الحضارة التي أفسدت العقول والأخلاق معا

بقلم: د. محمد أكرم الندوي(*)

أوكسفورد –  2 نوفمبر 2026م.

ليس من الضروري أن يكون كل تقدم ارتقاءً، ولا أن تكون كل حضارة قد بلغت من أسباب القوة والمنعة ما يجعلها جديرة بالإعجاب والتقدير. فقد يتقدم الإنسان في السيطرة على الطبيعة، ويبلغ من أسرارها ما لم يكن يخطر له على بال، ويقيم من المنشآت ما يدهش الأبصار، ويبتكر من الآلات ما يختصر المسافات، ويقرب أقصى الآماد، ثم يكون، مع ذلك كله، أبعد ما يكون عن الرقي الإنساني الحقيقي. ذلك أن الحضارة ليست ما يضيفه الإنسان إلى العالم من أدوات وآلات فحسب، وإنما هي، قبل ذلك وبعده، ما تضيفه إلى نفسه من عقل راشد، وخلق كريم، وبصيرة نافذة. وإذا كان التقدم المادي يدل على مقدار ما استطاع الإنسان أن يفعله، فإن التقدم الأخلاقي يدل على مقدار ما ينبغي له أن يفعل، وما ينبغي له أن يمتنع عنه. وبين الأمرين بون شاسع، قد تقطعه أمة، وقد تعجز عن قطعه أمة أخرى، مهما أوتيت من أسباب القوة والعلم.

ولقد ألحقت الحضارة الغربية الحديثة بالإنسانية أضرارًا تفوق الظن والتخمين، وليس أعظم هذه الأضرار ما أحدثته من اختلال في موازين الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وإنما أعظمها وأخطرها أنها أسهمت، في كثير من تجلياتها الفكرية والمادية، في إفساد العقل وإفساد الأخلاق معًا؛ لأن فساد العقل أصل لكثير من فساد السلوك، ولأن الأخلاق لا تستقيم إذا اختل الميزان الذي تُوزن به الأفعال، وضاعت المرجعية التي يُرد إليها الحكم على الأشياء.

العقل بين سلطان الحق وسلطان الهوى

فالعقل نعمة كبرى، به يميز الإنسان بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، وبه يرتفع عن مستوى الاستجابة العمياء للشهوات والغرائز، فيصبح قادرًا على النظر في عواقب أفعاله، والموازنة بين مصالحه ومصالح غيره، والتمييز بين ما يرغب فيه وما ينبغي له أن يرغب فيه. وليس العقل، في حقيقته، مجرد قدرة على التفكير والاستدلال، فقد يكون المرء شديد الذكاء، نافذ الحيلة، واسع المعرفة، ثم لا يكون من العقلاء في شيء؛ إذا جعل ذكاءه خادمًا لشهواته، ومعرفته وسيلة إلى أطماعه، واستدلاله طريقًا إلى تبرير ما لا يمكن تبريره. فالعقل إنما يكون سليمًا حين يستقل عن سلطان الهوى، ويحتكم إلى الفطرة السوية، ويجعل من الحق معيارًا للأحكام، لا من الرغبة والمصلحة.

وقد كان المنتظر من الحضارة التي بلغت هذا المبلغ العظيم في ميادين العلم والمعرفة أن تزيد العقل تحررًا وبصيرة، وأن تعينه على إدراك الحقائق في أبعادها الإنسانية والأخلاقية، ولكن الذي حدث في أغلب اتجاهاتها الكبرى كان على خلاف ذلك؛ إذ انقلبت الموازين، وأصبح الإنسان، بدل أن يحتكم إلى الحقائق والمبادئ، يعيد تشكيلها على وفق رغباته وأولوياته. فلم يعد السؤال الذي يشغل العقل: أهذا حق أم باطل؟ ولا: أهذا خير أم شر؟ وإنما أصبح السؤال: أهذا نافع أم غير نافع؟ أهذا يحقق لي رغبة أم يحول بيني وبينها؟ وهكذا انتقل العقل من مقام الحاكم على الأهواء إلى مقام المحامي عنها، ومن وظيفة التمييز بين الرغبات وتقويمها إلى وظيفة البحث عن الحجج التي تمنحها المشروعية.

وليس هذا التحول أمرًا هينًا؛ لأنه ينقل الإنسان من الاحتكام إلى معيار يتجاوز ذاته إلى الاحتكام إلى ذاته وحدها، ومن الاعتراف بوجود حقائق أخلاقية ينبغي أن يخضع لها إلى الاعتقاد بأن ما يختاره هو الذي يمنح الأشياء قيمتها. ومن هنا نشأت نزعة فردانية متطرفة طاغية جعلت الحرية، في بعض تصوراتها، مرادفة للتحرر من كل قيد، لا للتحرر من الجهل والعبودية والهوى. والفرق بين المعنيين بعيد؛ فالحرية التي لا يضبطها العقل ولا تهذبها الأخلاق قد تنقلب إلى عبودية من نوع آخر، إذ يصبح الإنسان أسير رغباته، وإن ظن أنه سيد نفسه، وتصبح إرادته خاضعة لما يستبد به من شهوة، وإن توهم أنه قد تحرر من كل سلطان.

الإنسان في قبضة المادة والاستهلاك

ولعل من أظهر وجوه هذا الخلل أن الحياة المادية قد استأثرت في التصور الحضاري الغربي الحديث بمكانة تكاد تجعلها الغاية النهائية للوجود الإنساني. فأصبح النجاح يقاس بالثروة والنفوذ، والتقدم بما يحرزه الإنسان من قدرة على الإنتاج والاستهلاك، والسعادة بما يستطيع أن يقتنيه ويستمتع به. أما الأسئلة الكبرى التي تتصل بمعنى الحياة وغايتها، وبالمسؤولية والواجب، وبالحق الذي ينبغي أن يُؤثر ولو خالف المصلحة، فقد تراجعت في كثير من البيئات أمام صخب المادة وضجيج المنفعة. وكأن الإنسان قد نسي أنه لا يعيش ليأكل ويملك ويستهلك فحسب، وإنما يعيش أيضًا ليفكر ويهتدي ويعدل ويرحم، وأن حاجات الجسد، مهما عظمت، لا تستنفد حقيقة الإنسان ولا تستوعب كرامته.

وقد ظهرت آثار هذا الانقلاب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ظهورًا واضحًا. فالنزعة الاستهلاكية، مثلًا، لم تعد تكتفي بتوفير حاجات الإنسان، وإنما أخذت تعمل على صناعة حاجاته، وتشكيل رغباته، وإقناعه بأنه لا يبلغ السعادة إلا إذا امتلك ما لم يكن يملك، ولا يحظى بالتقدير إلا إذا أظهر ما لديه من مال ومتاع. وأصبح الإنسان، في ظل هذا المنطق، أقرب إلى أن يكون مستهلكًا منه إلى أن يكون إنسانًا؛ تقاس قيمته بما يشتري، ومكانته بما يملك، ونجاحه بما يستطيع أن يعرضه على الناس. وما أبعد هذه الصورة عن حقيقة الرقي الإنساني! فإن الحضارة التي تعد الإنسان بإشباع رغباته، ثم تعمل على مضاعفة تلك الرغبات حتى لا تنتهي، إنما تشبه من يسقي الظمآن ماء البحر، كلما شرب منه ازداد عطشًا.

فساد المعيار وأزمة الضمير الأخلاقي

وإذا كان فساد العقل يفضي إلى فساد المعيار، فإن فساد المعيار لا يلبث أن يظهر في الأخلاق؛ لأن الأخلاق لا تقوم على الرغبات المتقلبة، وإنما تقوم على مبادئ ينبغي أن تظل ثابتة، سواء وافقت المصالح أم خالفتها. فالعدل لا يكون عدلًا لأننا ننتفع به، ولا يصبح الظلم قبيحًا لأننا نخشى عواقبه، وإنما للعدل قيمة في ذاته، وللظلم قبح في ذاته. فإذا زالت هذه الحقيقة من الضمير الإنساني، لم يبق بين الخير والشر إلا ما تقتضيه المنفعة، ولم يعد الإنسان يرفض الاعتداء لأنه اعتداء، وإنما لأنه قد يعرضه للخسارة، ولم يعد ينكر الظلم لأنه يناقض الحق، وإنما لأنه قد يقع عليه هو أو على من يهمه أمرهم.

ولعل التاريخ الأوروبي الحديث يقدم لنا شاهدًا بالغ الدلالة على هذه المفارقة. فقد بلغت بعض الدول الأوروبية من التقدم العلمي والفلسفي والتنظيم السياسي مبلغًا عظيمًا، ثم مارست في الوقت نفسه الاستعمار والاسترقاق ونهب ثروات الشعوب وإخضاعها بالقوة. ولم تكن هذه الممارسات مجرد انحرافات فردية عابرة، بل قامت وراءها، في حالات كثيرة، مصالح اقتصادية وسياسية، ونظريات عنصرية حاولت أن تضفي على الهيمنة مظهرًا من مظاهر التفوق الحضاري والطبيعي. وهنا تتجلى المفارقة في أبشع صورها: عقل يستطيع أن يكتشف قوانين الطبيعة، ويبتكر وسائل الإنتاج والحرب، ثم يعجز عن إدراك أن الإنسان، مهما اختلف لونه أو لغته أو موطنه، لا يجوز أن يكون أداة في يد إنسان آخر، ولا ملكًا لمن يملك القوة والغلبة.

وليس أخطر ما في هذه التجربة أن القوي قد ظلم الضعيف، فذلك مما عرفته الإنسانية في عصور كثيرة، وإنما الخطر في أن الظلم استطاع أن يجد لنفسه في بعض الأحيان فلسفة تبرره، وعلمًا يزينه، وقانونًا ينظمه، وخطابًا أخلاقيًّا يستره. فحين تُسخَّر المعرفة لإحكام السيطرة على الشعوب، وتُستخدم النظريات لتصنيف البشر درجات متفاوتة في الكرامة والاستحقاق، لا يكون الخلل في السلوك وحده، بل يكون قد بلغ أصل التفكير ومنهجه. فليس كل عقل منتج عقلًا رشيدًا، وليس كل معرفة نافعة في يد صاحبها نافعة للإنسانية، وإنما قد يكون العقل أكثر خطورة حين يبرع في ابتكار الوسائل التي تخدم غايات فاسدة.

ازدواجية المبادئ وأوهام الحرية

ولم يقتصر هذا التناقض على التجربة الاستعمارية، بل ظهر أيضًا في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تُرفع شعارات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، ثم تتفاوت المواقف من الانتهاكات الإنسانية تفاوتًا شديدًا تبعًا لموازين المصالح والتحالفات والنفوذ. فقد يُستنكر الاعتداء في موضع، ويُتسامح معه في موضع آخر، وقد تستنفر المؤسسات والإعلام والرأي العام لنصرة ضحايا في بلد، بينما لا تحظى مآسي ضحايا آخرين بالاهتمام نفسه. وليس المقصود أن جميع الدول أو المجتمعات الغربية تتبنى موقفًا واحدًا، أو أن هذه الازدواجية حكر عليها، وإنما المقصود أن إخضاع المبادئ الإنسانية للمصلحة السياسية يكشف عن أزمة عميقة في فهم الأخلاق ذاتها. فالعدل الذي يتغير بتغير هوية المظلوم والظالم ليس عدلًا مطلقًا، وإنما هو مصلحة تتخذ من لغة العدالة ستارًا لها.

ومن أعجب المفارقات أن الحضارة التي رفعت الحرية شعارًا من أعظم شعاراتها قد أوجدت، في بعض صور حياتها الاجتماعية والاقتصادية، ألوانًا جديدة من الاستعباد الخفي. فالإنسان الذي تحرر من قيود كثيرة أصبح معرضًا لقيود أخرى؛ تقيده حاجاته المصنوعة، وتستنزف وقته آليات الاستهلاك، وتستولي على انتباهه وسائل الاتصال الحديثة. وقد كشفت المنصات الرقمية، على وجه الخصوص، عن إمكان توظيف المعرفة التقنية في توجيه السلوك الإنساني والتأثير في الاختيارات الفردية. فحين يكون نجاح المنصة مرهونًا بإبقاء المستخدم أطول وقت ممكن أمام شاشتها، قد تصبح الإثارة والغضب والاستقطاب أدوات لجذب انتباهه، لا لأن هذه المواد أصدق أو أنفع، وإنما لأنها أقدر على استثارة انفعالاته. وهكذا قد يجد الإنسان نفسه يظن أنه يختار بحرية، في حين أن البيئة المعلوماتية المحيطة به قد صُممت لتوجيه اهتمامه وتغذية بعض ميوله وتحفيز رغبات بعينها.

الأزمة الحضارية في ميزان النقد والإنصاف

وهذا كله يدل على أن الأزمة ليست أزمة علم، ولا أزمة قدرة تقنية، وإنما هي أزمة الغاية التي يوجه إليها العلم، والمرجعية التي تضبط حركة العقل، والضمير الذي يحدد حدود المنفعة. فالآلة لا تحمل في ذاتها فضيلة أو رذيلة، وإنما تتحدد قيمتها بما يسخرها الإنسان له؛ والتقدم التقني لا يضمن التقدم الأخلاقي، كما أن وفرة المعرفة لا تستلزم سلامة البصيرة. وقد يكون الإنسان قادرًا على أن يصنع ما لم تستطع الأجيال السابقة أن تتخيله، ولكنه لا يكون بذلك قد أصبح أقدر على معرفة ما ينبغي أن يصنع، وما يجب عليه أن يمتنع عنه.

على أن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين الحضارة الغربية في مجموع تاريخها وإنتاجها، وبين النزعات المادية والنفعية التي برزت في بعض مراحلها وتياراتها. فقد أنجبت هذه الحضارة فلاسفة ومفكرين ومصلحين نقدوا الاستبداد والاستغلال، ودافعوا عن الكرامة الإنسانية والعدالة، وكشفوا تناقضات مجتمعاتهم ومؤسساتهم. غير أن وجود هذه الأصوات النقدية لا ينفي مسؤولية الاتجاهات التي جعلت المنفعة معيارًا أعلى، وأسهمت في اختزال الإنسان في بعده المادي، ولا يمنع من مساءلة الأسس الفكرية التي تتيح تبرير الظلم كلما وافق المصالح والأهواء. بل إن النقد الحقيقي للحضارة لا يكون بإنكار فضائلها، وإنما بالكشف عن تناقضاتها، والتمييز بين ما يرفع الإنسان فيها وما يحط من قدره.

حين تتقدم المنفعة على الحقيقة

وإذا أردنا أن نرد هذه المظاهر المتباينة إلى أصل واحد، وجدنا أن الجامع بينها هو انقلاب العلاقة بين الحقيقة والمصلحة؛ ففي الاستعمار خضعت كرامة الإنسان لمقتضيات القوة، وفي الاستهلاك خضعت حاجاته لمنطق السوق، وفي السياسة الدولية خضعت المبادئ لموازين النفوذ، وفي العالم الرقمي أصبح انتباه الإنسان موردًا اقتصاديًّا تتنافس المؤسسات على استثماره. وهذه الصور، على اختلافها، ليست إلا تجليات لأزمة حضارية واحدة، قوامها أن الوسيلة طغت على الغاية، وأن القدرة تقدمت على الحكمة، وأن المنفعة استأثرت بالمكان الذي كان ينبغي أن يشغله الحق.

إن الحضارة التي تفسد العقل والأخلاق معًا إنما تهدم الإنسان من داخله، وإن أقامت له من الخارج صروحًا شاهقة من القوة والرفاه. فالعقل هو بصيرة الحضارة، والأخلاق روحها، وإذا فقدت البصيرة وضاعت الروح لم يبق من الحضارة إلا جسد ضخم تتحرك فيه الآلات، وتتعالى فيه الأصوات، وتتراكم فيه الثروات، ولكنه يعجز عن الإجابة عن أبسط الأسئلة الإنسانية: ما الحق؟ وما الخير؟ وما الذي يجعل حياة الإنسان جديرة بأن تُعاش؟

وليس سبيل الخروج من هذا المأزق أن نرفض العلم، أو ننكر منجزات العصر، أو ننكفئ عن العالم؛ فإن ذلك لا يكون علاجًا للداء، وإنما يكون هروبًا من مواجهته. وإنما السبيل أن نعيد إلى العقل حريته الحقيقية، وإلى الفطرة اعتبارها، وإلى الأخلاق سلطانها، وأن نجعل من العلم وسيلة لخدمة الإنسان لا لاستعباده، ومن الحرية سبيلًا إلى المسؤولية لا ذريعة إلى الانفلات، ومن المنفعة أمرًا مشروعًا ما دامت لا تهدم العدل ولا تنقض الحقوق. فليست عظمة الحضارة في أن تجعل الإنسان قادرًا على امتلاك العالم، وإنما في أن تجعله جديرًا بعمارة هذا العالم، وأهلًا للانتفاع بخيراته، وقادرًا على أن يضع لكل شيء قدره، فلا يبيع الحق في سبيل المنفعة، ولا يضحي بالإنسان في سبيل القوة، ولا يستبدل بطمأنينة الضمير لذة عابرة من لذات الحياة.

وما قيمة أن يكسب الإنسان العالم كله إذا خسر نفسه؟ وما نفع أن يبلغ من السيطرة على الطبيعة غايتها، إذا عجز عن السيطرة على أهوائه؟ إن الحضارة التي لا تهذب الإنسان قد تزيده قوة، ولكنها لا تزيده بالضرورة خيرًا؛ وقد تمنحه مفاتيح العالم، ولكنها لا تمنحه بالضرورة مفاتيح نفسه. وتلك، في تقديري، هي المأساة الكبرى للحضارة حين تنفصل عن العقل والأخلاق: أن يتقدم الإنسان في كل شيء، إلا في إنسانيته.


(*) أحد كبار علماء شبه القارة الهندية، وعميد الشؤون التعليمية وأستاذ في كلية كامبريدج الإسلامية، وأستاذ في معهد السلام بأوكسفورد ولندن، وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.