عوامل سقوط الحضارات في القرآن والسنة (6-6)

بقلم الشيخ د. عبد السلام البسيوني(*)

المخارج والحلول

ومع كل ما مر من المثبطات والمحبطات، فإنني متفائل، واثق من حفظ القرآن، وبقاء طائفة من الأمة، ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك. كما أنني واثق من رحمة الله تبارك وتعالى الذي وصف لنا الأدواء، ووصف لنا الأدوية، بشكل يعين العاقل، والمعظم لحرمات الله تعالى، أن ينجو من الطوفان إن نزل. فما هي المخارج التي فتح لنا الرحمن الرحيم أبوابها لننجو؟ تعال نر قارئي الكريم:

أولا: أول المخارج التضرع عند نزول البلاء: يقول تبارك وتعالى: ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فأخذناهم بالبأساء والضراء؛ لعلهم يتضرعون* فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون* فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء؛ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون* فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين) الأنعام:42-44. ويقول تعالى في بعض الأمم المعتوهة التي لم تعقل، ولم ترعو، أو تتضرع: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) المؤمنون:76، قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله قريشًا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، … عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنزل الله: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) !

ثانيا: ومن المخارج المهمة: الدعاء: الدعاء للأمة، والدعاء للسلطان، والدعاء لنفسك ومن تحب، فلا يرد القضاء إلا الدعاء، كما ورد في صحيح سنن الترمذي عن سيدي سلمان رضي الله عنه مرفوعًا، وفي البدر المنير لابن الملقن، وله شواهد: (الدُّعاءُ والبلاءُ يَعتلِجانِ) أي : يتدافعانِ! وفي حديث آخر – فيه كلام – في صحيح الجامع، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: (لا يُغْنِي حَذَرٌ من قَدَرٍ، والدعاءُ ينفعُ مما نزل، ومما لم يَنْزِلْ، وإنَّ البلاءَ لَيَنْزِلُ، فيَتَلَقَّاه الدعاءُ، فيَعْتَلِجَانِ إلى يومِ القيامةِ)!

ثالثا: ومن المخارج: المبادرة بالتوبة النصوح: وقد نفع هذا قوم سيدنا يونس عليه السلام: يقول ربنا تبارك وتعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) يونس:89، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم؛ ممن سلف من القرى، إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا خوفًا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله، واستغاثوا به، وتضرعوا لديه، واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم، فعندها رحمهم الله، وكشف عنهم العذاب وأخروا، كما قال تعالى: (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين)!

رابعا: ومن المخارج: وعظ الناس، ونصيحتهم، وعدم تركهم مهما طغوا: يقول عز شأنه: (وإذ قالت أمة منهم: لم تعظون قوما الله مهلكهم، أو معذبهم عذابًا شديدً؟ قالوا: معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون* فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس؛ بما كانوا يفسقون* فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم: كونوا قردة خاسئين) الأعراف:164-166. يقول الإمام ابن كثير في تفسيرها: يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، كما تقدم بيانه في سورة البقرة. وفرقة نهت عن ذلك، وأنكرت واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا)؟ أي: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم. قالت لهم المنكرة: (معذرة إلى ربكم) أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! (ولعلهم يتقون) يقولون: ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم! (فلما نسوا ما ذكروا به) أي: فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة (أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا) أي: ارتكبوا المعصية (بعذاب بئيس) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا!

خامسا: ومن المخارج: تقوى الله تبارك وتعالى: يقول عز وجل: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كدبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) الأعراف:96.

سادسا: ومن المخارج: الإكثار من صنائع المعروف: وسبب ذلك أنها دافعة للأسباب، جالبة لرضا رب الأرباب تبارك وتعالى؛ ففي الجامع الصغير بسند صحيح عن سيدي أنس بن مالك رضي الله عنها مرفوعا: (صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ والآفاتِ والمهلكاتِ، وأهلُ المعروفِ في الدنيا همْ أهلُ المعروفِ في الآخرةِ) ونصه عن سيدتي أم سلمة وغيرها رضي الله عنهم، كما في صحيح الترغيب وغيره، مرفوعًا: (صنائِعُ المعروفِ تَقِي مصارعَ السُّوءِ، والصدَقةُ خِفْيًا تُطفئ غضبَ الرَّبِّ، وصِلةُ الرَّحِمِ تَزيدُ في العُمرِ، و كلُّ معروفٍ صدقةٌ، وأهلُ المعروفِ في الدُّنيا هُم أهلُ المعروفِ في الآخِرةِ)!

سابعا: ومن المخارج: التعجيل بتصحيح المسار، والرجعى لله تعالى: يقول سبحانه وتعالى في سورة النساء:66-70: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، وأشد تثبيتًا* وإذا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا* ولهديناهم صراطا مستقيمًا* ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا* ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا) وعلى العبد المبتلى أن يسارع بالأوبة، ولسان حاله يحتف في انكسار، وضراعة: (وعجلت إليك رب؛ لترضى) طه:84. وقال تعالى جده: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ؛ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ؛ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) الروم:43.

ثامنا: الانخلاع من الأسباب الجالبة للهلاك كما ورد من قبل: وذلك كالطبقية البغيضة، والشذوذ المقيت، والظلم، والبغي، والسلوك المستكبر كالبطر والسرف والكبر، والاستباحة المالية كالبيوع المحرمة والربا، وغيرها؛ كما قال تعالى للصحابة: (فهل أنتم منتهون) فبادر عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا.., انتهينا.. كما في مسند أحمد وغيره.

هذا ما تيسر لي جمعه، وتأمله، واستخلاص عبره؛ سائلاً ربي تبارك وتعالى أن ينفع به، وأن يتجاوز عن تقصيري فيه وخطئي، ويرزقني وإياكم الإخلاص، وصدق النية، وبالله الاستعانة، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين..


(*) كاتب وداعية كبير وشاعر وأديب ساخر.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.