الإمام الشيخ يوسف القرضاوي بين العلم والعمل

تحلّ في التاسع من سبتمبر/أيلول 2026 الذكرى المئوية لميلاد الإمام العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، رحمه الله تعالى، الذي وُلد سنة 1926م، وهي مناسبة تتجاوز الاحتفاء بتاريخ ميلاد عالم كبير إلى استعادة مشروع علمي ودعوي وإصلاحي امتد أثره في ميادين الفقه والأصول والمقاصد والفكر والدعوة والعمل المؤسسي وقضايا الأمة. ومئوية الإمام فرصة متجددة لإعادة قراءة تراثه، واستكشاف جوانب شخصيته، وتقويم تجربته الثرية في ضوء ما تركه من علم وما أنشأه من مؤسسات وما حرّكه من طاقات؛ إذ لم يكن القرضاوي صاحب مؤلفات فحسب، وإنما كان صاحب مشروع أراد للعلم أن يهدي الحياة، وللفقه أن يجيب عن أسئلتها، وللفكر أن يتحول إلى فاعلية، وللعالم أن يكون حاضرا في هموم أمته ومسؤولا عن إصلاح واقعها.

وفي سياق هذه المئوية نعيد نشر هذه الدراسة المهمة للأستاذ الدكتور عبد المجيد النجار، أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وصاحب الإسهام المتميز في الفكر المقاصدي والتجديد الإسلامي، وأحد رفقاء الإمام القرضاوي في مسيرة العلم والفكر والعمل المؤسسي. وقد كُتبت هذه الدراسة قبل عشرة أعوام، وقُدّمت في الاحتفال بتسعينية الإمام، وها نحن نعيد نشرها اليوم في مئوية ميلاده؛ فتكتسب، مع مرور الزمن ورحيل الإمام واكتمال تجربته في سجل التاريخ، قيمةً توثيقية وفكرية مضاعفة؛ فهي ليست قراءةً من بعيد في تراث القرضاوي، وإنما شهادة عالم ومفكر عرف الإمام عن قرب، والتقاه منذ عقود، وعمل معه وشاركه بعض ميادين العمل العلمي والمؤسسي؛ ولذلك استطاع أن ينفذ إلى أحد المفاتيح الكبرى في فهم شخصيته ومشروعه: وحدة العلم والعمل، وتحول الفكرة إلى مشروع، وانتقال اجتهاد العالم من أثر فردي إلى طاقة تحرّك جهود العلماء والأمة، ومن هنا تبدو إعادة نشر هذه الدراسة في المئوية وفاءً لشهادة كُتبت في التسعينية، وقراءةً متجددة في جانب أصيل من جوانب مشروع الإمام القرضاوي، تزداد الحاجة إلى استحضاره ودراسته والإفادة منه.

المحرر

دراسة بقلم أ.د/عبد المجيد النجار(*)

توطئة

إنما نزل الدين ليُعمل به، فالحقيقة الدينية وإن كانت لها قيمتها الذاتية، وإن كان الإيمان بها تصديقا بالقلب هو أساس الإيمان إلا أنّ صيرورتها واقعا في حياة الإنسان توجّه سلوكه وترشّد مسيرته الفردية والجماعية هي الثمرة المبتغاة منه. وإذا كان الإيمان تصديقا قلبيا لا ينتقض إذا ما تخلّف العمل به عند أكثر المسلمين إلاّ أن هذا التخلّف يضعف قيمته كثيرا فيكاد يصل به إلى حافّة الانتقاض، بل هو عند بعض فرق المسلمين يذهب به تماما وينتقل به إلى منزلة الكفر.

إنّ هذه القيمة العملية للإيمان لئن كانت ركنا في حقّ كلّ مسلم إلا أنها في حقّ العلماء والدعاة فيما يبلّغون ويعلّمون تصبح أكثر تأكيدا؛ لأنّ البلاغ لا يكون له الأثر المرجوّ إذا كان المبلّغ يقول ما لا يفعل، ويفعل ما يناقض تصديقه. وترتقي درجة العالم والداعية إلى أفق أعلى من أفق العالم العامل في ذاته، وهو ذلك الأفق الذي يكون فيه عاملا في ذاته، وساعيا إلى أن يكون الآخرون عاملين بمقتضى ما يؤمنون به، ويبلغ ذلك السعي ذروته حينما يرتقي إلى أن يكون العمل التطبيقي للإيمان عملا مجتمعيا تنخرط فيه جموع الأمّة ليكون الدين دينا للمجتمع بالإضافة إلى كونه دينا للأفراد. وتلك هي قمّة ما يبلغه العالم الداعية في القيام بواجب البلاغ. وتلك هي الدرجة التي بلغها الإمام العالم الداعية يوسف القرضاوي.

1 ـ سؤال العلم والعمل

التقيت بالشيخ الإمام القرضاوي عن طريق كتبه منذ وقت مبكّر، فقد كنا في المرحلة الجامعية على الأخصّ نقرأ بعض تلك الكتب قراءة درس جامعي ضمن مقرّراتنا الدراسية العلمية، ثمّ أصبحنا نقرأ بعضا آخر ضمن اهتماماتنا بمقتضى انتمائنا للحركة الإسلامية. أما أوّل لقاء مباشر به فكان قبل ما يقارب أربعين عاما، وذلك حينما زرته في بيته في مدينة نصر بالقاهرة عندما كنت أعدّ رسالة الدكتوراه بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.

كان البيت بصدد الإنجاز، وكانت العلامة البارزة فيه تلك الكتب المبثوثة في كلّ زواياه على غير ترتيب، وبعد الترحيب بي وبمرافقي وتجاذب أطراف الحديث أفادنا الشيخ بأنّه على سفر بعد يوم أو يومين إلى الدوحة بالرغم من أنّه كان في إجازة الصيف، والداعي إلى ذلك السفر القيام بواجب الإمامة في صلاة التراويح بأحد المساجد التي دأب على الإمامة فيه لصلاة التراويح منذ وقت بعيد.

 ودّعنا فضيلة الشيخ وانصرفنا وأنا أحمل في نفسي سؤالا ملحّا: كيف لهذا الأستاذ الكبير عميد كلية الشريعة بجامعة قطر وصاحب العشرات من المؤلّفات والأستاذ الذائع الصيت في محافل العلم أن يقطع إجازته الصيفية ليعود إلى العاصمة القطرية وهي في عزّ الحرّ الصيفي بغية أن يؤمّ الناس في صلاة التراويح وهي المهمّة التي يمكن أن يقوم بها عوضا عنه العشرات من حفظة القرآن الكريم المتوفّرين بمدينة الدوحة أو المستقدمين من خارجها؟

ظلّ هذا السؤال قائما في النفس لا يفارقني منذ ذلك اللقاء الأول، ويزداد حضورا فيها كلّما التقيت بالشيخ بعد ذلك خلال لقاءات به في مناسبات كثيرة وفي مواقع عديدة من البلاد العربية والإسلامية والغربية حتى كان تعييني أستاذا بكلية الشريعة بجامعة قطر في نهايات العشرية الأخيرة من القرن الماضي.

وقد كان منذ أصبحت أشارك في الندوات العلمية وألتقي بالعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي نشأ في ذهني تساؤل ظلّ يتنامى شيئا فشيئا لينتقل من الخاطرة إلى الفكرة وهو: لماذا لا يتجمّع العلماء المسلمون في هيئة تشمل العدد الكبير منهم لتتضافر جهودهم العلمية والدعوية ويكون لآرائهم ومواقفهم  وزن مؤثّر لا يكون  لهم في حال التفرّق أفرادا؟

سجّلت تلك الفكرة في ورقة بسيطة عنوتها بـ ” الرابطة العالمية لعلماء المسلمين” ولمّا سافرت إلى الدوحة لمباشرة عملي في الجامعة قلت في نفسي: إنّ أوّل من أطرح عليه هذه الفكرة هو الشيخ الإمام يوسف القرضاوي، فزرته في مركز بحوث السنة النبوية لأسلّم عليه وأطرح عليه هذه الفكرة وأنا في حرج من أمري لكبر ما أحمل من فكرة وصغر ما أراه في نفسي ضمن العلماء.

وجدت الشيخ غارقا في كمّ من الأوراق منشورة على مكتبه يبدو أنّه كان مستغرقا بعمق في دراسة مضامين مهمّة فيها. وبعد الترحيب وتجاذب أطراف الحديث قدّمت له الورقة التي كانت معي فنظر في عنوانها وربما قرأ أسطرا منها ثمّ رفع رأسه مستغربا مما فيها من رأي قائلا: أنا منهمك منذ زمن في التفكير في هذا الموضوع والإعداد له، وما هذه الأوراق المنشورة على مكتبي إلا مشروعا يحمل عنوان ” الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” أستعدّ لمراسلة العلماء فيه بهدف الموافقة عليه والالتفاف حوله والمضيّ في إنجازه في الواقع.

خرجت من عند فضيلة الإمام وقد بدأت ترتسم ملامح الجواب على ذلك السؤال القديم الذي ارتسم في الذهن عند الزيارة الأولى، وهو أنّ الشيخ الإمام لم يكن عالم معارف وأفكار، ولا داعية منابر وقاعات مغلقة، وإنما كان بالإضافة إلى ذلك عاملا في ساحات الفعل، منجزا لمقتضى علمه ومعارفه وأفكاره في الواقع، فذهبت أبحث عن رؤيته في ربط العلم بالعمل في بطون مؤلّفاته، وذهبت أبحث عن إنجازاته العملية في ساحات الواقع.

2 ـ العمل في رؤية الشيخ القرضاوي

الدارس لمؤلّفات الشيخ القرضاوي يترسّخ في ذهنه ما للعمل في الوقع من قيمة في فكره، إذ هو يعدّ ثمرة العلم كالثمرة بالنسبة للشجرة التي هي الغاية الكبرى من وجودها، فالشجرة إن لم تكن لها ثمرة كانت قليلة النفع وإن لم تُعدمه تماما؛ ولذلك فإنّ هذه المؤلّفات اشتملت على الكثير من البيانات والتحقيقات التي تلتقي جميعها عند تقرير أنّ العمل هو ثمرة العلم، وأنّ العمل هو واجب ديني إيماني كما أنّ العلم كذلك. وقد انبنى ذلك التقرير في أركانه المتعدّدة على جملة من الأفكار من أهمّها:

أ ـ المنزلة الإيمانية للعمل: إنّ العمل بمقتضى العلم إن لم يكن جزء من الإيمان يتحقّق بتحقّقه وينتقض بتخلّفه فإنّ الإيمان المعتدّ به لا يتحقّق إلا بالعمل، وفي هذا يقول الشيخ:” ولقد اختلف علماء الكلام وغيرهم في مكان العمل من الإيمان، أهو جزء منه أو شرط له أو مكمّل له، والشيء الذي لا خلاف عليه أنّ الإيمان الصادق لا يتحقّق إلا بالعمل، ولهذا رأينا القرآن الكريم يعرض الإيمان في صورة أعمال “لقد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون ..(المؤمنون/1ـ 4)” [1].

وإذا كان العمل على هذه المنزلة في حقيقة الإيمان، فإنّ العمل المطلوب ليس هو مطلق العمل وإنما هو العمل الذي يكون صالحا بل يكون في أعلى درجة من الصلاح والحسن، وذلك لكي يؤدّي إلى الثمرة المرجوّة منه. ومن صلاح العمل وحسنه أن يكون على درجة عالية من الإتقان، وأن يكون في إبّانه وفي موضعه وأن يتمّ بحسب الأولوية بين أجزائه ومفاصله فـ” ليس المهمّ أن نعمل، ولكن المهمّ أن نعمل صالحا، كما هو شأن “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، المهمّ أن نحسن العمل بل نسعى إلى العمل الأحسن  …ومن إحسان العمل أن نعمل الشيء في إبّانه وفي موضعه .. ومن إحسان العمل أن نقدّم ما حقّه التقديم ونؤخّر ما حقّه التأخير”[2].

ب ـ البعد الدعوي للعمل: إذا كان المؤمن بفكرة ما من الأفكار أو عقيدة ما من المعتقدات داعيا الناس إليها كي يكونوا مؤمنين بها عاملين بمقتضاها فإنّ دعوته تلك لا تأتي بثمرة ما يبتغيه إلا إذا أصبحت الفكرة أو المعتقد عملا يقوم به الداعي إليه نفسه، أمّا إذا كان فعله يخالف فكرته أو معتقده فإنّ ذلك يكون صارفا دون الأخذ بها من دون المدعوين إيمانا وعملا، وفي ذلك يقول الشيخ:” ومن المذموم هنا بلا ريب الكلام الذي لا يتبعه عمل أو القول المخالف للفعل، فقوله مشرّق وفعله مغرّب، وهو الذي أنكره القرآن بشدّة في قوله تعالى:”ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” ( الصف/2ـ3)[3].

ومن الشواهد القاطعة على ذلك أنّ الدعوة الإسلامية إنما سرت في الناس اقتناعا وعملا بسبب أنّ الجيل الأول من الدعاة على الأخصّ إنما كانوا يعملون في سلوكهم بما يدعون إليه الناس بأقوالهم معبّرة عن إيمانهم، ولم تكن الخطب والبيانات والكتب والرسالات هي العمدة الأولى في التعريف بالإسلام والدعوة إليه، وإنما كان السلوك هو الرسول الأول في ذلك، فلمّا رأى الناس الإسلام عملا سلوكيا ورأوا ثمراته من الخير دخلوا فيه أفواجا، فـ”المسلمون الأولون لم ينشروا الإسلام بالخطب ولا بالرسائل والكتب، وإنما نشروه بحسن الأخلاق واستقامة السلوك وحبّ الخير للناس وبذل المعروف لهم وكفّ الشرّ عنهم”[4].

ج ـ العمل وفقه الواقع: العمل في أيّ مجال من المجالات إنما يكون إنجازه في واقع معيّن من الزمان والمكان وأحوال الناس النفسية والاجتماعية، وذلك ما يستلزم أن يسبق العمل تفقّه في ذلك الواقع يتمّ به العلم بأسبابه التي تنشأ عنها ظواهره، والعلم بالعلاقات بين تلك الأسباب وتلك الظواهر، والعلم ما أمكن بالتطوّرات المستقبلية التي تتطوّر إليها الأوضاع؛ وذلك كلّه من أجل أن يكون العمل مثمرا بمراعاته لتلك المعطيات الواقعية، فربّ عمل يكون في ذاته محمودا، ولكنّه في ظرف زمني أو مكاني أو اجتماعي أو نفسي لا يؤتي الثمرة المبتغاة منه، فيكون إذن بناء على العلم بذلك الظرف التصرّف الحكيم في تكييف العمل بما يناسبه ليحقّق المقصد منه.

والتفقّه في الواقع لا يكون بالعلم السطحي المعتمد على الملاحظات الظاهرية أو على التوجيهات الدعائية، وإنما ينبغي أن يكون مبنيا على منهجية علمية تعتمد المصادر الموثوقة، فيكون إذن فقها واقعيا ” مبنيا على دراسة الواقع المعيش دراسة دقيقة مستوعبة لكلّ جوانب الموضوع، معتمدة على أصحّ المعلومات وأدقّ البيانات والإحصاءات، مع التحذير هنا من تضليل الأرقام غير الحقيقية المستندة إلى المنشورات الدعائية والمعلومات الناقصة والبيانات غير المستوفية “[5].

د ـ مواجهة المعوّقات: إذا كان العلم النظري يتمّ بالعقل المجرّد المتحرّر إلى حدّ كبير من الصعوبات التي يجري بها الواقع، فإنّ العمل الإنجازي باعتبار أنّه يتعامل مع الواقع بإكراهاته وتعقيداته يواجه الكثير من التحدّيات التي تحول دون إتمامه على الوجه المرجوّ وقد تحول دون الإنجاز أصلا، وهو ما يستلزم أنّ العالم الذي يريد أن يعمل بعلمه ينبغي أن يبذل الجهد المقدّر في سبيل مواجهة العوائق التي تعترضه في ذلك، وأن يكون هذا الجهد جهدا مقصودا توطّن النفوس والعقول عليه، غير متروك للعفوية والتلقائية فإنّ ذلك لا يقدر على مواجهة هذه المعوّقات التي قد تكون في كثير من الأحيان على قدر كبير من القوّة الصادّة عن العمل.

والمعوّقات دون العمل التي ينبغي مواجهتها بجهد مصنوع كثيرة، منها ما هو خارجي يتمثّل في تدخّل قوى خارجية بطريقة أو بأخرى يعرقل العمل الصالح الذي ينفع المجتمع, ومنها ما هو داخلي كأن يكون اليأس من أن يبلغ العمل النتيجة المرجوّة منه فيكون الجهد المبذول فيه جهدا مهدورا، أو تكون المثالية الحالمة التي تقدم على عمل إلا إذا كان سيؤتي ثمرته كاملة ناجزه ولمّا كان عالم الواقع لا يسمح بذلك في الغالب وإنما هو التدرّج كتدرّج الثمرة من حين نباتها إلى حين نضجها فإن هذه المثالية تقعد بالكثير من النفوس عن العمل في انتظار أن تكون ثمرته ناجزة ويطول الانتظار حتى لا يكون عمل.

لقد كان الشيخ القرضاوي واعيا عميق الوعي بهذه المعوّقات دون العمل الخارجي منها والداخلي، وهو وعي لم يحصل لديه من التحليل النظري للسنن النفسية فحسب وإنما حصل عنده بالأخصّ من الخبرة الواقعية بأحوال الناس أفرادا وجماعات وهيئات ومنظّمات؛ ولذلك فإنّه خصّص في العديد من مؤلّفاته بيانات وافية لهذه المعوّقات، وبيانات وافية لطرق التصدّي لها على المستوى النفسي والمستوى الجماعي، دفعا منه في كلّ ذلك لأن يأخذ العلم مجراه إلى العمل الصالح دون أن يبقى حبيس العقول المجرّدة فلا تكون له الثمرة المرجوّة منه[6].

إنّ القارئ للتراث العلمي للشيخ القرضاوي يدرك بيسر مدى ما يولي من أهمّية كبيرة للعمل في الواقع بما يقتضيه العلم النظري. ولا تقف تلك الأهمّية عند التنبيه النظري إلى أهمية العمل في الحياة، وإنما تعدّت ذلك إلى التأصيل الشرعي لقيمة العمل واعتباره ركنا من الأركان الأساسية في الدين، كما تعدّته إلى استنهاض النفوس لتندفع إلى العمل سواء منها النفوس الفردية أو النفس الجمعية وذلك بالتعميق الإيماني لقيمة العمل في ضمائر الأفراد والجماعات وعقولهم، وبالتنبيه إلى المعوّقات التي تحول دون الاندفاع إلى العمل والإرشاد إلى سبل مواجهتها.

3 ـ جهود الشيخ القرضاوي في العمل الجماعي

إنّ العالم إذا عمل بعلمه في خاصّة نفسه فقام بالعبادات وتمثّل بالقيم الأخلاقية وأحسن السمت السلوكي فقد قام بواجب مقدّر في حقّ العلم الذي هو أمانة في عنقه، وإذا عمل بعلمه ممتدّا به إلى الناس ينفعهم بمقتضياته من النفع فبثّه في العقول والنفوس تعليما، وقدّمه للناس استكشافا لحقائق الكون، وقدّمه للعالمين صناعة أو زراعة أو بنيانا تعميرا في الأرض فقد بلغ درجة أعلى في أداء أمانة العلم والوفاء بها، ولكنّ الدرجة العليا في هذا المضمار هي أن يحرّك العالم بعلمه الآخرين من الناس فيجعلهم يعملون به في منظّمات وهيئات وجمعيات تقوم بجهد جماعي واسع ببثّ  العلم في الصدور ونشر الخير بين الناس فإذا ثمرة العلم بعدما كانت ثمرة للعالم الفرد تصبح ثمرة للآلاف من الناس المنتظمين في تلك الهيئات والمنظمات التي حرّكها العالم الفرد، فيعمّ النفع وينتشر الخير، وتلك هي الدرجة التي بلغها الشيخ القرضاوي بعدما حقّق الدرجة الأولى والثانية من درجات الوفاء بأمانة العلم.

المتتبّع لسيرة للشيخ القرضاوي في شأن التأسيس للأعمال الجماعية يجدها سيرة ثرية جدا، فجهوده في هذا الأمر جهود ممتدّة على مراحل العمر، وقد شملت هذه الجهود مجالات متعدّدة من مجالات الحياة مما يدلّ على أنّ العمل الجماعي لم يكن أمرا عارضا في الفكر وإنما كان مبدأ راسخا من مبادئه التي كرّس لها عقله بالبيان النظري، وكرّس لها حياته بالجهد العملي. وإذا ذهبنا نستجلي هذه الجهود فإننا قد لا نستطيع الإحاطة بكلّ ما شارك به الشيخ من جهد في المنظمات والهيئات، ولذلك فإننا نقتصر على بيان تلك المشاركات التي كان له فيها الدور التأسيسي لمنظّمات كبرى أصبح لها شأن في نشر الخير بين الناس علما أو إرشادا أو إغاثة للمحروم أو نصرة للمظلوم، ونقتصر على أنموذج واحد في كلّ مجال من هذه المجالات.

أ ـ في مجال الدعوة: انضمّ الشيخ القرضاوي منذ وقت مبكّر من حياته إلى العمل الجماعي في مجال الدعوة والإرشاد، وذلك من خلال جمعية ” الإخوان المسلمون”، وإذا لم يكن من المؤسّسين الأوائل لهذه الجماعة إذ لم يدرك عهد التأسيس إلا أنّ الجهود التي بذلها من خلال هذه الجماعة ترتقي به إلى أن يكون في حكم المشارك في تأسيسها سواء بالنظر إلى الجهود العملية التي قام بها من خلالها أو بالنظر إلى الجهود العلمية التي قام بها في سياق ترشيدها ونشر مبادئها.

فقد كان الشيخ لمدّة طويلة من الشباب ومن الكهولة عضوا عاملا في هذه الجمعية، يقوم بدعوة الناس إلى الدين تصحيحا للمفاهيم واستنهاضا للهمم، ومن أجل ذلك أصابه من المحن ما يصيب الأغلب من العلماء العاملين المخلصين، سجنا وتضييقا وتهجيرا، فلما تقدّم العمر وذاع الصيت أصبح في الدعوة والإرشاد تضيق به المنابر التنظيمية للجمعيات مهما كبرت وأصبح داعية على منابر الأمّة بأكملها من خلال المنظّمات العالمية الكبرى ومن خلال سائل الإعلام على اختلاف أنواعها.

وإذا كانت المشاركة الميدانية للشيخ في الدعوة على هذا النحو فإنّ المشاركة في الدعوة بتأليف الكتب والرسائل ظلّت ممتدّة طيلة مراحل حياته، فقد تتالت هذه الكتب والرسائل التي تنشر العلم كما تنشر الوعي، وتستنبط الأحكام كما تصّح المفاهيم، وتبني الأسس والمبادئ كما تدقّق في الجزئيات والتفاصيل حتى فاقت المائة عددا، وامتدّت إلى مجالات العلم الشرعي كلّها ومجالات الدعوة والإرشاد ّجميعها. وكما كانت الجهود الدعوية المباشرة منطلقة من جمعية الإخوان ثمّ توسّعت إلى الساحة الواسعة للأمّة فإنّ الجهود الدعوية بالتأليف انطلقت من تأكيد المفاهيم التي قامت عليها تلك الجمعية ثمّ توسّعت لتشمل قضايا الأمّة بأكملها نظرية وعملية، فتوسّع  إذن الجهد الذي بذله الشيخ في الدعوة ليعمّ نفعه وينتشر أثره.

ب ـ في مجال التكافل الاجتماعي: يؤمن الشيخ القرضاوي بأنّ التكافل الاجتماعي هو أحد الأصول الدينية كما تؤكّد ذلك نصوص القرآن والسنّة، فكفاية المحتاجين والمحرومين من أوكد الواجبات على الأفراد والمجتمع والدولة كلّ في الدائرة التي هو مكلّف بها، وقد تناسى الوعي الإسلامي العامّ هذا الواجب الديني، ونزل به من رتبة الأصول إلى رتبة الفروع بل إلى المستحبّات والنوافل، ومن رتبة التكليف الجماعي إلى رتبة المبادرات الفردية في أحسن الأحوال.

وكان الشيخ يلحظ ما يعانيه المسلمون في مناطق كثيرة من العالم أفرادا وجماعات من الفقر والخصاصة والحرمان، كما يلحظ تقاعس الأمّة عن القيام بواجبها في كفالة هؤلاء المحرومين بالرغم مما تتوفّر عليه من الثروات الطائلة، واستقرّ في نفسه أنّ هذا الواجب لا يمكن أن تنهض به إلا جهود جماعية منظّمة، فنادى بفكرة تأسيس منظّمة عالمية تقوم بهذا الدور التكافلي، فتؤخذ الأموال من أغنياء المسلمين لتردّ على فقرائهم وفق نظام عصري في التراتيب الإدارية وعلى أساس الأصول والقواعد الدينية من زكاة وأوقاف وهبات وغيرها.

وقد وجدت هذه الدعوة صداها في دولة الكونية فتأسّست فيها سنة 1985 الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وبالإضافة إلى كون هذه الهيئة هي استجابة للفكرة التي دعا إليها الشيخ فقد كان هو أيضا أحد مؤسّسيها بالفعل، وأحد أبرز العناصر في دوائرها القيادية التوجيهية منذ تأسيسها، حتى أصبحت من أكبر الهيئات الخيرية التضامنية في العالم، وأصبحت تمتدّ بالعطاء التضامني للفقراء والمحتاجين في 136 دولة، وتنوّع عطاؤها ليشمل الكفالة في مختلف وجوه الحاجة المادّي منها والمعنوي. وتحرّكت في هذه السبيل جموع كثيرة من المسلمين من أصحاب المال والفكر والإدارة والإنجاز الميداني بأثر من علم الشيخ القرضاوي الذي لم يبق حبيس الذهن وإنما وجد طريقه إلى العمل الواقعي فكان علما نافعا بإذن الله تعالى.

ج ـ في المجال العلمي: إذا كان المسلمون عامّة مطلوبا منهم أن يكون لهم دور في الفعل الاجتماعي يتجاوز ما يحصّله الفرد من منافع لشخصه أو لخاصّة أسرته إلى أن يمتدّ نفعه إلى المجتمع الذي يعيش فيه فإنّ دور العلماء في هذا الشأن دور مضاعف باعتبار ما يتوفّرون عليه من وعي بالمسؤولية بمقتضى ما يحملون من العلم. وهذا الدور المطلوب من العلماء قد لا يكون له الأثر الفاعل على الوجه المطلوب إذا كان دور أفراد من العلماء يقوم به كلّ عالم في حدود الدائرة التي يعيش فيها وإن كان ذلك لا يخلو من الفوائد، والأثر الفاعل إنما يكون بالدور الذي يقوم به العلماء في تعاون جماعي بينهم تتوحّد فيه جهودهم وتنضج فيه رؤاهم ويزكو فيه عطاؤهم.

ظلّ تجميع العلماء ليقوموا بهذا الدور الفاعل في الأمّة همّا راسخا يحمله الشيخ القرضاوي منذ زمن بعيد، وظلّت الفكرة تتطوّر في نفسه حتى أصبحت مشروعا واضح المعالم فطرحها على دائرة واسعة من العلماء في أقطار الأرض، وانتهى الأمر إلى تأسيس “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” برئاسته سنة 2004، وقد أصبح هذا الاتحاد يضمّ من العلماء ما يقارب المائة ألف بين المنخرطين فيه أفرادا والمنخرطين جمعيات ومنظمات وهيئات، وأصبح العلماء فيه ينشطون بالتعليم والتوعية والإرشاد وإصلاح ذات البين والإسهام في الحياة العامّة في العديد من البلاد العربية والإسلامية، وذلك وفق الميثاق التي وضعه الشيخ ووافق عليه العلماء قائما مقام الدستور العلمي والأخلاقي الذي يلتزم به كلّ المنخرطين في الاتحاد، فأصبح هذا الاتحاد إذن يجمّع الجهود المتفرّقة، ويتّجه بالعلم من وجوده نظريا في عقول العلماء إلى صيرورته عملا ينفع الناس، وتلك هي غاية العلم.

وقد كان للشيخ مشاركات عديدة في تجمّعات أخرى للعلماء وخاصّة منها التجمّعات المتمثّلة في المجامع الفقهية، فهو عضو فاعل في كبريات تلك المجامع مثل المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي. ومن تلك المجامع مجمع كان الشيخ أحد مؤسّسيه ورئيسا له منذ تأسيسه وهو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهو المجمع المختصّ في الإفتاء للمسلمين في أوروبا إفتاء يتجاوز الإفتاء الجزئي في القضايا الفردية التي تعرض لهؤلاء المسلمين إلى الإفتاء في القضايا الكبرى التي تتعلّق بالوجود الإسلامي في أوروبا في سيرورته وفي مصيره.

لقد كان علم الشيخ القرضاوي لا يقف عند حدّ أن يصبح علما عمليا مقتصرا على حدّ ذاته، وإنما تجاوز ذلك إلى أن أصبح علما يحرّك علم الآخرين من العلماء، ويحشّد طاقاتهم، ويوحّد جهودهم، فتمثّل ذلك في تجميع العلماء في هذه المنظمات العلمية التي تهتمّ بقضايا المسلمين سواء تعلّقت بوعيهم الديني أو بحياتهم الجماعية في علاقاتهم ببعضهم أو بعلاقاتهم بالمجتمعات غير الإسلامية التي يعيشون فيها، فأصبح إذن علم الشيخ عملا تجاوز حدّ ذاته إلى حدود العلماء الذين تجمّعوا بتأسيسه في هذه المنظمات العلمية المتنوّعة.

د ـ في المجال الإعلامي: أدرك الشيخ القرضاوي منذ وقت مبكّر ما للإعلام من أهمّية في تبليغ العلم للناس وفي توعية الأمّة بتصحيح المفاهيم وتفعيل الإرادة وتوحيد الوجهة لما فيه الخير والصلاح، فكانت له مناشط واسعة في وسائل الإعلام على اختلافها مكتوبة ومسموعة ومرئيّة، وكانت له برامج راتبة في العديد من تلك الوسائل لعلّ من أشهرها برنامج “الدين والحياة” في تلفزيون الجزية الذي استمرّ في البثّ المباشر سنوات عديدة.

ولكنّ هذا الجهد الإعلامي بالرغم من أهمّيته وأهمّية ما يحدثه من آثار إيجابية فإنه يبقي محدودا باعتبار أنه جهد عالم فرد؛ ولذلك فإنّ الشيخ كان يفكّر في طريقة أخرى يستثمر فيها الإعلام ليحرّك جهود العدد الكبير من جهود العلماء والمفكّرين فتصل توجيهاتهم وإرشاداتهم من خلال هذه الوسيلة الجديدة إلى أوسع دائرة من المسلمين في تفاعل حيّ فيكون في ذلك توسيع لدائرة العلماء المرشدين ودائرة المتلقّين من المسلمين.

وتحقيقا لهذه الفكرة أسّس الشيخ بمساعدة مجموعة واسعة من الشباب على الأخصّ منبرا إعلاميا إلكترونيا سُمّي بـ”إسلام أون لاين” سنة 1999، وتمكّنت هذه الشبكة من أن تكون منبرا يجمّع جهود الآلاف من العلماء والمفكّرين والباحثين فتبثّ هذه الجهود ليتلقّاها في كلّ يوم مئات الآلاف من المسلمين وغير المسلمين وليصل عدد من تلقّوها خلال بضع سنوات إلى مئات الملايين من الناس فكانت ثمارها ثمارا زكيّة برؤية من الشيخ ومعينيه تبتغي من العلم أن يصبح عملا ومن العلم الفردي أن يحرّك العلم نحو العمل في حشد جماعي مبارك.

هـ ـ في المجال السياسي: لئن لم يكن الشيخ لقرضاوي يمارس النشاط السياسي من خلال الأحزاب السياسية تأسيسا أو انخراطا لما في الأحزاب السياسية من ضيق المحلّية وما فيها من التبعات المعطّلة عن الآفاق الواسعة في نطاق الأمّة، ولكنّه كان يحمل الهموم السياسية للأمّة الإسلامية متابعة تفصيلية للأحداث ومشاركة فاعلة في التدخّل لإصلاح ذات البين في الكثير من المناطق التي تحدث فيها النزاعات السياسية إدلاء بالرأي أو سعيا في الميدان. وقد كان الهمّ الأكبر في هذا الشأن تختصّ به القضايا الكبرى للأمّة وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي كانت تحظى باهتمام خاصّ في فكر الشيخ وفي جهوده العملية، وفي القلب من تلك القضية قضية القدس الشريف المحتلّ من قبل الصهيونية.

وإذ كان الكثير من العلماء يحملون همّ هذه القضية وعلى رأسها قضية القدس الشريف دفاعا عنها ومشاركة في الجهود الإغاثية المتعلّقة بها إلاّ أنّ جهود العلماء هذه لم تكن موحّدة لتؤتي ثمارها على نحو أكثر فاعلية فنشأت فكرة توحيد جهود العلماء والمفكّرين في هيئة جامعة تتبنّى قضية القدس وتدافع عنها بالعلم تأسيسا وتأصيلا وبالدعوة توعية وتحشيدا وبالعمل تمويلا وإنجازا لما يدعم القضية على أرض الواقع المقدسي.

ولهذا الغرض تأسّست “مؤسّسة القدس الدولية” سنة 2001، وكان في القلب من هذه المؤسّسة فكرة وإنجازا الشيخ القرضاوي الذي كان له الدور المقدّر في جمع حشد كبير تجاوز عدده الألفين من العلماء والمفكّرين والمثقفين والسياسيين ليعلنوا تأسيس هذه المنظّمة وليكون الشيخ على رأس قيادتها، وانطلقت هذه المؤسّسة في العمل على تحقيق أهدافها تحرّك في سبيل ذلك العدد الكبير من العلماء والمفكّرين فتنتظم جهودهم في وجهة واحدة بعدما كانت مشتّتة، وكان للشيخ الفضل الكبير في توحيد هذه الجهود بما فاض به علمه النظري ليصبح عملا يتحرّك في الواقع ويحرّك علم الآخرين نحو الفاعلية في ميدان الحياة العملية غير حبيس في الحياة الذهنية فتنضاف قيمته العملية إلى قيمته العقلية فيبلغ بذلك التمام.

وهكذا عمرت حياة الشيخ القرضاوي بالإنجازات في واقع حياة الأمّة التي شملت مختلف مجالاتها، وذلك بفعل ذلك العلم الغزير الذي حباه الله تعالى به، ولكنّه العلم الحيّ المتفاعل مع واقع الحياة، المؤثّر في ذلك الواقع تأثيرا اقتضاه تمثّل حقيقة العلم في ذاته تمثّلا يجعل تلك الحقيقة يرتبط فيها العلم بالعمل جزء منه لا ينفصل عنه، ويتجاوز في أثره حدود ما يعمل العالم بمقتضيات علمه فردا إلى ما يحرّك علم الآخرين من العلماء والمفكّرين لتتّجه جهودهم منتظمة في تنظيمات مشتركة وتتّجه في وجهة موحّدة، تلك هي فلسفة الشيخ القرضاوي التي تراءت في جمعه بين العلم الغزير وبين العمل المجدي في واقع الحياة.

والله ولي التوفيق.


(*) نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهي رقة مقدّمة في الاحتفال بتسعينية الشيخ القرضاوي.

 القرضاوي ـ الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد:  62 (ط1 دار الشروق، القاهرة، 1968) [1]

 نفس المرجع ـ 65[2]

 نفس المرجع ـ 60[3]

 نفس المرجع: 61[4]

  القرضاوي ـ أولويات الحكة الإسلامية:30 (ط مؤسسة الرسالة، القاهرة 1992) [5]

 يُراجع في ذلك على سبيل المثال: القرضاوي ـ الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد: 72 وما بعدها [6]

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.