
حين تُذكر الصدقة الجارية يتجه الذهن غالبًا إلى صور مألوفة: بناء مسجد، أو حفر بئر، أو توزيع مصحف. ولا شك أن هذه أبواب عظيمة من الخير، دلّ الشرع على فضلها، وانتفع بها الناس عبر القرون.
لكن المشكلة تبدأ حين نختزل الصدقة الجارية في هذه الصور، ونغفل نوعا آخر من الصدقات، قد يكون أثره أبعد، ونفعه أوسع، وحاجة الأمة إليه أشد، وهو الاستثمار في الإنسان.
فالصدقة ليست أن تبني مسجدًا فحسب، بل أن تبني إنسانًا يعرف لماذا يذهب إلى المسجد، وليست أن تحفر بئرًا فحسب، بل أن تحفر في عقل جيل مجرى للوعي والمعرفة.، وليست في تخريج حفاظ للقرآن فحسب، بل في أن تبني عقولا تفهم مقاصد ما في هذا القرآن الكريم.
نعم من السهل أن نرى أثر الصدقة المادية؛ فالمسجد قائم أمامنا، والبئر يجري ماؤه، والمدرسة لها جدران وأبواب، ولذلك يشعر المتصدق أنه يرى ثمرة ماله مباشرة.
أما بناء الإنسان فأبطأ ظهورًا، لكنه أعمق أثرًا، فقد تدفع مالًا لتعليم طالب، فلا ترى ثمرة صدقتك اليوم، ولكنك بعد سنوات قد تكون أسهمت في صناعة طبيب ينقذ الأرواح، أو معلم يبني العقول، أو باحث ينتج المعرفة، أو مصلح يحمل رسالة إلى مجتمعه.
وقد تموّل برنامجًا لتأهيل مجموعة من الشباب، فلا يبقى من مالك بناء يحمل اسمك، ولكن يبقى جيل يحمل الفكرة التي ساهمت في غرسها.
وهنا ينبغي أن نعيد اكتشاف المعنى الواسع لحديث النبي ﷺ: « إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ».
فاللافت أن الحديث لم يحصر امتداد أثر الإنسان بعد موته بالصدقة المادية، بل تجاوزها إلى العلم، والإنسان الصالح، وكأن أبواب البقاء لا تتعلق ببناء الأشياء وحدها ، وإنما ببناء المعرفة والإنسان.
إننا للأسف كثيرا ما ننفق على بناء القاعات، لكنا نسينا أو تناسينا أن ننفق على بناء العقول التي ستجلس فيها .. قد نجد من يتبرع لبناء مدرسة، ثم يصعب أن نجد من يمول مشروعًا طويل الأمد لتطوير المعلمين، أو إعداد الباحثين، أو صناعة المناهج، أو دعم البحث العلمي.
يمكن أن تمتلك أمة آلاف المدارس وتعاني أزمة تعليم، وآلاف المساجد وتعاني أزمة وعي، وعشرات الجامعات وتعاني أزمة معرفة، وتوزع آلاف السلات الغذائية وتعاني من ضمور الجانب الأخلاقي، لأن العمران الحقيقي يبدأ بالإنسان قبل البنيان.
ولا يكتمل العمران بالمعرفة فحسب، فقد نصنع إنسانًا متعلمًا، لكنه بلا أمانة، أو متخصصًا بلا مسؤولية، أو ذكيًا بلا ضمير، ولهذا فإن من أعظم مجالات البذل بناء منظومة القيم في المجتمع.
وحين ندعم مشروعًا يغرس الصدق في الأطفال، أو المسؤولية في الشباب، أو الأمانة في الموظفين، أو أخلاق المهنة في الأطباء والمعلمين والتجار؛ فإننا لا نمول نشاطًا عابرًا، بل نسهم في تشكيل السلوك الاجتماعي لأجيال.
وقد تكون قيمة واحدة تُغرس في مائة شاب أعظم أثرًا من منشأة مادية؛ لأن المنشأة تخدم الإنسان من الخارج، بينما القيمة تعيد بناءه من الداخل.
وأخيرا فنحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: كم شخصًا ساعدنا؟ إلى سؤال أعمق: كم إنسانًا مكّنا؟ ومن سؤال: كم وجبة وزعنا؟ إلى كم قيمة زرعنا، ومن سؤال كم مسجدًا بنينا؟ إلى: كم جيلًا أعددنا ليحمل رسالة المسجد إلى الحياة؟
(*) عضو مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي منذ عام 2024م، وشغل مناصب مهمة، مثل: عضو هيئة التدريس في كلية الإمام الأعظم الجامعة في نينوي بالعراق، ورئيس المجلس الإفتائي في محافظة نينوي، ويدرس علوم الإجازة العلمية منذ أكثر من ثلاثين سنة.


