كيفية التعبير عن المحبة إلى سبب ننسى به حقيقة المحبة نفسها.
إننا أحوج ما نكون إلى أن ننتقل من السؤال عن صورة الاحتفال إلى حقيقة الاحتفال، ومن مناسبة المولد إلى معنى المولد، ومن ذكرى مولده إلى أثر مولده في حياتنا.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ليحيي القلوب، فأحيوا قلوبكم بهديه، وإذا كان قد جاء ليعلم الناس كيف يعبدون الله، فتعلموا عبادته، وإذا كان قد جاء ليقيم ميزان العدل، فأقيموا العدل في بيوتكم ومجتمعاتكم، وإذا كان قد جاء بالرحمة، فارحموا الضعيف والمسكين والفقير والمخطئ، وإذا كان قد جاء بالأخلاق، فلا تجعلوا الحديث عن أخلاقه بديلاً عن التخلق بها.
يا أيها المسلمون، إن حق نبيكم أعظم من احتفال سنوي به. حقه أن يكون معكم في صلاتكم، وفي بيوتكم، وفي أسواقكم، وفي أخلاقكم، وفي خلافاتكم، وفي وحدتكم، وفي تربية أبنائكم، وفي كل شأن من شؤونكم. اذكروه حين تصلون، واذكروه حين تعملون، واذكروه حين تختلفون، واذكروه حين تغضبون، واذكروه حين تفرحون، واذكروه حين تضعفون أمام شهوات الحياة. تذكروا كيف كان يفعل، وكيف كان يقول، وكيف كان يحب، وكيف كان يكره، وكيف كان يعفو، وكيف كان يصبر.
فإذا صدقتم في محبته فاتبعوه، وإذا أردتم أن تكرموه فأطيعوه، وإذا أردتم أن تذكروه فأحيوا سنته.
وليس أعظم احتفال بمولده أن تضاء الأنوار في الطرقات، وإنما أن يضاء القلب بهديه. وليس أعظم ما نقدمه له أن تكثر الكلمات عنه، وإنما أن تقل المخالفات لسنته. وليس أعظم الذكر أن يكثر اسمه على ألسنتنا فقط، وإنما أن يظهر أثره في أخلاقنا وأعمالنا.
فليكن مولد النبي صلى الله عليه وسلم بداية مولد آخر في نفوسنا: مولد الإيمان بعد الغفلة، ومولد المحبة بعد الجفوة، ومولد السنة بعد الهجر، ومولد الأخلاق بعد القسوة.
وعندئذ تتحول الذكرى من تاريخ في التقويم إلى نور في الطريق، ومن لحظة عابرة في الزمن إلى معنى مقيم في القلب، ومن مناسبة نحييها مرة إلى حياة نحياها كل يوم.
ذلك هو الذكر الذي لا ينتهي بانتهاء الموسم، ولا يضعف بانقضاء الأيام؛ ذكرٌ يسكن القلب، ويهذب النفس، ويقيم السلوك، ويصل الإنسان بمصدر هدايته.
وذلك أصدق ما نستطيع أن نقدمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نحيا على هديه، وأن نصدق في محبته، وأن نجعل من سنته طريقاً نمشي فيه ما امتد بنا العمر؛ حتى يكون ذكره في حياتنا كالنور في الفجر، لا نسأل متى جاء، ولا متى يذهب، وإنما نمضي في ضيائه ونحن نعرف الطريق.
(*)


